ازدادت أهمية إفريقيا بعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران عام 2026، لأن هذه الحرب لم تبقَ داخل حدود الخليج والشرق الأوسط، بل أعادت فتح ملفات البحر الأحمر، وباب المندب، والقرن الإفريقي، والسودان، والموانئ، وأمن الملاحة.
ومن الناحية الزمنية، يمكن التمييز بين مرحلتين مترابطتين: الضربات الأميركية الإسرائيلية في يونيو/ حزيران 2025 التي استهدفت منشآت إيرانية ومهّدت لإعادة تقييم ميزان الصراع، ثم مرحلة التصعيد الأوسع التي بدأت في 28 فبراير/ شباط 2026، حين تحولت المواجهة إلى حرب أميركية - إسرائيلية مباشرة ضد إيران، وفق إحاطة بحثية صادرة عن مكتبة مجلس العموم البريطاني حول خلفية النزاع وتداعياته الإقليمية.
وتكتسب إفريقيا أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها ليست ساحة بعيدة عن الشرق الأوسط، بل مجال وسيط بين الخليج، والبحر الأحمر، والمحيط الهندي، وشمال إفريقيا. فالقرن الإفريقي يطل على باب المندب والبحر الأحمر، والسودان يربط الساحل الإفريقي بالمجال العربي، بينما تقع الصومال وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا في قلب الحسابات البحرية والأمنية.
كما تمنح مواقف الدول الإفريقية داخل الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة هذا التنافس بعدًا دبلوماسيًا لا يقل أهمية عن البعد العسكري، إذ تسعى كلّ من إيران وإسرائيل إلى توسيع دائرة علاقاتها وتقليل مساحة التأييد لخصمها.
تطور الحضور الإيراني والإسرائيلي في إفريقيا قبل حرب 2026
تطور الحضور الإيراني في إفريقيا منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 ضمن سياقات متعددة، تمثلت في البحث عن حلفاء خارج المجال الغربي، وكسر العزلة الناتجة عن العقوبات، وتوسيع العلاقات مع الدول النامية، إضافة إلى توظيف الخطاب المناهض للهيمنة الغربية.
واعتمدت طهران على أدوات دبلوماسية وثقافية ودينية واقتصادية، إلى جانب إقامة علاقات انتقائية مع بعض الدول الإفريقية. ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية عليها، أصبحت إفريقيا مجالاً مهمًا بالنسبة لإيران لتنويع علاقاتها التجارية والسياسية، والبحث عن مساحات جديدة للحركة خارج مناطق نفوذها التقليدية.
وتجسدت هذه المقاربة في زيارة الرئيس الإيراني آنذاك إبراهيم رئيسي إلى كينيا وأوغندا وزيمبابوي في يوليو/ تموز 2023، وهي زيارة عكست محاولة طهران تنشيط علاقاتها مع إفريقيا بعد سنوات من التراجع النسبي. وقدمت إيران الزيارة باعتبارها بداية جديدة في علاقاتها مع القارة، كما وقعت اتفاقيات تعاون مع زيمبابوي في مجالات الطاقة والزراعة والأدوية والاتصالات والبحث العلمي والتكنولوجيا.
ورغم محدودية القدرة الاقتصادية الإيرانية مقارنة بقوى دولية أخرى، فإن طهران تحاول تعويض ذلك عبر خطاب سياسي قابل للتوظيف في بعض البيئات الإفريقية، وشبكات دينية وثقافية وتجارية محدودة.
أما إسرائيل، فقد سعت إلى تعزيز حضورها في إفريقيا عبر مسارات مختلفة، أبرزها التعاون الأمني، والتكنولوجيا الزراعية، وإدارة المياه، والصحة، والأمن السيبراني، والدبلوماسية الثنائية.
