Skip to main content

كيف تتم عملية تخصيب اليورانيوم ولماذا باتت "عقدة" في الملف النووي الإيراني؟

الخميس 23 أبريل 2026
يتولى مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية مهمة مراقبة المنشآت النووية حول العالم - غيتي/ أرشيف

في ظل تصاعد التوترات بشأن البرنامج النووي الإيراني، عاد ملف تخصيب اليورانيوم إلى واجهة المشهد الدولي، بعدما تحوّل مجددًا إلى نقطة اشتباك سياسية بين طهران وواشنطن، وإلى بند ثابت في أي حديث عن التفاوض أو التصعيد.

وزاد هذا الملف حضورًا بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب قال فيها إنه "لن يكون هناك تخصيب لليورانيوم في إيران"، ملمحًا إلى اتفاق مزعوم يتضمن نقل اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد.

لكن طهران سارعت إلى نفي هذه التصريحات، مؤكدة عدم وجود اتفاق من هذا النوع، وهو ما أعاد النقاش إلى جوهر القضية نفسها:

ما المقصود بتخصيب اليورانيوم؟ ولماذا تتحول هذه العملية التقنية إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في العالم؟

وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل الضربات التي طالت منشآت ومرافق نووية إيرانية، من دون أن يؤدي ذلك إلى إسقاط الملف من التداول، لأن جوهر الأزمة لا يرتبط فقط بالمواقع المستهدفة، وإنما أيضًا بالمخزون القائم، وبمستويات التخصيب التي جرى الوصول إليها.

ومن هنا، فإن فهم تخصيب اليورانيوم يجب أن يبدأ من شرح علمي مبسط لمعنى النظائر، وطبيعة الانشطار النووي، وكيف ترتفع نسبة اليورانيوم-235، ولماذا يُنظر إلى هذه العملية بوصفها "عقدة" في الملف النووي الإيراني.


ما هو النظير؟


تتكوّن المواد من ذرات تحتوي على بروتونات ونيوترونات وإلكترونات. ويتميّز كل عنصر بعدد البروتونات في نواته؛ فاليورانيوم، مثلًا، يحتوي على 92 بروتونًا. لكن الاختلاف يظهر في عدد النيوترونات، ما يؤدي إلى وجود "نظائر" مختلفة للعنصر نفسه، وفقًا لموقع "الوكالة الدولية للطاقة الذرية".

في حالة اليورانيوم، يوجد نوعان رئيسيان:
  • يورانيوم-238: يشكّل نحو 99.27% من اليورانيوم الطبيعي.
  • يورانيوم-235: يشكّل نحو 0.72% فقط، لكنه الأهم.
تكمن أهمية اليورانيوم-235 في قدرته على إحداث تفاعل انشطاري متسلسل، إذ يمكن لانشطار ذرة واحدة أن يطلق سلسلة تفاعلات تُنتج قدرًا هائلًا من الطاقة، وفقًا لمراجع علمية متخصصة.
 
تُستخدم التفاعلات النووية في مجالات طبية مهمة - غيتي/ أرشيف

وفي المفاعلات النووية، يُضبط هذا التفاعل لإنتاج الكهرباء، التي توفّر نحو 9% من طاقة العالم، وفقًا لـ"World Nuclear Association".

أما في الأسلحة النووية، فيحدث التفاعل على نحو غير مضبوط خلال زمن بالغ القصر، ما يؤدي إلى انفجار هائل.

كما تُستخدم التفاعلات النووية في مجالات طبية مهمة، مثل إنتاج النظائر المستخدمة في التشخيص والعلاج.


ما المقصود بتخصيب اليورانيوم؟


التخصيب، ببساطة، هو رفع نسبة اليورانيوم-235 داخل المادة، عبر تقليل نسبة اليورانيوم-238.

وأكثر الطرق استخدامًا اليوم هي الطرد المركزي، حيث يُحوَّل اليورانيوم إلى غاز يُعرف باسم سادس فلوريد اليورانيوم، ثم يُدار بسرعات عالية جدًا داخل أجهزة خاصة. وبسبب الفارق الطفيف في الكتلة بين النظيرين، يتجه النظير الأثقل أكثر نحو الأطراف، فيما يتركز الأخف نسبيًا في الداخل.

ويمكن تشبيه هذه الآلية، على نحو مبسط، بجهاز "تجفيف السلطة"، حيث تُدفَع المواد الأثقل إلى الخارج. لكن هذه العملية لا تعطي النتيجة المطلوبة دفعة واحدة، لذلك تُكرَّر على مراحل عديدة للوصول إلى نسبة التخصيب المستهدفة.


مستويات التخصيب: متى يصبح الأمر شديد الحساسية؟

تعتمد خطورة التخصيب على النسبة النهائية لليورانيوم-235:
  • 3% – 5%: مستوى منخفض، يُستخدم في محطات الطاقة النووية.
  • 5% – 20%: مستويات متوسطة، تُستخدم في بعض المفاعلات المتطورة.
  • 20% فأكثر: يُعدّ "يورانيوم عالي التخصيب".
  • 90% تقريبًا: مستوى يُستخدم في الأسلحة النووية.

