الثلاثاء 21 يوليو / يوليو 2026
Close

كيف هزّ الكشف عن أرشيف النازية آلاف العائلات الألمانية؟

كيف هزّ الكشف عن أرشيف النازية آلاف العائلات الألمانية؟

شارك القصة

ملفات الأرشيف النازي
كشفت الوثائق عن نحو 12 مليون بطاقة تعريفيّة لمنتسبين للحزب النازي - غيتي
كشفت الوثائق عن نحو 12 مليون بطاقة تعريفيّة لمنتسبين للحزب النازي - غيتي
الخط
بعد سقوط "الرايخ الثالث" بألمانيا في 1945، طغت على العائلات الألمانية ثقافة الأسرار والحقائق المكتومة، والتي تكش ف الكثير منذ في مارس الماضي.

لطالما اعتبرت كورينا أن والدها كان اشتراكيًا ديمقراطيًا. إلى أن نشر الأميركيون على الإنترنت في مارس/ آذار ملفات الحزب النازي.

حينها، أدركت المعلّمة الفرنسيّة الستينية أنه كان في حقيقة الأمر عضوًا في الحزب منذ 1935، أي بعد عامين من وصول هتلر إلى السلطة.

واكتشفت كورينا هذا الجانب الخفي من ماضي عائلتها حين عثرت ابنتها هيلينا (26 عامًا) على دليل يثبت انتساب جدّها إلى الحزب النازي.


البحث عن "حقائق صادمة"


مع نشر الأرشيف الوطني الأميركي نحو 12 مليون بطاقة تعريفيّة، استحدثت أسبوعيّتا "دي تسايت" و"دير شبيغل" الألمانيتان الكبريان أدوات للبحث في هذه الوثائق، تسهّل عمل استقصاء الأسرار والتدقيق. ولم يكن من الممكن حتى مارس مراجعة هذه السجلات إلّا بناء على طلب مسبق وبالحضور شخصيًا إلى موقع حفظها في برلين.

ومنذ نشرها رقميًا، استكشف مئات آلاف الألمان النسخ الممسوحة من الميكروفيلم بحثًا عن ذكر لجدودهم، وهم على يقين بأنهم قد يكتشفون فيها حقائق صادمة.

ملفات الأرشيف النازي
يبحث الكثير من الألمان عن تاريخ أجدادهم وهم على يقين بأنهم قد يكتشفون حقائق تصدمهم - غيتي
يبحث الكثير من الألمان عن تاريخ أجدادهم وهم على يقين بأنهم قد يكتشفون حقائق تصدمهم - غيتي

وقالت كورينا لوكالة فرانس برس طالبة عدم ذكر اسمها كاملًا: "عندما أرسلَت لي ابنتي لقطة شاشة للبطاقة، فوجئت كثيرًا".

فقد كان والدها، وهو ابن عامل مناجم اشتراكي ديمقراطي من منطقة سارلاند بجنوب غرب ألمانيا، مشاركًا على مدى عقود في السياسة المحلية للبلدية.

وبعد وفاته، عثرت كورينا على كتابات تعود لفترة ما بعد الحرب، يؤكد فيها المعلم السابق أنه "يودّ تنشئة شباب أكثر حرية، قادرين على تكوين آرائهم الخاصة بعد ذلك الحكم الديكتاتوري".


حقائق مكتومة


لم يكشف والد كورينا لابنته في أي يوم أنه انتسب إلى الحزب النازي، والعثور على اسمه في الأرشيف قادها إلى مفاجأة ثانية، حين تبيّن لها أن ابنتها الكبرى، شقيقة هيلينا، كانت على علم بذلك.

وأوضحت كورينا أنه "حين كانت في السابعة، روى لها جدّها قصّة الحرب، ومعاركه في روسيا وفرنسا، وانتسابه إلى الحزب النازي.

