في مساء الخامس من يونيو/ حزيران 2026، تحولت رحلة عائلية اعتيادية من بيت لحم إلى حي تل الرميدة في الخليل إلى مأساة، انتهت باستشهاد الرضيع سام أبو هيكل، البالغ من العمر سبعة أشهر، بعد إصابته برصاصة أطلقها جندي إسرائيلي على سيارة عائلته.
تشكل حادثة سام نقطة البداية لتحقيق خاص ضمن سلسلة "مهمة صحفية" على شاشة التلفزيون العربي، أعاد بناء ما جرى لحظة بلحظة، مستندًا إلى شهادات الناجين وتحليل التسجيلات والخرائط وصور الأقمار الصناعية والوثائق الحقوقية المتاحة.
لكنّ التحقيق لا يتوقف عند هذه القضية، إذ يتتبع حادثة أخرى وقعت قبل نحو ثلاثة أشهر في بلدة طمون جنوب طوباس، عندما أطلقت قوة إسرائيلية النار على مركبة مدنية تقل ستة أفراد من عائلة واحدة، فاستشهد الأب والأم وطفلان.
رصاصتان أنهتا حياة الرضيع سام أبو هيكل
ولد سام فهد أبو هيكل في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025. لم يمض على حياته سوى سبعة أشهر حين انتهت برصاصة أطلقها جندي إسرائيلي مساء الخامس من يونيو/ حزيران 2026.
كان سام داخل سيارة عائلته برفقة والديه وجدته وشقيقه، خلال توجههم من بيت لحم إلى منزل العائلة في تل الرميدة بالخليل. اقتربت المركبة من قوة إسرائيلية راجلة قرب دوار الكرنتينا، على الطريق الصاعد باتجاه الحي.
يروي والد الطفل، فهد أبو هيكل، أن السيارة كانت تسير ببطء بسبب انحدار الطريق المعاكس وحمولتها الكاملة. يقول إنه فوجئ بجندي يقترب من الجهة اليسرى رافعًا سلاحه، فتوقف فورًا ووضع يديه على مقود السيارة.
نُقل الطفل ووالدته إلى مستشفى الخليل الحكومي بمركبة خاصة. استمرت محاولات الطواقم الطبية لإنقاذ سام قرابة ثلاث ساعات، قبل إعلان وفاته متأثرًا بإصابته.
رواية الخطر في مواجهة شهادة الأب
بعد الحادثة، قال الجيش الإسرائيلي إن مركبة اقتربت بسرعة من الجنود وشكلت خطرًا عليهم، وإن أحد الجنود أطلق النار باتجاهها.
لكنّ فهد أبو هيكل يرفض هذه الرواية، مؤكدًا أن سرعة السيارة لم تتجاوز 30 كيلومترًا في الساعة، وأنها كانت قد توقفت بالفعل عندما أطلق الجندي النار.
يشير أيضًا إلى أن الجنود كانوا على الجهة اليسرى من الطريق، بينما كانت السيارة تسير في الجهة اليمنى، ما ينفي، بحسب روايته، وجود خطر مباشر عليهم.
تحقيق بصري يعيد بناء لحظة الجريمة
لم تعتمد "مهمة صحفية" على الشهادة وحدها.
استعان فريق التحقيق بأدوات التحقق من المصادر المفتوحة، وحلل تسجيلات وصورًا من موقع الحادث بهدف تحديد حركة السيارة وموقع الجنود والظروف التي سبقت إطلاق النار.
أظهر تسجيل نشره الصحفي الإسرائيلي حاييم غولدتش، العامل في قناة "كان 11"، سيارة بنية بهيكل مطابق لسيارة عائلة أبو هيكل، وقد توقفت تمامًا على بعد أمتار من جنديين إسرائيليين يقفان إلى يسارها.
كما ظهر أحد الجنديين في التسجيل وهو يصوب سلاحه نحو المركبة، فيما كانت الشمس لا تزال ساطعة. غادر الجنديان المكان بعد إطلاق النار، بينما بقيت السيارة ساكنة في موقعها.
فيديو: شاهد حلقة "مهمّة صحفية" كاملة
حاجز مفاجئ داخل منطقة H1
راجع فريق التحقيق الصور التاريخية المتاحة عبر "غوغل إيرث"، ولم يجد منشأة أو حاجزًا عسكريًا ثابتًا في موقع إطلاق النار خلال السنوات الماضية.
أظهر أرشيف الأخبار، في المقابل، أن القوات الإسرائيلية أقامت حواجز متحركة قرب دوار الكرنتينا في أوقات مختلفة، ما يدعم رواية العائلة بأنها فوجئت بوجود القوة في الطريق.
ساعدت خرائط مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في تحديد الموقع الجغرافي للحادثة.
