بعد جزءٍ أول وثّق أثر الحرب الإسرائيلية على لبنان كما عاشها الناس يومًا بيوم، من النزوح إلى امتحان الغذاء والدواء، تكشف نتائج "المؤشر العربي 2025" أن القصة لا تبدأ بالقصف ولا تنتهي به.
حين يهدأ الصوت قليلًا، يطلّ السؤال الأثقل:
كيف يبدو لبنان خارج لحظة الحرب؟ وما الذي تقوله الأرقام عن بلدٍ يعيش أزماته كأنها حالة دائمة؟
هنا تتكشف صورة بلدٍ على حافة الكفاف: اقتصادٌ يضغط على الحد الأدنى من الحياة، وإحساسٌ متصدّع بالأمان، وثقةٌ تتآكل بالدولة ومؤسساتها. وبين تأييدٍ واسع للديمقراطية من حيث المبدأ، ومشاركةٍ محدودة في السياسة من حيث الممارسة، يرسم الاستطلاع صورة “لبنان الأوسع” كما يراه اللبنانيون:
دولةٌ على مسافة من مواطنيها، ومجتمعٌ يتدبّر يومه أكثر مما يخطط لغده.
بلد "يسير في الاتجاه الخاطئ"
تبدأ الصورة من سؤال بسيط: هل تسير البلاد في الاتجاه الصحيح أم الخاطئ؟
قد لا يكون مستغرَبًا أن تميل الإجابة إلى السواد أكثر من الضوء، ليس لأنها قراءة “سياسية” وحسب، بل لأنها انعكاسٌ لما يلامسه الناس في حياتهم اليومية: كلفة العيش، فرص العمل، الاستقرار، والخدمات.
58% من المستجيبين رأوا أن الأمور تسير في الاتجاه الخاطئ، مقابل 39% قالوا إنها تسير في الاتجاه الصحيح
الأهم هنا ليس الرقم وحده، بل طبيعة التفسير: "الاقتصاد" يتقدم قائمة الأسباب، وتظهر معه إشارات إلى "حالة الحرب على لبنان". لكن ثمّة من يعزو الأمر أيضًا إلى الأوضاع السياسية غير الجيدة وغير المستقرة، مثل التخبط السياسي وعدم قيام النظام السياسي بما يجب أن يقوم به.
ويُضاف إلى ما سبق عوامل أخرى لا تزال "ركيزة" في الواقع اللبناني، من نوع سوء الإدارة والسياسات العامة للدولة وغياب الاستقرار العام.
الكفاف هو القاعدة.. والعوز حاضر
تحت العنوان الاقتصادي، تأتي الأرقام كأنها خريطة حياة كاملة، يتّضح معها كيف تتحول الأزمة إلى نمط حياة:
أقلية تستطيع الادخار، ونصفٌ تقريبًا يعيش على “الكفاف”، وشريحة غير قليلة تعيش العوز الصريح.
بالأرقام، قال 26% إن دخل أسرهم يكفي الاحتياجات الأساسية مع إمكانية الادخار، مقابل 50% يكفي من دون ادخار. أما 22% فقالوا إن دخل الأسرة لا يغطي الاحتياجات الأساسية، أي إنهم يعيشون حالة حاجة وعوز
عندما تضيق الخيارات، تظهر طرق "التدبير" أو آليات "الترقيع" التي يعرفها اللبنانيون جيدًا، والتي تكشف هشاشة اجتماعية متزايدة:
- الاستدانة: تلجأ 36% من الأسر المعوزة إلى الاستدانة من معارف وأصدقاء وأقارب.
- المساعدة من المحيط: تلجأ 15% منها إلى الحصول على معونات من الأقارب والجيران والأصدقاء.
- بيع ما يمكن بيعه: تعتمد 15% منها على بيع ممتلكات للعائلة أو أحد أفرادها (ممتلكات عقارية، ذهب، أثاث).
- عمل إضافي: 12% يلجؤون إلى العمل الإضافي.
الأمان والاقتصاد والسياسة.. صورة سلبية شبه جامعة
في تقييم الأمان، لا تبدو المسألة تفصيلًا. الإحساس العام بأن البلد غير آمن، وبأن الاقتصاد والسياسة في وضعٍ سيّئ، يضغط على معنى "المستقبل" نفسه: هل هناك أفق؟ هل هناك دولة قادرة؟ هل هناك قدرة على تحمّل موجة جديدة من الصدمات؟
ففي تقييم الأمان، تبدو الفجوة صارخة: 14% فقط قيّموا مستوى الأمان بأنه جيد/ جيد جدًا، مقابل 85% اعتبروه سيئًا/ سيئًا جدًا.