وهذا ما يصوّر بامتياز ثقافة الأسرار والحقائق المكتومة التي سادت في العديد من العائلات الألمانية بعد سقوط "الرايخ الثالث" في 1945، حين كان أكثر من ثلث المواطنين أعضاء في حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني.

وأوضح يوهانس شبور، وهو مؤرخ يساعد العائلات على الكشف عن ماضي أجدادها النازي، أن ذلك الجيل "أُفهِم، ولا سيما من خلال الأجواء التي كانت تسود العائلة، بأن ثمّة أمور لا ينبغي التطرق إليها".

وأشار إلى أن بعض هؤلاء الأجداد "لزموا الصمت"، أو قدّموا "رواية للتاريخ" مغايرة، طرحوا فيها أنفسهم في موقع الضحايا للنظام النازي أو حتى المقاومين له.


تزييف الحقائق


وقال شبور في مقابلة أجرتها معه وكالة فرانس برس إن "استطلاعات للرأي أظهرت مؤخرًا أن ما بين 11 و18% من المستطلعين أعلنوا أن أجدادهم ساعدوا أشخاصًا مضطهدين. وهذا لا يتطابق مع الواقع الفعلي للأبحاث العلمية، حيث أن أقل من 1% من الألمان قدموا المساعدة".

وأعرب أستاذ اللغة الألمانية وثقافة وتاريخ ألمانيا فيليكس بولم عن أسفه لعدم تمكّنه من "طرح المزيد من الأسئلة" على جدّته المتوفّاة، بعدما اكتشف أنها انتسبت في 1940 إلى الحزب النازي حين كانت في سن الـ19.

ملفات الأرشيف النازي
أخفى الكثير من الألمان انتسابهم قديمًا إلى الحزب النازي بقيادة هتلر - غيتي
أخفى الكثير من الألمان انتسابهم قديمًا إلى الحزب النازي بقيادة هتلر - غيتي

وقال بولم (42 عامًا): "رأت جدّتي ما يفعله النازيون، ورغم ذلك قررت الانتساب".

وحين كان جدّاه على قيد الحياة، كانا يؤكّدان بوضوح موقفهما المعارض للنازية، ويصطحبان مثلًا أحفادهما إلى أمستردام لزيارة منزل آن فرانك.

وفرانك هي تلك الفتاة اليهودية الألمانية التي اشتهرت في العالم بـ"مذكراتها" التي كتبتها وهي مختبئة أثناء الحرب العالمية الثانية، قبل أن تقضي في معسكر اعتقال في ألمانيا.


محاولة للفهم


وتابع بولم بأسف "لكنّهما لم يفصحا عن كلّ ما فعلاه في تلك الحقبة"، مؤكدًا عزمه على مناقشة ما اكتشفه مع كامل عائلته، ليس من أجل "إعطاء دروس في الأخلاق، بل بالأحرى لمحاولة الفهم". ويعطي تاريخ الانتساب للحزب مؤشرات أولية إلى الدوافع خلف هذه الخطوة.

وقال شبور: "إن جرى الانتساب منذ العشرينيات أو في مطلع الثلاثينيات، قبل وصول هتلر إلى السلطة، يمكن الافتراض عندها أن الشخص تصرف عن القناعة". وفي حال الانتساب اعتبارًا من 1933، فقد يكون الأمر بدافع الانتهازية.

وأوضح الخبير أن "بعض القطاعات المهنية كانت تعدّ منتسبين أكثر من سواها: موظفو الدولة والمعلّمون كانوا يخضعون للمزيد من الضغوط من أجل الانتساب إلى حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني، ولو أن ذلك لم يكن يومًا إلزاميًّا".

ويأمل بولم أيضًا أن يقود فتح ملفات الأرشيف إلى مراجعة للصعود الحالي لليمين المتطرف في ألمانيا، على أمل أن "تأخذ العديد من العائلات الوقت الكافي لتتساءل عن الأسباب التي تقود إلى الانتساب لمثل هذا الحزب".

تابع القراءة

المصادر

أ ف ب