يقع دوار الكرنتينا بمحاذاة منطقة "H2"، بينما تقع نقطة إطلاق النار على مسافة تقارب 120 مترًا غرب الدوار، ما يضعها، وفق تحليل الفريق، داخل منطقة "H1" الخاضعة إداريًا للسلطة الفلسطينية، والتي لا تشهد عادة حواجز إسرائيلية ثابتة.
تسجيلات اختفت وكاميرات صودرت
حاول فريق التحقيق الوصول إلى تسجيلات كاميرات المراقبة في المنازل والمتاجر المحيطة بموقع إطلاق النار. رفض معظم السكان الظهور أمام الكاميرا أو تقديم إفادات علنية، بسبب الخوف من التداعيات الأمنية.
وأكد شهود من المنطقة أن القوات الإسرائيلية دخلت عقب الحادثة إلى عدد من البيوت والمتاجر، وجمعت تسجيلات كاميرات المراقبة. بقيت هذه المواد في حوزة الجيش ولم تُنشر.
في 9 يونيو/ حزيران، نشرت منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان تسجيلًا مصورًا أعاد الثواني التي سبقت إطلاق النار إلى الواجهة، وقدم مادة بصرية مستقلة عن الرواية الرسمية للجيش.
يقول الباحث في المنظمة كريم جبران إن التسجيل لا يظهر وجود خطر على الجنود، ويكشف المسافة الفاصلة بينهم وبين السيارة. كما يشير إلى أن الجنود غادروا الموقع مباشرة بعد إطلاق النار، من دون تفتيش المركبة أو سؤال ركابها أو التحقق من حالتهم الصحية.
لم تُكشف أسماء الجنود الموجودين في الموقع، أو ما إذا اتُّخذت بحقهم إجراءات خلال التحقيق.
هويات محجوبة ومسؤولية غير واضحة
حاول فريق "مهمة صحفية" تحديد هوية الجنود الذين كانوا في الموقع.
أفاد شهود وباحثون ميدانيون بأن القوة العاملة في المنطقة كانت تضم جنودًا متدربين، لكن التحقيق لم يتمكن من التحقق بصورة مستقلة من أسمائهم أو تحديد الوحدة المباشرة التي ينتمون إليها.
قادت محاولة تتبع سلسلة القيادة إلى لواء "يهودا"، المسؤول عن قطاع الخليل والتابع لفرقة الضفة الغربية في الجيش الإسرائيلي. كان العقيد شاحر بركاي يقود اللواء وقت الحادثة.
أظهر تتبع المصادر المفتوحة أن فترة خدمة بركاي الميدانية انتهت بعد يومين من إطلاق النار، قبل انتقاله إلى منصب ملحق عسكري في كوريا الجنوبية.
لا يثبت التحقيق وجود علاقة بين توقيت انتقاله والحادثة، فيما بقيت هوية مطلق النار والمسؤولية الفردية عن إطلاق النار بعيدة عن العلن.
طمون.. عائلة أخرى ورواية متشابهة
قبل نحو ثلاثة أشهر من استشهاد سام، شهدت بلدة طمون جنوب طوباس حادثة تحمل عناصر مشابهة.
كانت عائلة بني عودة عائدة من نابلس، بعدما اشترت ملابس واحتياجات للعيد في إحدى ليالي شهر رمضان. كان داخل السيارة الأب علي بني عودة وزوجته وأطفالهما الأربعة.
عند دخول السيارة أحد أحياء طمون، أطلقت قوة إسرائيلية خاصة النار عليها بكثافة. استشهد الأب والأم وطفلان، فيما نجا الطفلان خالد ومصطفى من المجزرة وأصيبا بشظايا.
زعم الجيش الإسرائيلي أن السيارة تسارعت باتجاه القوة وشكلت خطرًا عليها. في المقابل، قدم الناجون وشهود الحي رواية مختلفة.
يروي خالد بني عودة أن والده أوقف السيارة وحاول إبلاغ أفراد القوة بوجود أطفال داخلها. يقول إن إطلاق النار استمر رغم ذلك، قبل أن يتحول هيكل المركبة إلى كتلة يغطيها الغبار والدخان الناتجان من كثافة الرصاص.
بعد خروجه من السيارة، صرخ خالد طالبًا مساعدة عائلته، لكن الجنود سحبوه من شعره وألقوه إلى جانب الطريق واعتدوا عليه وعلى شقيقه، بحسب شهادته.
شاهد عيان يفند الرواية الإسرائيلية
وصل فريق التحقيق إلى أحد سكان الحي الذي اقتحمته القوات الإسرائيلية قبل إطلاق النار. طلب الشاهد عدم الكشف عن هويته حفاظًا على سلامته وسلامة عائلته.
قال الشاهد إن قوة إسرائيلية خاصة سيطرت على منزله واحتجزت أفراد أسرته داخله. خلال الاحتجاز، سمع إطلاق نار كثيفًا عندما دخلت سيارة عائلة بني عودة الطريق.