واتخذ الحضور الإسرائيلي طابعًا عمليًا، إذ تقدم إسرائيل نفسها بوصفها شريكًا أمنيًا وتكنولوجيًا قادرًا على مساعدة الدول الإفريقية في مواجهة الإرهاب، وضبط الحدود، وتطوير قطاعات الزراعة والمياه. غير أن هذا الحضور ظل متأثرًا بموقف قطاعات واسعة من الرأي العام الإفريقي تجاه القضية الفلسطينية، وبصورة إسرائيل داخل الاتحاد الإفريقي، خصوصًا بعد حرب غزة.
وتشير دراسات يارون سلمان إلى أن البعد الأمني أصبح عنصرًا مركزيًا في العلاقات الإسرائيلية- الإفريقية خلال السنوات الأخيرة، خاصة من خلال الصادرات الدفاعية، والتدريب، والتعاون الاستخباراتي، والحلول التكنولوجية.
وفي المقابل، تبرز دراسة سارة بزووباندي وحميد طالبيان حول التنافس الإيراني- الإسرائيلي في البحر الأحمر وشرق إفريقيا، أن المنطقة تحولت تدريجيًا إلى مجال حساس تتقاطع فيه اعتبارات الأمن البحري، والنفوذ الدبلوماسي، والحسابات المرتبطة بإيران وإسرائيل.
وقبل حرب 2026، كان التنافس بين الطرفين في إفريقيا غير متكافئ من حيث طبيعة الأدوات المستخدمة؛ فإسرائيل تمتلك أدوات عملية في مجالات الأمن والتكنولوجيا والزراعة، لكنها تواجه عبئًا سياسيًا مرتبطًا بالقضية الفلسطينية.
أما إيران فتمتلك خطابًا سياسيًا ودينيًا يمكن توظيفه في بعض الدول، لكنها تفتقر إلى قدرة اقتصادية ومؤسسية واسعة، لذلك لم يكن التنافس قائماً على توازن أدوات متشابهة، بل على اختلاف في مصادر النفوذ ووظائفه.
الحرب الأميركية - الإسرائيلية وإعادة ترتيب الجغرافيا التنافسية
أدت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران عام 2026 إلى تغيير طبيعة التنافس الإيراني - الإسرائيلي في إفريقيا، إذ دخلت إيران الحرب وهي تواجه وضعًا داخليًا وإقليميًا معقدًا، بفعل العقوبات، والأزمة الاقتصادية، وتراجع قدرة بعض حلفائها، إضافة إلى آثار الضربات التي طالت بنيتها الدفاعية والنووية.
غير أن هذا الضعف لا يعني بالضرورة تراجع الحضور الإيراني في إفريقيا، بل قد يدفع طهران إلى البحث عن ساحات أقل تكلفة لتوسيع هامش المناورة الجيوسياسية، وتعزيز علاقاتها مع دول يمكن أن توفر لها دعمًا سياسيًا أو اقتصاديًا، أو تمنحها مساحة للتحرك خارج نطاق الضغوط المباشرة.
في المقابل، استثمرت إسرائيل الحرب لتقديم نفسها بوصفها شريكًا أمنيًا في مواجهة إيران وحلفائها، خصوصًا في المجال البحري. ومع ذلك، فإن تنامي الحضور الإسرائيلي في إفريقيا لا يخلو من مخاطر؛ إذ قد يُنظر إليه من بعض الدول الإفريقية والعربية باعتباره توسعًا أمنيًا حساسًا، لا سيما إذا ارتبط بالتعاون الاستخباراتي، والطائرات المسيّرة، أو ترتيبات وقواعد أمنية غير معلنة في مناطق تشهد تنافسًا إقليميًا ومتنازع عليها.
ويمثل القرن الإفريقي والبحر الأحمر مركز الثقل في هذا التحول، فالمنطقة تقع عند تقاطع باب المندب، وخليج عدن، والبحر الأحمر، واليمن، والسودان، والخليج العربي. لذلك، فإن أي تصعيد بين إيران وإسرائيل ينعكس بصورة مباشرة على أمن الملاحة، وتكاليف التأمين، وحركة الموانئ، وسلاسل الإمداد.
