لضبط الساعة البيولوجية.. ما هو توقيت الوجبات الثلاث المثالي؟
تؤثر كمية ونوعية الطعام الذي نستهلكه على صحتنا، لكن يبدو أن وقت تناول الطعام يلعب أيضًا دورًا رئيسيًا في الصحة والمرض.
فتوقيت الوجبات يمكن أن يكون إستراتيجية غذائية فعالة لمكافحة السمنة، ومرض السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية، بحسب المكتبة الوطنية الأميركية للطب.
تحتوي خلايا الجسم على ساعة بيولوجية، وهي نظام توقيت بيولوجي ينسق توقيت سلوكيات الإنسان اليومية، مثل النوم والاستيقاظ والطعام، ووظائف الأعضاء مثل إطلاق الهرمونات. وتتأثر هذه الساعة بعوامل خارجية مثل الضوء والغذاء بينما تنسق بيولوجية الإنسان الداخلية مع محيطه.
ويؤثر عدم تزامن الساعة البيولوجية مع البيئة سلبًا على صحة الإنسان. وعلى سبيل المثال، يتوقع الجسم الحصول على أنواع معينة من مصادر الطاقة كالدهون والسكر في أوقات محددة من اليوم. ويتمكن الجسم من هضم الأطعمة والمشروبات عندما يكون نشيطًا ويتعرض للضوء. وبالتالي، فإن تناول الأطعمة عندما يتوقع جسمك النوم في المساء، يمكن أن يعطل هذا النظام ويضر بعملية التمثيل الغذائي.
في المقابل، فإن دورة يومية ثابتة من الأكل والصيام قد تضبط ساعة بيولوجية صحية وتحسن عملية التمثيل الغذائي. فما هو التوقيت المثالي لتناول الوجبات؟
أهمية وجبة الفطور
تعتبر وجبة الفطور إحدى الوجبات المهمة للبشر، إذ لن يكون لدى الشخص الذي يتخطى هذه الوجبة الطاقة الكافية لبدء مهمة الصباح لأنها أول وجبة يتم تناولها بعد العشاء بفترة طويلة.
وتوصي معظم معاهد التغذية بتناول وجبة إفطار صحية باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من النظام الغذائي المثالي كما هو الحال في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا.
وقد استمدت معظم الفوائد المزعومة لتناول وجبة الإفطار من الدراسات القائمة على الملاحظة في المقام الأول، حيث وجدت مراجعة منهجية واحدة لعام 2021 تشمل 14 دراسة قائمة على الملاحظة أن أولئك الذين يتناولون وجبة الإفطار سبع مرات في الأسبوع ينخفض لديهم خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري وضغط الدم المرتفع والسكتة الدماغية والبدانة وارتفاع نسبة الكولستيرول منخفض الكثافة.
كما وجدت دراسة رصدية أجريت عام 2018 ونُشرت في "مجلة الطب الانتقالي"، أنّ أولئك الذين يتناولون وجبة الإفطار بشكل متكرر غالبًا ما يولون اهتمامًا أكبر لمدخولهم الغذائي الإجمالي، ويشاركون بانتظام في النشاط البدني، ويتحكمون في التوتر.
وعلى العكس من ذلك، فإن أولئك الذين يتخطون وجبة الفطور يميلون إلى اتباع عادات غير صحية مثل التدخين وشرب الكحول. كما أنهم يميلون أيضًا إلى اتباع نظام غذائي يحتوي على نسبة أعلى من الدهون والكوليسترول والسعرات الحرارية مقارنة بمن يتناولون وجبة الإفطار المعتادة.
الوقت المثالي لتناول وجبة الفطور
أمّا بالنسبة لتوقيت وجبة الفطور، يتفق خبراء التغذية عمومًا على أنه لا ينبغي تناول الطعام بمجرد الاستيقاظ. فالانتظار لساعة أو أكثر يوسع نافذة الصيام الليلي و"يمنح الأمعاء مزيدًا من الراحة"، بحسب روبي أوغلا، الطبيبة التي تنتج ملفات صوتية وكتب الطبخ باسم The Doctor's Kitchen.
فالأكل المقيد بالوقت، أي وجود 12 ساعة على الأقل بين وجبة اليوم الأخيرة ووجبة اليوم التالي الأولى يجعل الجسم يحرق الدهون بدلاً من الكربوهيدرات. وبحسب أوغلا، يجب التركيز على ترطيب الجسم بالماء بمجرد الاستيقاظ لأن الكليتين تعملان لوقت إضافي أثناء الليل. لذا فالوقت المناسب لتناول الفطور هو عند الساعة 9 او 10 صباحًا.