وتتكرّر السلبية في الاقتصاد والسياسة:
86% وصفوا الوضع الاقتصادي بأنه سلبي، و77% قيّموا الوضع السياسي في لبنان على نحو سلبي.
بمعنى آخر: حتى من يلتقط بعض "التحسّن" لا يفعل ذلك من موقع الاطمئنان العام، بل من موقع المقارنة مع انهيارات سابقة أو من رهانٍ نفسي على الاستقرار.
الهجرة كخيار واقعي لا حلم رومانسي
حين تصبح الأولويات اقتصادية في المقام الأول (بطالة، أسعار، فقر، وسوء أوضاع) يصبح من الطبيعي أن تعود الهجرة إلى الواجهة، بل أن تصبح جزءًا من التفكير اليومي، بوصفها "خطة"، لا أمنية ولا ترفًا:
24% من اللبنانيين يرغبون في الهجرة
اللافت أن الدافع الأكبر يبقى اقتصاديًا، فيما تأتي الأسباب السياسية/الأمنية في المرتبة التالية:
- أسباب اقتصادية: الدافع لدى 75% من الذين يرغبون بالهجرة هو تحسين الوضع الاقتصادي.
- أسباب سياسية أو أمنية: عبّر ما نسبته 18% منهم عن أنهم يرغبون في الهجرة لأسباب سياسية أو أمنية.
- التعليم: قال 5% من المستجيبين الذين يرغبون في الهجرة إنّ دافعهم هو التعليم أو الاستمرار في التعليم
هذه الأرقام لا تُقرأ فقط كميل فردي، بل كاستفتاء ضمني على "قابلية البقاء" داخل منظومة لا تعطي مواطنيها ضمانات الحد الأدنى.
الثقة بالدولة: انتقائية وحذرة
لا يقول اللبنانيون إن كل شيء "منهار" بالمعنى أو بالقدر نفسه؛ فالثقة بالمؤسسات متباينة، إذ تُظهِر نتائج استطلاع المؤشر العربي ثقة "غير متساوية" بالمؤسسات.
ففي حين ترتفع ثقة اللبنانيين بمؤسسات محددة كالجيش والأمن العام، فإنّ الثقة بالسلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية متدنية، ولا تكاد تتجاوز 41% في أفضل حالاتها.
وتأتي المجالس التشريعية (النيابية)، المنتخبة من الناس أساسًا، في أدنى السلم بنسبة ثقة 35%.
الأكثر دلالة أن هذا الشعور لا يتوقف عند الثقة بالمؤسسات، بل يمتد إلى فكرة "التمثيل" نفسها، إذ ترى أغلبية المستجيبين أن السياسات الخارجية والاقتصادية لا تعبّر عن رأي المواطنين. وهي جملة ثقيلة سياسيًا، لأنها لا تعني الاختلاف مع قرار بعينه، بل تعني أن المسافة بين الناس والدولة باتت بنيوية.
بالأرقام، قال 68% إن السياسات الخارجية لا تعبّر عن آراء المواطنين، مقابل 29% قالوا إنها تعبّر عنها. وقال 73% إن السياسات الاقتصادية لا تعبّر عن آرائهم، مقابل 24% قالوا إنها تعبّر عنها.
وينطبق الأمر ذاته عند تقييم مجموعة من السياسات العامّة والخدمات إذ أن تقييمهم يميل إلى سلبية واضحة.
الفساد وتطبيق القانون: أزمة شرعية مكشوفة
في ملف الفساد، تكاد الإجابة تكون إجماعًا؛ إذ أفاد 97% أنّه منتشر بدرجات متفاوتة، مقابل 3% فقط يعتبرونه غير منتشر على الإطلاق.
وتشير البيانات، على مدار تسعة استطلاعات (منذ عام 2011)، إلى أن تصورات اللبنانيين وآراءهم تجاه مدى انتشار الفساد بصفة عامة في بلدانهم لم تتغير على نحوٍ جوهري.
لكن الأخطر من الموقف المعروف من انتشار الفساد ربما يظهر في سؤال القانون: هل يُطبّق بالتساوي؟
هنا تظهر أزمة الشرعية بوضوح:
11% فقط قالوا إن الدولة تطبّق القانون بالتساوي
وكان لافتًا أنّ إجابات الآخرين أيضًا انقسمت بين من رأى أنّ الدولة تُحابي بعض الفئات (41%)، ومن قال إنها لا تطبّقه بالتساوي إطلاقًا )(46%).
