السبت 17 أكتوبر / أكتوبر 2026
Close

لامبيدوزا بعد 13 عامًا.. لماذا لم يتوقف طريق المتوسط عن حصد أرواح المهاجرين؟

لامبيدوزا بعد 13 عامًا.. لماذا لم يتوقف طريق المتوسط عن حصد أرواح المهاجرين؟

شارك القصة

بعد 13 عامًا على كارثة لامبيدوزا، لا يزال العبور نحو أوروبا محفوفًا بالموت – غيتي/أرشيف.
بعد 13 عامًا على كارثة لامبيدوزا، لا يزال العبور نحو أوروبا محفوفًا بالموت - غيتي/أرشيف
بعد 13 عامًا على كارثة لامبيدوزا، لا يزال العبور نحو أوروبا محفوفًا بالموت - غيتي/أرشيف
الخط
بعد 13 عامًا على كارثة لامبيدوزا، يتراجع الوصول إلى إيطاليا ويستمر الغرق. كيف تغيّرت مسارات الهجرة وسياسات الحدود وقدرات الإنقاذ في المتوسط؟
بعد 13 عامًا على كارثة لامبيدوزا، تراجع الوصول إلى إيطاليا، لكن الموت لم يتراجع بالمقدار نفسه. ماذا تغيّر في مسارات الهجرة وسياسات الحدود وقدرات الإنقاذ؟

في فجر 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2013، كان قارب يقل مئات الأشخاص قد اقترب من جزيرة لامبيدوزا الإيطالية. أُشعلت نار على متنه لجذب الانتباه، ثم عمّ الذعر وانقلب القارب. انتهت الرحلة بمقتل 368 شخصًا، ولم ينجُ سوى 155، وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

دفعت الكارثة إيطاليا إلى توسيع عمليات الإنقاذ، وأعقبتها في 2014 بداية الجمع المنهجي لبيانات الموت والفقد لدى المنظمة الدولية للهجرة. لكن الذكرى الثالثة عشرة تحلّ فيما يستمر الغرق، على الرغم من انخفاض عدد الواصلين إلى إيطاليا.

وفي حين قد يكون مفهومًا لماذا لم تختف الهجرة عبر البحر، إذ تتداخل وراءها الحروب والاضطهاد والأزمات الاقتصادية وشبكات التهريب، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا هو: لماذا لم يؤدِّ انخفاض الوصول إلى تراجع مماثل في الموت؟


واصلون أقل.. وخطر مستمر


حتى 30 سبتمبر/ أيلول 2026، وصل إلى إيطاليا بحرًا 22 ألفًا و786 شخصًا، بحسب أرقام وزارة الداخلية التي نقلتها وكالة "سير" الإيطالية. ويؤكد بيان أممي مشترك أن الوصول انخفض بنحو النصف مقارنة بالعام السابق.

في المقابل، سجّل طريق المتوسط الأوسط نحو ألف قتيل ومفقود منذ بداية العام حتى نهاية سبتمبر. وبحسب بيان المفوضية والمنظمة الدولية للهجرة واليونيسف الصادر في 2 أكتوبر، ارتفعت نسبة الموت والفقد إلى الوصول من شخص مقابل كل 60 واصلًا في الفترة نفسها من 2025، إلى شخص مقابل كل 23 في 2026.

هذه مقارنة بين المسجّلين في حصيلة الموت والفقد والواصلين، وليست احتمال وفاة كل من يبدأ الرحلة. فعدد المنطلقين غير معروف على وجه الدقة، وآلاف الأشخاص يُعترضون في البحر ويُعادون، وقد تختفي قوارب من دون أن تدخل السجلات.

كذلك، لا تكفي هذه النسبة وحدها لإثبات أن العدد المطلق للوفيات ارتفع. ما تظهره بوضوح هو أن انخفاض الوصول لم يترافق مع انخفاض مماثل في الموت والفقد.