وقد لا يكون ذلك صعبًا، لأن غالبية الناس لا يشعرون بالجوع مباشرة بعد الاستيقاظ. وبحسب مجلة "جي كيو"، يبرر آدم كولينز، أستاذ التغذية المساعد في جامعة ساري الأمر بأن الجسم يكون قد بدأ بالفعل في تصدير الغلوكوز إلى الدم استعدادًا للاستيقاظ وبالتالي حصل على بعض الطاقة ولا يحتاج لمصدر طاقة فوري.
لكنّ المشكلة في أطعمة الإفطار التقليدية الغنية بالكربوهيدرات، مثل الحبوب والخبز والمعجنات، تكمن في أنها تمنح "ارتفاعًا سريعًا في مستوى الغلوكوز الذي يغذي الخلايا، يتبعه انهيار مماثل"، كما تقول أوغلا. وإن ذلك كفيل بتوليد شعور بالجوع بحلول منتصف الصباح، وبالتالي رغبة في تناول القهوة للحفاظ على التركيز والنشاط حتى وقت الغداء". وبدلًا من ذلك، يوصى بتناول وجبة غنية بالبروتين والألياف وهي كفيلة بالحفاظ على الشبع والنشاط لفترة أكبر.
وفي حال تخطي وجبة الفطور، يُفضّل تعويض ذلك من الناحية الغذائية في الوجبات الأخرى، لكن ليس من خلال الإفراط في تناول الطعام في وقت لاحق من اليوم. فهناك فرق بين وجبة الإفطار اللذيذة المتأخرة والغداء، بحسب كولنز.
توقيت وجبة الغداء
وجبة الغداء، يجب أن تكون على مسافة متساوية بين الإفطار والعشاء. لكن معظم الناس يتناولون الإفطار والغداء في غضون أربع ساعات. وبحسب كولينز، إذا كنت تتناول الطعام بين الساعة 8 صباحًا و8 مساءً، فقد تتناول وجبة الغداء حوالي الساعة 2 ظهرًا بحيث تمنح جسمك مساحة لفترات صيام أصغر خلال النهار. ويوصي كولينز بترك أربع ساعات على الأقل بين الوجبات، وتجنب أي وجبات خفيفة ومشروبات، خاصة تلك التي تحتوي على الكربوهيدرات، خلال تلك الفترات.
وتعد وجبة الغداء مهمة للحفاظ على طاقة الجسم، فوجبة الغداء المتوازنة توفّر الوقود اللازم للحفاظ على مستويات الطاقة خلال فترة ما بعد الظهر، مما يمنع الركود بعد الغداء الذي يمكن أن يؤثر على الإنتاجية والمزاج، بحسب منظمة "فايتال ميوتشوال".
فوجبة الغداء هي فرصة لاستهلاك العناصر الغذائية الأساسية التي يحتاجها الجسم ولاسيما الفيتامينات والمعادن. ويساعد تناول وجبة غداء متوازنة في تنظيم الشهية، مما يقلل من احتمالية الإفراط في تناول الطعام أو تناول وجبات خفيفة غير صحية في وقت لاحق من اليوم. كذلك تساعد وجبة الغداء المغذية في الحفاظ على وظائف الجسم الإدراكية والتركيز.
وجبة الغداء المتوازنة
ويجب أن تتضمن وجبة الغداء المتوازنة مجموعة متنوعة من المجموعات الغذائية:
- البروتينات الضرورية لإصلاح العضلات ونموها، وتشمل اللحوم الخالية من الدهون والدواجن والأسماك والبيض ومنتجات الألبان أو البروتينات النباتية مثل الفول والعدس والتوفو.
- الحبوب الكاملة التي توفر الكربوهيدرات المعقدة والألياف، مما يساعد على الحفاظ على مستويات طاقة ثابتة، وتشمل خبز الحبوب الكاملة والأرز البني والكينوا ومعكرونة القمح الكامل.
- الخضار الغنية بالفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة.
- الدهون الصحية المهمة لصحة الدماغ وتحقيق الشبع. تشمل مصادرها الأفوكادو والمكسرات والبذور وزيت الزيتون.
- الفواكه التي توفر السكريات الطبيعية والألياف والفيتامينات الأساسية.