ما أبرز تقنيات تخصيب اليورانيوم؟


توجد عدة طرق لتخصيب اليورانيوم، تختلف من حيث الكفاءة والكلفة والتعقيد التقني.

وتشمل التقنيات الرئيسية ثلاث وسائل أساسية: الانتشار الغازي، والطرد المركزي الغازي، والتخصيب بالليزر، إلى جانب وسائل أخرى ما تزال قيد التطوير، وفقًا لوزارة الطاقة الأميركية.


1 -  الانتشار الغازي: التقنية الأقدم

تُعد هذه الطريقة من أقدم التقنيات التي استُخدمت على نطاق واسع لتخصيب اليورانيوم، وقد ظهرت في بدايات الحقبة النووية في أربعينيات القرن الماضي. وتعتمد على استخدام غاز سادس فلوريد اليورانيوم، الذي يُنتَج عبر عملية كيميائية تُعرف باسم "التحويل".
داخل وحدات التخصيب، يُضخ هذا الغاز عبر مرشحات دقيقة أو أغشية مسامية، تسمح بمرور الجزيئات الأخف، التي تحتوي على نسبة أعلى من اليورانيوم-235، بسرعة أكبر من الجزيئات الأثقل التي تحتوي على اليورانيوم-238. ومع تكرار هذه العملية عبر مئات المراحل، ترتفع نسبة النظير المطلوب تدريجيًا إلى أن تصل إلى مستوى التخصيب المستهدف.
رغم فاعلية هذه التقنية، فإنها كانت تستهلك كميات هائلة من الطاقة، ما دفع إلى استبدالها لاحقًا بأساليب أكثر كفاءة.

 


 2- الطرد المركزي: التقنية الأكثر استخدامًا

تُعد هذه الطريقة الأكثر انتشارًا اليوم في المنشآت النووية حول العالم.
في هذه العملية، يُحوّل اليورانيوم إلى غاز (UF6) ثم يُضخ داخل أسطوانات تُعرف بأجهزة الطرد المركزي، والتي تدور بسرعات عالية جدًا. وبسبب الفرق الطفيف في الكتلة بين النظيرين، يتحرك اليورانيوم-238 الأثقل نحو الأطراف، بينما يبقى اليورانيوم-235 الأخف أقرب إلى المركز.
ينتج عن ذلك تياران:
  • تيار مُخصّب غني باليورانيوم-235.
  • تيار مُستنفد يحتوي على نسبة أقل منه.
ثم يُربط عدد كبير من هذه الأجهزة في سلاسل تُعرف باسم "الكاسكيد"، لرفع نسبة التخصيب تدريجيًا. وبعد انتهاء العملية، يُعاد تحويل الغاز المخصب إلى مادة صلبة تُستخدم في تصنيع وقود المفاعلات النووية.
3- التخصيب بالليزر: تقنية ما تزال محدودة الاستخدام

 يُعد التخصيب بالليزر من أحدث التقنيات في هذا المجال، ويعتمد على استخدام أشعة الليزر لفصل نظائر اليورانيوم بدقة عالية. وتشير التقديرات إلى أن هذه الطريقة قد تكون أكثر كفاءة وأقل كلفة من التقنيات التقليدية، لكنها لم تُستخدم حتى الآن على نطاق تجاري واسع.
وفي جميع هذه الطرق، يُستخدم غاز سادس فلوريد اليورانيوم بوصفه مرحلة وسيطة في العملية..

لماذا يثير تخصيب إيران كل هذا القلق؟

بحسب تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قامت إيران بتخصيب كميات من اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60%، وهي نسبة مرتفعة تقنيًا، وتثير قلقًا دوليًا كبيرًا.

وتكمن حساسية هذه النسبة في أن الوصول منها إلى مستوى 90% يصبح أسهل وأسرع مقارنة بالمراحل الأولى من التخصيب.

وتعتمد عملية التخصيب أساسًا على أجهزة الطرد المركزي، وهي التكنولوجيا نفسها التي يمكن استخدامها لإنتاج الوقود النووي للأغراض السلمية، كما يمكن أن تثير مخاوف مرتبطة بالاستخدام العسكري عندما ترتفع مستويات التخصيب وتضعف الرقابة.

هذا "الازدواج التقني" هو ما يجعل هذه الأجهزة شديدة الحساسية سياسيًا ورقابيًا، نظرًا إلى قدرتها على تسريع الوصول إلى مستويات تخصيب مرتفعة خلال فترة قصيرة نسبيًا.

ويتولى مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية مهمة مراقبة المنشآت النووية حول العالم، للتحقق من التزام الدول بالبنود المنصوص عليها في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي تهدف إلى الحد من انتشار هذا النوع من الأسلحة.

ورغم تأكيد إيران المتكرر أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية، فإن الهيئة التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية خلصت مؤخرًا إلى أن طهران قد تكون انتهكت بعض التزاماتها، ما يعمّق المخاوف الدولية ويزيد تعقيد المشهد السياسي.

المصادر:
ترجمات
شارك القصة