وقد حذّر الاتحاد الإفريقي في فبراير/ شباط 2026 من تداعيات التصعيد على الطاقة والغذاء والاقتصاد في القارة، في ظل تراكم النزاعات والضغوط الاقتصادية.
وتعد أرض الصومال، وإثيوبيا، وجيبوتي، وإريتريا، والسودان من أكثر المواقع حساسية في هذا السياق. ففي يونيو/ حزيران 2026، برزت تقارير تحدثت عن تدريب إسرائيلي لقوات في أرض الصومال، مع نفي وجود محادثات بشأن إنشاء قاعدة عسكرية. وأثارت هذه القضية حساسية سياسية بسبب موقف الصومال الرافض لأي تعامل أحادي من شأنه المساس بوحدة الدولة وسيادتها.
كما زادت مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال بشأن الوصول إلى البحر الأحمر من تعقيد معادلات المنطقة، بعدما تحول ميناء بربرة من ملف اقتصادي إلى نقطة ضغط جيوسياسية في القرن الإفريقي.
وإلى جانب القرن الإفريقي، يحتفظ السودان بأهمية خاصة في حسابات التنافس الإيراني - الإسرائيلي. فالحرب السودانية، منذ عام 2023، لم تعد نزاعًا داخليًا صرفًا، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات قوى إقليمية ودولية متعددة.
وبالنسبة لإيران، يمثل السودان منفذًا محتملًا نحو البحر الأحمر، وأداة ضغط يمكن أن تعزز من خلالها حضورها الإقليمي إذا تمكنت من بناء علاقات أمنية مع أطراف محلية. أما إسرائيل، فيمثل السودان موقعًا حساسًا بسبب ارتباطه السابق بمسار التطبيع، وموقعه الجغرافي بين مصر والبحر الأحمر والقرن الإفريقي.
ولا يقتصر التنافس على هذه المناطق، إذ تبرز في شرق إفريقيا دول مثل كينيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا ضمن ملفات الأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، والتعاون العسكري.
وفي وسط إفريقيا، تظهر جمهورية إفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والكاميرون، وجمهورية الكونغو بوصفها مناطق غنية بالموارد وضعيفة المؤسسات، ما يجعلها قابلة لتقاطع النفوذ الأمني والاقتصادي.
أما في منطقة الساحل، فتكتسب مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وتشاد، وموريتانيا أهمية خاصة بسبب تحديات الإرهاب، والانقلابات العسكرية، وتجارة الذهب، والفراغ الأمني.
وفي غرب إفريقيا، تمثل دول مثل نيجيريا، والسنغال، وغانا، وساحل العاج مجالات مهمة للنفوذ الدبلوماسي والاقتصادي وقطاعات الطاقة. بينما تبرز في إفريقيا الجنوبية جنوب إفريقيا، وزيمبابوي، وناميبيا بسبب وزنها السياسي، وامتلاكها موارد ومعادن استراتيجية، وعلاقاتها ضمن مجموعة بريكس.
مناطق التنافس الإيراني - الإسرائيلي في إفريقيا بعد حرب 2026
يمكن تلخيص مناطق التنافس الرئيسية بين إيران وإسرائيل في إفريقيا بعد الحرب في عدد من المجالات الجغرافية والاستراتيجية:
- القرن الإفريقي والبحر الأحمر: يمثل المنطقة الأكثر حساسية بسبب ارتباطها بالممرات البحرية الدولية، والموانئ، وأمن التجارة العالمية.
- السودان: بسبب موقعه على البحر الأحمر، وتداخل الحرب الداخلية مع الحسابات الإقليمية.
- الساحل الإفريقي: بسبب هشاشة الدول، وانتشار الجماعات المسلحة، وتنافس القوى الخارجية على الموارد والنفوذ.
- غرب إفريقيا: باعتبارها منطقة ذات ثقل دبلوماسي واقتصادي، خاصة في ملفات الطاقة والتجارة.
