في أول زيارة خارجية منذ توليه منصبه، وعقب الحرب الإسرائيلية على إيران، يزور أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني العراق ولبنان، بهدف تعزيز العلاقات وتوقيع اتفاقية أمنية مع بغداد.
وتُلقي ملفات مُعقّدة بثقلها على زيارة المسؤول الإيراني الرفيع، لدولتين تُتّهم طهران بالتدخّل في شؤونهما الداخلية لصالح أطراف يقول عنهم خصومهم السياسيون، إنّهم تحت التأثير الإيراني.
والتقى لاريجاني رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، ووقعا اتفاقيات مشتركة. لكنّ قانون "الحشد الشعبي" الذي لم يُقرّ في البرلمان العراقي بعد، يؤزم المشهد السياسي خاصة بعد تصادم في البرلمان وخلاف بين رئيس الحكومة وفصائل من الحشد.
وتقول أطراف سياسية مؤيدة للحشد إنّ عدم تمرير القانون سيُشكّل خضوعًا لضغوط الولايات المتحدة، التي تهدف إلى تقويض أي قوى لا تُريد واشنطن دورًا لها في العراق.
أما في لبنان، فزاد إقرار حكومة نواف سلام بنود الورقة الأميركية التوتر بين بيروت وطهران، إذ يُساند الموقف الإيراني رفض "حزب الله" تسليم سلاحه من دون تحقيق مطالب معينة، حيث أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أنّ خطة نزع سلاح "حزب الله" ستفشل، وهو ما اعتبرته الحكومة اللبنانية تدخلًا في شؤون لبنان، وقراراته السيادية.
فما هي قدرة إيران على التأثير في دول عربية في ظل تزايد الهيمنة الأميركية والإسرائيلية بعد الحرب؟ وهل تتّخذ طهران مقاربات مختلفة للعلاقات مع دول المنطقة؟ وكيف ستتعامل الدول العربية مع سياسات طهران ومطالبها بعلاقة طبيعية فيما بينها؟
توسيع العلاقات بين طهران والدول العربية
يوضح الدبلوماسي الإيراني السابق الدكتور هادي أفقهي، أنّ زيارة لاريجاني إلى المنطقة تناقش ملفين مهمين منفصلين: أمني ودبلوماسي- سياسي-اقتصادي-تجاري.
ويقول أفقهي في حديث إلى التلفزيون العربي من طهران، إنّ مواقف لاريجاني تأتي في سياق تهدئة وتوسيع العلاقات بين طهران والدول العربية، مضيفًا أنّ الملف العراقي له خصوصية من حيث العلاقات الأمنية والتجارية والعسكرية والشعبية، حيث وقّعت اتفاقيات وتفاهمات جيّدة مع بغداد.
ويضيف الدبلوماسي الإيراني أنّ المنطقة على صفيح ساخن ومن العقلاني أن تتحرّك طهران وفق مصالحها والحفاظ على علاقاتها مع دول الجوار وإبعاد التدخّل الأميركي والخطر الصهيوني في المنطقة.
مواجهة التحديات
من جهته، يرى الخبير في الشأن الإيراني الدكتور محجوب الزويري، أنّ زيارة لاريجاني تأتي لتُواكب السياسة الخارجية الإيرانية الأكثر نشاطًا لمواجهة التحديات في المنطقة.
ويقول الزويري في حديث إلى التلفزيون العربي من لوسيل، إنّ النقطة الفاصلة في المنطقة تمثّلت في إسقاط نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، والذي أنهى بشكل شبه كامل ملامح النفوذ الإيراني في لبنان وسوريا معًا، وحصره في العراق وحده.
ويوضح أنّ إيران خلال العدوان الإسرائيلي عليها كانت منشغلة في الدفاع عن جغرافيتها، مع أولوية الإبقاء على النظام والدولة لا أن تبقى في الإقليم، وهو ما مثّل تغييرًا كبيرًا في كل العقيدة الأمنية والسياسية الإيرانية.
ويشير إلى أنّه بعد الحرب تحدّثت طهران عن إصلاح أمني في الداخل، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية السياسية، وإعادة النظر في المنطقة واعتماد سياسة خارجية أكثر نشاطًا لمواجهة التحديات على الأرض.
ويضيف أنّ العراق نقطة مهمة لإيران، إذ إنّه يخوض الانتخابات البرلمانية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، في ظل انقسام كبير في المعسكر الشيعي.
ويلفت إلى أنّ اللحظة السياسية الحالية في المنطقة قد لا تخدم لاريجاني والعراق، والتي تتمثّل في ثقل أميركي قد يدفع إلى المواجهة إذا لم تحصل واشنطن على ما تُريده.
ويقول: "إذا لم تتّجه طهران إلى تفكيك خصومتها مع واشنطن، لن تكون سياستها الخارجية النشطة في المنطقة كافية لإعادة التموضع الإقليمي، على اعتبار أنّ دول الإقليم لن تستطيع الخروج بالكامل عن مسار علاقاتها مع الولايات المتحدة.
طهران تريد طمأنة "حزب الله" بأنّها لن تتخلّى عنه
بدوره، يعتبر الباحث السياسي اللبناني أمين قمورية، أنّ اختيار لاريجاني أن تكون زيارته الأولى منذ توليه منصبه إلى لبنان مؤشر على اهتمام وتركيز إيران على طمأنة "حزب الله" بأنّ طهران لن تتخلّى عنه.
ويقول قمورية في حديث إلى التلفزيون العربي من بيروت، إنّه بالنسبة لـ"حزب الله" يتبيّن أنّ الملف الإقليمي طغى بشكل أكبر على الملف الداخلي المتمثّل في نزع السلاح.
ويضيف أنّ كلا من "حزب الله" وإيران يعتقدان أنّهما خسرا المعركة لا الحرب، وأن الشروط الأميركية التي تُفرض عليهما هي بمثابة استسلام.
ويرى أنّ واشنطن الآن في ذروة قوتها في العالم، مع تمادي المشروع الصهيوني في المنطقة إلى أقصى الحدود، وبالتالي فإن إيران و"حزب الله" يبحثان عن مخرج من هذه الأزمة.