بحسب شهادته، لم تطلق القوة رصاصات تحذيرية، وكان إطلاق النار مباشرًا وكثيفًا. كما أشار إلى أن المنطقة سكنية وضيقة، وأن المنعطف الذي دخلت منه السيارة حاد إلى درجة تجعل اجتيازه بسرعة عالية أمرًا صعبًا.
أضاف أن سيارات الإسعاف وصلت إلى محيط المكان بعد نحو عشر دقائق أو ربع ساعة، لكنها تعرضت لإطلاق النار ومُنعت من التقدم إلى المصابين إلى حين إجراء تنسيق مع القوات الإسرائيلية.
السيارة المصادرة.. الدليل في حوزة القوة
حاول فريق التحقيق الوصول إلى السيارة التي أطلقت القوة الإسرائيلية النار عليها في طمون. كان يمكن للمركبة أن تكشف، عبر ثقوب الرصاص واتجاهاتها وكثافتها، تفاصيل أساسية عن موقع مطلقي النار وطبيعة القوة المستخدمة.
يقول شاهد من الحي إن السيارة بقيت في مكانها بعد انسحاب القوات، قبل أن تعود قوة إسرائيلية إلى المنطقة وتصادرها.
من جهتها، تقول المحامية في مركز "عدالة" هديل صالح إن السلطات الإسرائيلية ماطلت في تسليم الأدلة المتعلقة بالقضية.
تعتبر صالح أن إبقاء السيارة والأدلة في حوزة الجهة التي نفذت العملية يثير مخاوف بشأن سلامة الأدلة وإمكان إخفاء معلومات أساسية عما جرى.
تشير صالح إلى أن القوة المشاركة كانت من وحدة المستعربين، ودخل أفرادها البلدة بمركبة تحمل لوحة تسجيل فلسطينية، فيما كانوا يرتدون ملابس مدنية.
مركبتان ورواية واحدة
لا يتوقف التشابه بين حادثتي الخليل وطمون عند وجود أطفال داخل مركبتين مدنيتين.
في الحادثتين، قدم الجيش الإسرائيلي رواية تقوم على أن السيارة تحركت بسرعة وشكلت خطرًا على القوة. في المقابل، قال الناجون والشهود إن المركبة توقفت أو كانت تتحرك ببطء، وإن إطلاق النار وقع من دون إنذار واضح.
ظهرت أسئلة متشابهة أيضًا بشأن تصرف القوات بعد إطلاق النار. غادر الجنود موقع استشهاد سام من دون فحص السيارة أو مساعدة ركابها، فيما تأخر وصول الإسعاف إلى عائلة بني عودة وبقي الناجيان تحت سيطرة القوة.
وقعت الأدلة الأساسية في الحادثتين تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي. صودرت تسجيلات كاميرات المراقبة من محيط حادثة سام، بينما صودرت سيارة عائلة بني عودة، التي كان يمكن أن تكشف آثار الرصاص واتجاهاته.
أقل من 1% من الشكاوى تنتهي باتهام
يمتد التحقيق إلى ما بعد لحظة إطلاق النار، وتحديدًا إلى مصير التحقيقات التي يعلن الجيش الإسرائيلي فتحها.
فُتح تحقيق جنائي في 552 حالة فقط، أي 22.7% من الشكاوى، بينما انتهت 23 شكوى إلى لوائح اتهام، بما يعادل أقل من 1% من إجمالي الشكاوى.
تظهر المعطيات أن متوسط الوقت اللازم لاتخاذ قرار بشأن فتح تحقيق جنائي بلغ 213 يومًا.
ارتفع المتوسط إلى 304 أيام في قضايا الوفاة التي لم يُفتح فيها تحقيق فورًا، ما يزيد مخاطر ضياع الأدلة وتراجع قدرة الشهود على تقديم إفادات دقيقة.
بهذه الأرقام، لا يصبح إعلان فتح التحقيق ضمانة للوصول إلى محاسبة، وإنما بداية لمسار قد يمتد أشهرًا قبل اتخاذ قرار بشأن التحقيق نفسه.
بعد الرصاص تبدأ الرواية
تكشف حادثتا سام أبو هيكل وعائلة بني عودة نمطًا لا يقتصر على إطلاق النار. تبدأ المرحلة التالية بصياغة رواية رسمية عن خطر وشيك، ثم تسجيلات لا تظهر للعلن، وأدلة تبقى في حوزة القوة المنفذة، وتحقيقات طويلة لا تقود في معظم الأحيان إلى محاسبة
يبقى الفلسطيني، حتى بعد استشهاده، مطالبًا بإثبات أنه لم يكن خطرًا، وأن رحلته العائلية وحركته اليومية لم تكونا سببًا كافيًا لإطلاق النار عليه.