- إفريقيا الجنوبية ووسط القارة: بسبب الموارد الطبيعية والمعادن الاستراتيجية والوزن السياسي لبعض الدول.
أدوات التنافس الإيراني - الإسرائيلي في إفريقيا
يتخذ التنافس الإيراني - الإسرائيلي في إفريقيا أشكالًا متعددة، ولا يقتصر على المجال العسكري، إذ يمتد إلى مستويات سياسية ودبلوماسية، وأمنية وعسكرية، واقتصادية، إضافة إلى أدوات القوة الناعمة.
ويمكن تصنيف هذه الأدوات إلى أربعة مستويات رئيسية:
أولاً: الأدوات السياسية والدبلوماسية
تتمثل الأدوات السياسية والدبلوماسية في الزيارات الرسمية، وفتح السفارات أو تنشيطها، وتوقيع الاتفاقيات الثنائية، ومحاولات استمالة مواقف الدول الإفريقية داخل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.
وتسعى إيران إلى توظيف علاقاتها مع بعض الدول الإفريقية لتخفيف العزلة الدولية المفروضة عليها، وتعزيز حضورها السياسي خارج محيطها الإقليمي. في المقابل، تعمل إسرائيل على توسيع دائرة علاقاتها الدبلوماسية، وتحسين صورتها داخل القارة، وتقليل المواقف الإفريقية المعارضة لها.
غير أن هذا المسار يبقى مرتبطًا بعوامل عدة، أبرزها موقف الدول الإفريقية من القضية الفلسطينية، وحرص عدد كبير منها على تجنب الاصطفاف المباشر في صراعات الشرق الأوسط.
ثانيًا: الأدوات الأمنية والعسكرية
أصبحت الأدوات الأمنية والعسكرية الأكثر حساسية بعد حرب 2026، وتشمل التعاون العسكري، والتدريب، والاستخبارات، ومكافحة الإرهاب، وتصدير التكنولوجيا الدفاعية، والطائرات المسيّرة، والأمن السيبراني.
وفي هذا المجال، تبدو إسرائيل أكثر قدرة بحكم تفوقها التكنولوجي وشبكة علاقاتها الأمنية مع عدد من الدول الإفريقية.
أما إيران، فقد تتحرك عبر علاقات انتقائية وشبكات أقل ظهورًا، خصوصًا في البيئات التي تبحث عن بدائل للنفوذ الغربي، أو التي تتبنى مواقف أكثر تحفظاً تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل.
ثالثًا: الأدوات الاقتصادية
تتحرك إسرائيل في إفريقيا عبر قطاعات الزراعة، وإدارة المياه، والتكنولوجيا، والطاقة، والأمن السيبراني، والاستثمار، مقدمة نفسها باعتبارها شريكًا في التنمية ونقل الخبرات.
أما إيران، فتحاول توسيع علاقاتها التجارية مع القارة، خصوصًا في ظل العقوبات المفروضة عليها، عبر مجالات مثل الطاقة، والأدوية، والزراعة، والصناعة.
ومع ذلك، تبقى القدرة الاقتصادية الإيرانية محدودة مقارنة بإسرائيل وشركائها الدوليين، كما أصبح قطاعا التعدين والموارد الطبيعية مجالين مهمين للتنافس غير المباشر، خصوصاً في وسط إفريقيا والساحل وإفريقيا الجنوبية.
رابعًا: القوة الناعمة
تشمل القوة الناعمة مجالات التعليم، والمنح الدراسية، والمساعدات الإنسانية، والصحة، والإعلام، والدبلوماسية الدينية.
تمتلك إيران أدوات دينية وثقافية خاصة في بعض البيئات الإفريقية التي توجد فيها جماعات شيعية أو شبكات متعاطفة معها، كما هي الحال في نيجيريا وبعض المناطق الأخرى.
في المقابل، تعتمد إسرائيل على خطاب التكنولوجيا والتنمية والمساعدات الفنية، لكنها تواجه تحدياً يتمثل في صعوبة فصل حضورها الإفريقي عن صورة سياساتها في فلسطين وغزة.
