تواصل الجزائر إحصاء خسائر واحدة من أسوأ موجات حرائق الغابات في تاريخها الحديث، بعدما اجتاحت النيران مناطق واسعة في شمال شرقي البلاد، ولا سيما ولاية جيجل الساحلية، بينما توقفت الحصيلة الرسمية عند 12 قتيلًا رغم تداول تقديرات غير رسمية أعلى بكثير.
وحلل موقع "مسبار" في التلفزيون العربي صورًا فضائية وبيانات للرصد الحراري وبلاغات للحماية المدنية، في محاولة لتتبع مسار الحرائق وحجم المناطق التي طالتها النيران خلال أيام قليلة.
وأظهرت مقارنة صور التقطها القمر الصناعي "سنتينل-2" في 23 و28 أغسطس/ آب، تحولًا واسعًا في الغطاء النباتي داخل جيجل، بعدما برزت آثار الاحتراق في مناطق متعددة من الساحل والجبال.
وبحسب تقدير أولي أعده "مسبار" استنادًا إلى المساحات الظاهرة في الصور، قد تصل المناطق التي ظهرت عليها آثار الحرائق إلى نحو 900 كيلومتر مربع، مع التشديد على أن الرقم تقريبي ولا يمثل بالضرورة المساحة المحترقة بالكامل، بسبب احتمال وجود جيوب لم تصل إليها النيران أو مناطق حجبتها السحب والدخان.
بيانات "ناسا"
وتدعم هذا التقدير بيانات نظام "فايرمز" التابع لوكالة الفضاء الأميركية "ناسا"، الذي سجل خلال ذروة الكارثة عددًا كبيرًا من البؤر الحرارية في شمال شرقي الجزائر، تركز جزء كبير منها في جيجل.
ولا تمثل نقاط "فايرمز" الحدود الفعلية للحرائق أو حجم المساحات المحترقة، وإنما المواقع التي التقطت فيها مستشعرات الأقمار الصناعية درجات حرارة مرتفعة لحظة مرورها، ما يجعلها مؤشرًا على توزيع النشاط الناري زمنيًا ومكانيًا.
وبالجمع بين هذه البيانات وصور الأقمار الصناعية وبلاغات الحماية المدنية، يتضح أن جيجل واجهت خلال أيام عدة حرائق متزامنة في مناطق متباعدة، قبل أن تتسع الجبهات تدريجيًاـ وتقترب من القرى والتجمعات السكنية.
وبدأت أولى الإشارات المسجلة في 24 أغسطس بحرائق محدودة، قبل أن يسجل في اليوم التالي حريق في منطقة غبالة التابعة لبلدية الشقفة، تحول لاحقًا إلى إحدى الجبهات الرئيسية للكارثة.
كيف بدأت الحرائق في شمال شرق الجزائر.. التلفزيون العربي يسلط الضوء على حرائق جيجل الجزائرية ويقف على أسباب انتشار النيران وما الذي خلفته في المناطق المتضررة؟ pic.twitter.com/Hxp8CNpxeB
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) September 4, 2026
وخلال ليلة 25 إلى 26 أغسطس، التي سجلت فيها جيجل درجة حرارة قصوى بلغت 43.5 درجة مئوية، ظهرت جبهات إضافية في أم الحوت ببلدية تاكسنة وبوعقبة في أولاد يحيى خدروش.
ومع حلول صباح 26 أغسطس، اقتربت النيران من تجمعات سكنية في غبالة وبوعقبة، فيما تكرر في بلاغات الحماية المدنية ذكر الرياح عاملًا رئيسيًا في سرعة انتشار الحرائق وصعوبة عمليات الإطفاء، ولا سيما استخدام الطائرات.
وبحلول ظهر ذلك اليوم، ارتفع عدد عمليات الإخماد إلى أربع، قبل أن يصل إلى ست عمليات مساء، مع تسجيل حرائق في غبالة وبوعقبة وبوخلف وأشراف الرواشد وأم الحوت ومناطق أخرى، بالتزامن مع بدء إجلاء سكان من منازلهم.
وفي الساعات الأولى من 27 أغسطس، امتدت النيران من غبالة باتجاه برج الطهر والجمعة بني حبيبي، كما وصلت الحرائق إلى مناطق أخرى بينها الكهوف العجيبة وتازة، ما أدى إلى تهديد عدد أكبر من القرى والتجمعات السكنية.
ومع اتساع رقعة الكارثة، دعمت الحماية المدنية فرقها في جيجل بعناصر من ولايات أخرى، إلى جانب أربع طائرات إطفاء ووحدات من الجيش ووسائل جوية إضافية.
تراجع تدريجي
وأظهرت تحديثات الحماية المدنية بحلول 29 أغسطس تراجعًا تدريجيًا في عدد الحرائق النشطة، بعد أيام من انتشارها في مناطق متعددة.
وكانت قرية الجمعة بني حبيبي بين أكثر المناطق تضررًا، إذ تحدثت تقارير محلية عن سقوط عدد كبير من الضحايا واحتراق منازل ونفوق ماشية وتضرر مساحات من أشجار الزيتون.
وأعلنت السلطات الجزائرية في 26 أغسطس مقتل 12 شخصًا جراء الحرائق، إلا أن إحصاءات مستقلة جرى تداولها لاحقًا تحدثت عن أعداد أكبر بكثير من الضحايا في جيجل وحدها، من دون صدور تأكيد رسمي لهذه الأرقام.
وفي موازاة التحقيق في حجم الخسائر، لم تستبعد السلطات فرضية الفعل الإجرامي، بينما وجه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بتشديد العقوبات على من يثبت تورطه في إشعال الحرائق عمدًا، وصولًا إلى الإعدام.
ومع ذلك، تبقى أسباب اندلاع هذا العدد من الحرائق في وقت متقارب وسرعة انتشارها موضع أسئلة، إذ لا تكفي فرضية الأفعال المتعمدة وحدها لتفسير كل الجبهات، كما أن الحرارة المرتفعة والرياح القوية تفسران اتساع النيران أكثر مما تحددان مصدر اندلاعها.