الديمقراطية: تأييد واسع وتناقضات حاضرة
على مستوى القيم، لا تبدو الديمقراطية ساقطة شعبيًا، إلا أنّ المفارقة اللبنانية تبدو واضحة أيضًا: تأييد واسع للديمقراطية وفهم "ذو محتوى" لمعناها، لكن المشاركة السياسية والمدنية محدودة، والثقة بالأحزاب متدنية، ونسبة معتبرة لا تنوي التصويت.
بلغة الأرقام، تؤيد أغلبيةُ الرأي العامّ النظام الديمقراطي بنسبة 79%، مقابل معارضة 19%. كما أنّ الأغلبية قادرة على تقديم تعريفٍ للديمقراطية ذي محتوى، بنسبة 85% وهي نسبة مرتفعة.
وتعتبر أغلبية المستجيبين اللبنانيين أن النظام الديمقراطي هو النظام الأكثر ملاءمَةً للبنان (بتوافق 79%)، مقارنةً بأنظمة أخرى، وهي ترفض مقولات ذات محتوى سلبي عن الديمقراطية.
في الوقت نفسه، تظهر تناقضات داخل هذا التأييد، بينها ما قد يبدو صادمًا لجهة وجود نسبة لافتة تؤيد نظامًا يتولى فيه العسكريون الحكم.
51% أفادوا بأنهم يؤيدون نظامًا سياسيًا يتولى فيه الحكم العسكريون
من المفارقات أيضًا أنّ نسبة تصل إلى 55% من اللبنانيّين لا يقبلون بوصول حزب سياسي لا يتفقون معه إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، ما قد يبدو مستغربًا طالما أنّ الأغلبية تؤيد النظام الديمقراطي.
ومن الجدير الإشارة إلى أن هذه النسبة التي تقبل بوصول حزب سياسي لا تقبل به انخفضت منذ عام 2018، بعد أن كانت لسنوات أعلى من 50%.
في النتيجة، قيّم اللبنانيون مستوى الديمقراطية في بلدهم بعلامة 5.8 من أصل 10 درجات. وهو أعلى مما سُجِّل في استطلاع المؤشر في عام 2023، لكنّه يدل على أنّ الديمقراطية ما زالت "في منتصف الطريق".
في المقابل، أظهرت النتائج قدرة "محدودة" للبنانيين على انتقاد حكومتهم، إذ منحوها علامة 6.6 من أصل 10 درجات؛ أي منتصف المقياس الرقمي.
المشاركة السياسية والمدنية.. "محدودة"
على الرغم من أن المواطنين في لبنان يؤيدون النظام الديمقراطي ضمن فهمٍ ذي محتوى لماهية الديمقراطية، فإن مشاركتهم السياسية والمدنية محدودة.
ولتوضيح هذه النقطة، جرى اختبار مؤشرات لقياس درجة الانخراط السياسي، والمدني، وهي: مدى اهتمام اللبنانيين بالشؤون السياسية في لبنان والانتساب إلى جمعيات طوعية، ومدى الثقة بالأحزاب السياسية، ونية المشاركة في الانتخابات القادمة.
وفي هذا السياق، كشفت نتائج "المؤشر العربي 2025" عن مفارقات قد يبدو بعضها "صادمًا" لكثيرين:
- الرأي العامّ اللبناني مهتم بالشؤون السياسيّة في بلده، إذ أفاد 67% منهم أنهم مهتمون بالشؤون السياسية في لبنان بدرجات متفاوتة.
- 44% من المستجيبين قالوا إنهم يعتمدون على الإنترنت لمتابعة الأخبار السياسية، وهي أعلى نسبة منذ عام 2011، وقد تضاعفت خلال تلك الفترة أكثر من سبع مرات، في مقابل انخفاض نسبة المعتمدين على التلفزيون.
-
انخراط اللبنانيين في منظّمات مدنيّة وأهليّة طوعيّة منخفض في لبنان، ولا تتجاوز نسبته 2%.
-
بلغت نسبة الذين أفادوا أنهم منتسبون إلى أحزاب سياسية 10%.
-
أفاد 62% أن ليس لديهم ثقة بالأحزاب السياسية، مقابل 36% يثقون بها.