المجال |
أدوات إيران |
أدوات إسرائيل |
|---|---|---|
|
السياسة والدبلوماسية |
زيارات، اتفاقيات، خطاب مناهض للهيمنة، دعم مواقف سياسية |
سفارات، اتفاقيات، توسيع العلاقات الدبلوماسية، تحسين المواقف الإفريقية |
|
الأمن والعسكر |
علاقات انتقائية، دعم غير مباشر، تعاون محدود |
تدريب، استخبارات، أمن سيبراني، طائرات مسيّرة، تكنولوجيا دفاعية |
|
الاقتصاد |
تجارة، طاقة، أدوية، زراعة، شراكات محدودة |
زراعة، مياه، تكنولوجيا، طاقة، استثمار |
|
القوة الناعمة |
تعليم، دين، إعلام، منح، مساعدات |
صحة، تعليم، تكنولوجيا، مساعدات فنية، دبلوماسية تنموية |
التفاعلات الدولية والإقليمية المحيطة بالتنافس
لا يتحرك التنافس الإيراني - الإسرائيلي في إفريقيا بمعزل عن أدوار دولية وإقليمية متعددة، بل يتداخل مع حسابات قوى كبرى وإقليمية تؤثر في طبيعة التحركات داخل القارة.
فالولايات المتحدة تمثل الداعم الاستراتيجي الأبرز لإسرائيل، كما تؤثر سياساتها تجاه إيران في طبيعة تحرك الطرفين داخل إفريقيا. وكلما تصاعدت الضغوط الأميركية على طهران، زادت حاجة إيران إلى البحث عن مجالات مناورة خارج الشرق الأوسط، ومنها القارة الإفريقية.
في المقابل، تستفيد إسرائيل من علاقاتها مع واشنطن في تعزيز صورتها كشريك أمني موثوق للدول الإفريقية التي تبحث عن التكنولوجيا والدعم الاستخباراتي.
ويلعب الدور الروسي والصيني دورًا موازنًا في بعض الساحات الإفريقية. فروسيا توسع حضورها الأمني في الساحل وإفريقيا الوسطى والسودان عبر صيغ عسكرية وأمنية مختلفة، ما يخلق بيئة تنافسية معقدة قد تتقاطع فيها مصالح موسكو وطهران في بعض الملفات.
أما الصين، فتركز على البنية التحتية، والموانئ، والتجارة، والموارد، ولا تميل غالبًا إلى الاصطفاف الأيديولوجي، لكنها تؤثر في البيئة الاقتصادية التي يتحرك ضمنها الطرفان.
كما يظهر الدور التركي والخليجي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. فتركيا حاضرة في الصومال ومناطق أخرى عبر أدوات عسكرية وتنموية ودبلوماسية، بينما تمتلك دول خليجية، خصوصًا الإمارات والسعودية وقطر، حضورًا مؤثرًا في ملفات الموانئ، والتمويل، والوساطات.
وتبرز الإمارات بشكل خاص في ملف الموانئ والبحر الأحمر، كما يظهر في حالة بربرة وموقعها ضمن حسابات إثيوبيا وأرض الصومال.
أما الدور الأوروبي والفرنسي، فيرتبط بدرجة أكبر بملفات الأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، والهجرة، خصوصًا في منطقة الساحل والبحر الأحمر.
وتؤثر اتفاقيات أبراهام بدورها في إعادة فتح المجال أمام إسرائيل لتوسيع حضورها في إفريقيا، خاصة في الدول التي تقيم علاقات مع المغرب أو بعض دول الخليج.
ومع ذلك، يبقى الاتحاد الإفريقي عاملًا مهمًا في الحد من التصعيد، إذ يميل في مواقفه الرسمية إلى رفض عسكرة النزاعات، والدعوة إلى احترام السيادة والقانون الدولي، وتجنب تحويل القارة إلى ساحة صراع بين القوى الخارجية.