[قالب أرقام | الوصول ينخفض.. والموت لا ينخفض بالمقدار نفسه]

بعد لامبيدوزا.. الإنقاذ في عرض البحر


لم تكن كارثة 3 أكتوبر وحدها. فبعد ثمانية أيام، وقع غرق آخر في المنطقة، لترتفع الضغوط من أجل استجابة أوسع. وفي 18 أكتوبر 2013، أطلقت إيطاليا عملية "ماري نوستروم"، مستخدمة سفنًا وطائرات لإنقاذ الأرواح ومكافحة التهريب.

وخلال عام، ساعدت العملية في إنقاذ أكثر من 150 ألف شخص. كانت أهمية هذا النموذج في وجود قدرة إنقاذ كبيرة في عرض البحر، أقرب إلى مناطق تعطل القوارب، قبل أن تبلغ السواحل الإيطالية.

انتهت العملية في 31 أكتوبر 2014، وبدأت في اليوم التالي "تريتون" بقيادة فرونتكس، بميزانية أولية قدرها 2.9 مليون يورو شهريًا. وتمحورت مهمتها حول مراقبة الحدود، مع بقاء واجب الاستجابة لحالات الاستغاثة. وتوضح المفوضية الأوروبية أنها لم تكن بديلًا مماثلًا لـ"ماري نوستروم".

بعد أشهر، في أبريل/ نيسان 2015، انقلب قارب خرج من ليبيا. وقدّرت المفوضية أن أكثر من 800 شخص ماتوا، في أكبر كارثة من نوعها كانت قد وثقتها في المتوسط آنذاك. تغيّرت العمليات، لكن الحاجة إلى الإنقاذ بقيت أكبر من أن تنتهي بانتهاء مهمة بعينها.



من لامبيدوزا إلى بيلوس.. مسارات تتبدل


في 14 يونيو/ حزيران 2023، غرقت سفينة الصيد "أدريانا" قبالة بيلوس اليونانية، بعدما أبحرت من ليبيا باتجاه إيطاليا وعلى متنها نحو 750 شخصًا. نجا 104 فقط، فيما بقي مئات الركاب في عداد الموتى والمفقودين.

وأعادت الكارثة طرح أسئلة عن توقيت التدخل وطريقة التعامل مع الاستغاثة. اتهم ناجون خفر السواحل اليوناني بالتقصير، بينما نفى ارتكاب خطأ. وتناول تحقيق للتلفزيون العربي ملابسات غرق "أدريانا" وشهادات الناجين.


متظاهرون يطالبون بالعدالة لضحايا غرق «أدريانا» قبالة اليونان – غيتي/أرشيف
متظاهرون يطالبون بالعدالة لضحايا غرق "أدريانا" قبالة اليونان - غيتي/أرشيف

وفي 2026، استمر نشاط المسار بين ليبيا وكريت وغافدوس. وأحصت منظمة "دعم اللاجئين في إيجه" أكثر من 8500 واصل خلال النصف الأول من العام، استنادًا إلى بيانات خفر السواحل اليوناني، وكان معظمهم من بنغلادش والسودان ومصر.

ولا تثبت هذه الأرقام وحدها أن تشديد مسار بعينه سبّب الانتقال إلى مسار آخر. لكنها تبيّن أن تراجع الوصول في بلد لا يصف الحركة في المتوسط كله. فالمخاطر تتبدل أيضًا مع المسافة والطقس ونوعية المركب، ومع بُعد أقرب جهة قادرة على الوصول إليه عند تعطله.


منع الوصول ليس المقياس الوحيد


توسعت السياسات الأوروبية خلال هذه السنوات في التعاون مع دول العبور لمنع الانطلاقات ومكافحة التهريب. وفي فبراير/ شباط 2017، دعم إعلان مالطا الأوروبي تدريب خفر السواحل الليبي وتجهيزه، ورحّب بمذكرة التفاهم بين إيطاليا وليبيا.

تقوم هذه المقاربة على أن تقليص الرحلات وإضعاف شبكات التهريب يقللان عدد الأشخاص المعرضين للخطر. لكن قياس نتائجها بعدد الواصلين فقط يستبعد أشخاصًا بدأوا الرحلة فعلًا ثم أُعيدوا، كما يستبعد ما يحدث لهم بعد العودة.