-
51% من اللبنانيين أفادوا أنهم سوف يشاركون في الانتخابات القادمة، مقابل، 40% قالوا إنهم لن يشاركوا.
هكذا تتكوّن المعادلة اللبنانية: اهتمام سياسي مرتفع نسبيًا (67%) مع انخراط منخفض، ووساطة حزبية فاقدة للثقة.
فعلى الرغم من أن الرأي العامّ اللبناني يؤيد الديمقراطية ويفضلها على غيرها من الأنظمة، من الواضح أن العزوف عن الانخراط السياسي أو "اللامبالاة السياسية" هو السائد. وقد يكون هذا متوقعًا في إطار محدودية المشاركة السياسية، أو أن المتاح غير مقنع للمواطن من ناحية التأثير.
المواقف السياسية: فلسطين بوصلة ثابتة
وسط ضغط الاقتصاد وتآكل الثقة بالدولة، تُظهر نتائج “المؤشر العربي 2025” أن فلسطين ما تزال نقطة ارتكاز في المزاج السياسي اللبناني.
فقد قال 67% إن القضية الفلسطينية "قضية جميع العرب"، مقابل 29% اعتبروها قضية الفلسطينيين وحدهم.
وعند السؤال الأكثر حساسية سياسيًا، رفض 89% أن يعترف لبنان بإسرائيل، مقابل 9% قبلوا الاعتراف بشروط، أبرزها قيام دولة فلسطينية مستقلة.
ولا ينعكس ذلك في الموقف السياسي المجرّد فقط، بل في التفاعل الوجداني أيضًا: 59% من اللبنانيين قالوا إنهم يتابعون أخبار الحرب على غزة، و84% أفادوا بأنهم يشعرون بضغط نفسي بسببها.
وفي سياق التقييم الدولي، اعتبر 86% أن خطوة جنوب إفريقيا برفع قضية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية رفعت معنوياتهم، وأيّد 93% تطوير علاقة الحكومة اللبنانية مع جنوب إفريقيا.
وفي المقابل، كانت النظرة إلى السياسة الأميركية نحو فلسطين شديدة السلبية (91%).
خلاصة: بلد يتقدّم فيه الوعي على القدرة
ما تقوله أرقام “المؤشر العربي” عن لبنان ليس مجرد "تراجع" في مؤشرات المعيشة أو الرضا، بل سردية بلدٍ يتقدم فيه الوعي السياسي والاهتمام العام على القدرة الفعلية على الفعل والتنظيم والثقة بالوسائط.
بهذا المعنى، فإنّ الحرب ليست وحدها ما يضغط على البلد، بل إنها تقع فوق أرضٍ رخوة أصلًا: اقتصادٌ يلتهم القدرة على الاحتمال، وأمانٌ هشّ، وثقةٌ انتقائية بالمؤسسات، وشعورٌ واسع بأن السياسات لا تمثل الناس، مع فسادٍ يُرى منتشرًا وقانونٍ لا يُطبّق بالتساوي.
وبين تأييدٍ مرتفع للديمقراطية ومشاركةٍ محدودة فيها، يظهر لبنان كما يراه اللبنانيون: بلدٌ واعٍ لأزماته… لكنه عاجز عن تحويل هذا الوعي إلى تغييرٍ فعلي.
تابعوا في الحلقة المقبلة من سلسلة "المؤشر العربي 2025.. كيف يرى العرب عالمهم؟"..هل يقبل العرب التطبيع مع إسرائيل؟
أرقام سريعة
-
58%: يقولون إن لبنان يسير في "الاتجاه الخاطئ" (مقابل 39% صحيح). -
الدخل: 26% "يستطيعون الادخار" / 50% "كفاف" / 22% "عوز".
-
الأمان: 14% فقط يصفونه "جيّدًا" (مقابل 85% سيّئ).
-
الاقتصاد والسياسة: 86% تقييم سلبي للاقتصاد / 77% تقييم سلبي للوضع السياسي.
-
24%: يرغبون في الهجرة (75% لأسباب اقتصادية).
-
الثقة بالمؤسسات: أدنى ثقة بالمجالس النيابية (35%).
-
97%: يرون الفساد منتشرًا.
-
تطبيق القانون: 11% فقط يعتقدون أنه يُطبَّق بالتساوي (46% يقولون لا يُطبّق بالتساوي إطلاقًا).
-
الديمقراطية: 79% يؤيدون النظام الديمقراطي، لكن 62% لا يثقون بالأحزاب، و2% فقط منخرطون في منظمات مدنية طوعية.