تداعيات التنافس على الأمن الإفريقي وسيناريوهات 2026–2035
تتمثل أولى تداعيات التنافس الإيراني - الإسرائيلي في زيادة أهمية الأمن البحري، إذ لم يعد القرن الإفريقي والبحر الأحمر وباب المندب مجرد ممرات تجارية، بل أصبحت مناطق احتكاك تتداخل فيها صراعات الشرق الأوسط مع حسابات الأمن الإفريقي.
ويعني ذلك أن الدول المطلة على هذه الممرات قد تواجه ضغوطًا متزايدة لتقديم تسهيلات عسكرية أو استخباراتية أو لوجستية لأحد أطراف التنافس، وهو ما قد يؤثر في طبيعة سياساتها الخارجية وفي علاقاتها الإقليمية.
ثانيًا، قد يؤدي هذا التنافس إلى زيادة عسكرة بعض المناطق الهشة، خصوصًا إذا انتقلت المنافسة إلى مجالات التدريب العسكري، والطائرات المسيّرة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، أو دعم أطراف محلية.
ويبدو السودان من أكثر المناطق عرضة لهذا الخطر بسبب الحرب الداخلية وموقعه الجغرافي على البحر الأحمر، كما تبقى أرض الصومال، وميناء بربرة، وباب المندب نقاطاً شديدة الحساسية بسبب تداخل قضايا الاعتراف الدولي، والسيادة، والموانئ، والاستثمارات الخارجية.
ثالثًا، قد يمتد أثر التنافس إلى منطقة الساحل وغرب إفريقيا. فدول مثل مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وتشاد، وموريتانيا تواجه أصلاً تحديات مرتبطة بالإرهاب، والانقلابات، وضعف مؤسسات الدولة.
وقد يؤدي توسع التنافس الدولي في هذه البيئات إلى زيادة تعقيد المشهد، خصوصًا إذا ارتبط بملفات الأمن، والذهب، والموارد الطبيعية، والتعاون العسكري.
أما في غرب إفريقيا، فقد تظهر المنافسة عبر دول مثل نيجيريا، والسنغال، وغانا، وساحل العاج، من خلال أدوات الطاقة، والاستثمار، والنفوذ الدبلوماسي، والتعاون الأمني.
رابعًا، قد يدفع التنافس الدول الإفريقية إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على تنويع الشراكات بدلًا من الاصطفاف الكامل مع إيران أو إسرائيل.
وقد تسعى هذه الدول إلى الاستفادة من التكنولوجيا الإسرائيلية، والعلاقات الاقتصادية مع إيران، والدعم الخليجي، والاستثمارات الصينية، والشراكات الغربية، من دون الانخراط المباشر في صراع لا تتحكم في مساراته.
سيناريوهات مستقبل التنافس الإيراني الإسرائيلي في إفريقيا
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار التنافس الإيراني - الإسرائيلي في إفريقيا خلال الفترة الممتدة بين عامي 2026 و2035:
السيناريو الأول: التنافس المضبوط
يقوم هذا السيناريو على استمرار المنافسة عبر الأدوات الدبلوماسية، والأمنية، والتكنولوجية، من دون انتقالها إلى مواجهة مباشرة.
ويبدو هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب، نظراً إلى أن معظم الدول الإفريقية لا ترغب في تحمل تبعات صراع خارجي، كما أن الاتحاد الإفريقي يميل إلى دعم مسارات خفض التصعيد والحلول السياسية.
السيناريو الثاني: العسكرة والتصعيد بالوكالة
في هذا السيناريو، تتوسع المنافسة الأمنية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي عبر قواعد غير معلنة، وتدريب عسكري، وطائرات مسيّرة، وتعاون استخباراتي، أو دعم أطراف محلية.
ويصبح هذا السيناريو أكثر خطورة إذا تصاعد التوتر في باب المندب، أو توسعت الهجمات على حركة الملاحة، أو تحولت بعض الموانئ إلى نقاط ارتكاز مباشرة في الصراع.