فمن بداية 2026 حتى منتصف سبتمبر، اعترضت السلطات 17 ألفًا و67 شخصًا وأعادتهم إلى ليبيا، وفق البيان الأممي المشترك. وهذا يوضح لماذا لا يجوز استخدام الوصول بوصفه مرادفًا للانطلاق، أو اعتبار كل انخفاض فيه دليلًا كافيًا على تحسن الأمان.

وتتجاوز المسألة حسابات الحدود. فتقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية لعام 2026 ينقل دعوة أممية إلى تعليق الاعتراض والإعادة إلى ليبيا حتى تتوافر ضمانات حقوقية مناسبة. فانتشال شخص من البحر لا ينهي مسؤولية حمايته إذا أُعيد إلى خطر التعذيب أو الاضطهاد.


[قالب توضيحي | ثلاثة أرقام.. ثلاثة معانٍ]

أين أصبحت سفن الإنقاذ؟


بموجب قواعد الإنقاذ البحري، يجب تقديم المساعدة للأشخاص في محنة، بصرف النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني. وتنتهي عملية الإنقاذ بإنزال الناجين في مكان آمن، تتوافر فيه احتياجاتهم الأساسية ولا تتهدد فيه حياتهم.

لكن الواجب القانوني يحتاج إلى سفن وتنسيق واستجابة سريعة. وبعد "ماري نوستروم"، توسع حضور المنظمات المدنية في البحر. وحتى نهاية يونيو 2026، أحصت وكالة الحقوق الأساسية 21 سفينة ضمن أسطول المنظمات العامل، إحداها تحت الصيانة، وخمس طائرات استطلاع.

وفي المقابل، تلزم القواعد الإيطالية المعتمدة منذ 2023 هذه السفن بالتوجه فورًا إلى الميناء المحدد بعد الإنقاذ، وقد يكون بعيدًا عن منطقة العمليات. وترى الوكالة أن ذلك يحدّ من قدرتها على إنقاذ مجموعات أخرى خلال الرحلة نفسها. كما توثق غرامات واحتجازًا مؤقتًا لسفن، ألغت المحاكم بعض قراراته.


قضى أو فقد في البحر المتوسط أكثر من 31 ألف شخص منذ عام 2014 - غيتي

تتأثر قدرة الإنقاذ بموقع السفن والوقت اللازم لوصولها إلى القوارب المنكوبة – غيتي/أرشيف

وتساعد هذه المعطيات في تفسير استمرار الخطر، من دون اختزاله في سبب واحد أو نسبة كل وفاة إلى إجراء محدد. فقد يكتشف طاقم استطلاع مركبًا منكوبًا، لكن النجاة تتوقف على وجود سفينة قريبة، واستجابة الجهة المسؤولة، والوقت الذي يبقى قبل الغرق.


ماذا تغيّر منذ 2013؟


تغيّرت عمليات المراقبة والإنقاذ، وتوسعت الشراكات مع دول العبور، وتبدلت المسارات. ومع ذلك، لا يزال أشخاص يبحرون على مراكب غير مهيأة، وقد تتأخر المساعدة أو تبقى بعيدة عنهم.

ولهذا، لا تكفي مكافحة التهريب وحدها، كما لا تستطيع سفن الإنقاذ وحدها معالجة أسباب الرحلات. وتدعو الوكالات الأممية إلى تنسيق أسرع للإنقاذ وتوسيع المسارات النظامية والآمنة، بما يتيح بدائل عن القوارب.


ما الذي يجعل النجاة ممكنة

منذ بدء التوثيق المنهجي في 2014، سجّل المتوسط الأوسط قرابة 27 ألف قتيل ومفقود. وبعد 13 عامًا على لامبيدوزا، يبقى الاختبار واضحًا: ليست حصيلة السياسة عدد من مُنعوا من الوصول فقط، وإنما أيضًا مصير من خرجوا إلى البحر، وهل وصلتهم المساعدة قبل فوات الأوان.
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من