حين يُذكر الذكاء الاصطناعي، يتخيّل كثيرون روبوتات ومختبرات وتحولات كبرى تقلب العالم دفعة واحدة، لكن حضوره الأكثر رسوخًا في حياتنا اليوم أقل درامية بكثير.
فالذكاء الاصطناعي لم يدخل غالبًا من باب المشهد الاستثنائي، بل من باب العادة اليومية: في الاقتراحات التي تصلنا، وترتيب الصور، وتصحيح النصوص، والمساعدات الذكية، وتخصيص المحتوى، وحتى في التفاصيل الصغيرة اليومية التي لم نعد ننتبه إلى أنها "مؤتمتة".
من أدوات ذكية إلى عادات يومية
ففي السنوات الماضية، تغيّر شكل التعامل مع التقنية من دون أن يشعر كثيرون بحجم هذا التغيّر. فبدل أن يستخدم الناس أدوات منفصلة وواضحة المعالم، بدأت الأنظمة الذكية تُدمج تدريجيًا في الخدمات التي يستعملونها أصلًا.
لم يعد الأمر يقتصر على تطبيق أو جهاز يقول صراحة إنه يعمل بالذكاء الاصطناعي، بل صار هذا الذكاء حاضرًا داخل وظائف يومية تبدو عادية جدًا: لوحة مفاتيح تتوقع الكلمة التالية، تطبيق صور يصنّف الوجوه، منصة موسيقية تقترح ما قد يعجب المستخدم، متجر إلكتروني يعرض منتجات قريبة من اهتماماته، أو خدمة خرائط تعيد حساب الطريق بحسب حركة المرور.
فلم يدخل الذكاء الاصطناعي حياتنا عبر إعلان واحد كبير، بل عبر سلسلة من التحسينات الصغيرة التي بدت في البداية مجرد وسائل للراحة. ومع كل إضافة بسيطة، صار الاعتماد عليه أكبر، من دون نقاش واسع بالضرورة حول الحد الفاصل بين ما هو مريح وما هو مقلق، وبين ما هو خدمة مفيدة وما هو توغّل إضافي في البيانات والعادات الشخصية.
الذكاء الاصطناعي المساعد
ولعل السبب في هذا التسلل الهادئ أن الناس لا يتعاملون عادة مع التقنية من زاوية فلسفية، بل من زاوية الاستخدام.
فما يهم المستخدم في الغالب هو أن تصله النتائج بسرعة، وأن يُقترح عليه ما يناسبه، وأن تختصر عليه بعض الأدوات الوقت والجهد. ولهذا بدا الذكاء الاصطناعي، في مراحله اليومية الأولى، أقرب إلى مساعد غير مرئي: يرتب، ويقترح، ويصحح، ويستنتج، من دون أن يطلب انتباهًا كبيرًا لنفسه.
ويمكن ملاحظة ذلك في أبسط العادات الرقمية. فالبريد الإلكتروني لم يعد مجرد صندوق رسائل، بل صار يفرز ويقترح ردودًا جاهزة ويكشف الرسائل المزعجة.
كما أن الهاتف الذي لطالما كان مجرد وسيلة اتصال، بات أداة تلتقط الصور ثم تحسنها، وتتعرف إلى المشاهد، وتفرز الأرشيف، وتكتب أحيانًا وصفًا تلقائيًا لما يظهر فيها. كما لم تعد منصات المشاهدة والموسيقى مجرد مكتبات مفتوحة، بل أنظمة ترجيح مستمرة تتوقع ما قد ينجح في شد انتباه المستخدم وإبقائه مدة أطول.
كذلك دخل الذكاء الاصطناعي أكثر المجالات التي تبدو بشرية وحميمية، كالكتابة، إذ بدأ الأمر مع التصحيح الإملائي واقتراح الكلمات، ثم تطور إلى إعادة الصياغة، والترجمة، والتلخيص، واقتراح الأفكار، وحتى توليد النصوص والصور.
وفي العمل والدراسة، لم يعد حضور الذكاء الاصطناعي استثنائيًا، بل دخل إلى تنظيم الجداول، وفرز البيانات، واستخراج الأنماط، وإعداد العروض، وتقديم المساعدات البحثية الأولية.
كيف غيّرت الخوارزميات ما نراه ونختاره؟
ولا يعني الدخول الهادئ للذكاء الاصطناعي أن أثره بسيط. فحين تصبح الأدوات الذكية جزءًا من الروتين، يبدأ تأثيرها الحقيقي في تشكيل السلوك نفسه. فالمستخدم لا يستهلك المحتوى فقط، بل يستهلك ما رُجّح له مسبقًا. ولا يختار الطريق دائمًا بنفسه، بل يتبع ما ترجّحه الخوارزمية. ولا يكتب من الصفر في كل مرة، بل يتعامل أحيانًا مع اقتراح جاهز أو صياغة شبه مكتملة. وهنا يظهر السؤال الأهم: هل الذكاء الاصطناعي يسهّل الحياة فقط، أم يعيد أيضًا تشكيل العادات والخيارات وطريقة الانتباه؟
فالراحة التي يوفّرها الذكاء الاصطناعي حقيقية في كثير من الحالات، لكنها ليست مجانية تمامًا. إذ تقوم غالبًا على جمع البيانات، ومراقبة التفضيلات، وتحليل الأنماط، وبناء صورة أدق عن المستخدم بمرور الوقت. وكلما بدا النظام "أكثر فهمًا" لصاحبه، كان ذلك يعني عادة أنه عرف عنه أكثر.
ويطرح الحضور اليومي للذكاء الاصطناعي مفارقة واضحة: هو يبدو أقل صخبًا من الصور السينمائية التي ارتبطت به، لكنه في الواقع أكثر عمقًا من تلك الصور. فبدل أن يظهر في هيئة آلة مستقلة تنافس البشر في مشهد واحد حاسم، يتمدد داخل تفاصيل متفرقة، ويعيد تشكيلها ببطء. إنه لا يقتحم الحياة دائمًا، بل يندمج فيها حتى يكاد يصبح جزءًا من البنية العادية للأشياء.
وقد يكون هذا هو السبب أيضًا في أن الجدل حوله تأخر نسبيًا مقارنة بسرعة انتشاره. فالناس عادة يناقشون التحولات الكبرى عندما تصبح مرئية ومباشرة، لا عندما تأتي على شكل إضافات صغيرة متناثرة.