السيناريو الثالث: التوازن الإفريقي البراغماتي
يفترض هذا السيناريو قدرة الدول الإفريقية على منع تحويل القارة إلى ساحة اصطفاف حاد، عبر تنويع العلاقات، والتمسك بمبدأ السيادة، ورفض إقامة ترتيبات عسكرية غير شفافة.
ويتوقف نجاح هذا السيناريو على قدرة المؤسسات الإفريقية والدول الساحلية على تطوير آليات إقليمية للأمن البحري، ومنع تدويل النزاعات الداخلية.
السيناريو |
المؤشرات |
النتائج |
|---|---|---|
|
التنافس المضبوط |
تعاون أمني محدود، زيارات، اتفاقيات، تجنب التصعيد |
استمرار المنافسة دون حرب بالوكالة |
|
العسكرة والتصعيد |
قواعد غير معلنة، طائرات مسيّرة، دعم أطراف محلية، توتر بحري |
ارتفاع مخاطر الحرب بالوكالة |
|
التوازن الإفريقي البراغماتي |
تنويع الشراكات، رفض الاصطفاف، دور أكبر للاتحاد الإفريقي |
تقليل أثر الصراع على الأمن الإفريقي |
إلى أين يتجه التنافس الإيراني - الإسرائيلي في إفريقيا؟
توضح الدراسة أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران لم تُنشئ التنافس الإيراني - الإسرائيلي في إفريقيا، لكنها أعادت تشكيل أدواته وأولوياته.
فقد أصبح القرن الإفريقي، والبحر الأحمر، وباب المندب أكثر مركزية في حسابات الطرفين، كما تحولت إفريقيا إلى فضاء تتقاطع فيه قضايا الأمن البحري، والموانئ، والطاقة، والشرعية الدولية، والتحالفات الإقليمية.
وتتحرك إيران في إفريقيا باعتبارها قوة تسعى إلى توسيع هوامش المناورة في ظل الضغوط المفروضة عليها، بينما تتحرك إسرائيل بوصفها قوة أمنية وتكنولوجية تبحث عن عمق استراتيجي وشركاء في مواجهة التهديدات المرتبطة بإيران وحلفائها.
غير أن الطرفين يواجهان قيودًا واضحة؛ فإيران مقيدة بضعفها الاقتصادي والدبلوماسي، بينما تواجه إسرائيل تحديات مرتبطة بصورتها السياسية داخل قطاعات واسعة من الرأي العام الإفريقي، وبحساسية القضية الفلسطينية، خصوصًا بعد أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وحرب الإبادة في قطاع غزة.
وعليه، فإن مستقبل التنافس في إفريقيا لن يتحدد فقط بإرادة إيران وإسرائيل، بل بقدرة الدول الإفريقية على إدارة الضغوط الخارجية، وحماية الممرات البحرية، ومنع تحويل النزاعات الداخلية إلى ساحات مواجهة بالوكالة.
ويبدو سيناريو التنافس المضبوط الأقرب على المدى القريب، لكن احتمال العسكرة يبقى قائمًا إذا فشلت ترتيبات ما بعد الحرب، أو تحولت أرض الصومال والسودان وباب المندب إلى نقاط ارتكاز مباشرة في معادلة الصراع الإيراني- الإسرائيلي.
وتوصي الدراسة بأن تتبنى الدول الإفريقية سياسة براغماتية تقوم على تنويع الشراكات دون الانخراط في محاور صراعية، وتعزيز آليات الأمن البحري الإفريقي، وفرض مزيد من الشفافية على أي تعاون عسكري أو استخباراتي، وربط التعاون الخارجي بمصالح التنمية والسيادة الوطنية.
فالقارة ليست مضطرة إلى أن تكون امتدادًا لصراعات الشرق الأوسط، لكنها قد تصبح كذلك إذا غابت القدرة الإفريقية على ضبط التنافس الخارجي ضمن حدود المصلحة الإفريقية.