ورغم أهميتها، لا يشكل تخطي وجبة الغداء الكبيرة مأزقًا. فبحسب مجلة "جي كيو"، ينصح فالتر لونغو، مدير معهد طول العمر في جامعة جنوب كاليفورنيا، المرضى في عيادته بتقليل وجبة الغداء إلى الحد الأدنى - وجبة خفيفة تحتوي على 100 سعرة حرارية من المكسرات أو الفاكهة - خلال الأسبوع. وفي نهاية المطاف، يقول: "لقد اعتادوا على ذلك"، وهو نفسه لا يتناول سوى القهوة السوداء على الغداء. فهذا يساعد في التحكم بالوزن؛ ويساعد على "تحسين وقت الصيام" بين الوجبات؛ وعلى تجنب ركود الطاقة بعد الظهر.
ويعتمد تخطي وجبة الغداء او الاكتفاء بوجبة بسيطة على كون وجبة الإفطار والعشاء كبيرة وصحية بما يكفي لتمنح الجسم المغذيات اللازمة عبر تناول الكميات الكافية من البروتين والألياف والفواكه والخضروات.
لكن السيناريو الأكثر شيوعًا هو أن تمثل وجبة الغذاء الوجبة الأولى في اليوم. وفي هذه الحالة، يجب التأكد من تناول الطعام خلال فترة 10 أو 12 ساعة ومن الحصول على ما يكفي من المغذيات من وجبتي الغداء والعشاء. ينصح لونغو، بعدم تخطي وجبة الإفطار، ويعتبر أن الحل الوسط يتمثل في تناول وجبة إفطار متأخرة عند الساعة 11 صباحًا، ثم تناول وجبة خفيفة في فترة ما بعد الظهر، ثم العشاء.
العشاء المثالي
أمّا وجبة العشاء فهي ليست مجرد وجبة يومية ثالثة. إنّها أيضًا الفرصة الأخيرة في اليوم لتزويد الجسم بالسعرات الحرارية والتغذية التي يحتاجها قبل النوم الذي يمثل فترة صيام.
وفي وجبة العشاء، يبذل الناس جهدًا لتناول الخضروات، وفقًا لمقال نشره معهد تكنولوجيا الأغذية (IFT) في يناير/ كانون الثاني 2020.
لكن وجبة العشاء تعد مصدر قلق للكثيرين ولاسيما أولئك الذين يتبعون حمية لإنقاص الوزن. وينصح لونغو بضرورة الانتهاء من الطعام قبل ثلاث ساعات على الأقل من النوم. إذا كان وقت النوم المعتاد هو منتصف الليل، على سبيل المثال، فيجب أن تمثل الساعة التاسعة مساء الموعد النهائي لتناول الطعام.
ويحدد وقت تناول العشاء إجمالي وقت الصيام بين الوجبة الأخيرة في يوم ما والوجبة الأولى في اليوم التالي، إذ إنّ تمديد فترة الصيام بين العشاء والفطور يسمح للجسم بالانتقال إلى مرحلة أكثر تقويضية. وبذلك يتدرب الجسم على القيام بما هو مصمم للقيام به: حرق الكربوهيدرات عند تناول الكربوهيدرات، ثم حرق الدهون عند عدم تناولها.
"عشاء خفيف"
وبحسب لونغو، مدير معهد طول العمر في جامعة جنوب كاليفورنيا، فإن العادة الأكثر شيوعًا لتناول وجبة المساء والتي يعتمدها المعمرون هي "تناول عشاء خفيف" في وقت مبكر بما يكفي لترك 12 ساعة قبل تناول وجبة الإفطار في اليوم التالي. وبذلك يصح العمل بالنصيحة الشائعة "تناول وجبة فطور الملك، وغداء الأمير وعشاء الفقير".
ويمكن أن يؤدي تناول الطعام في وقت متأخر من الليل إلى زيادة الجوع وانخفاض هرمون الليبتين، وهو الهرمون الذي يشير إلى الشبع، وقد يزيد من خطر الإصابة بالسمنة، وفقًا لدراسة نشرت في أكتوبر/ تشرين الأول 2022 في مجلة "سيل ميتابولزم".
ويقول لونغو: "إذا تناولت وجبة عشاء كبيرة، وكنت تنام جيدًا، وكان مستوى الكوليسترول وضغط الدم لديك على ما يرام، فأنت في حالة جيدة، ولكن إذا كنت تنام بشكل سيئ، وتعاني من مشاكل فربما يتعين عليك الانتقال إلى تناول وجبة إفطار أكبر، وغداء أكبر، وعشاء أصغر، والذي يبدو عادةً أنه النمط الأكثر صحة على الإطلاق".
لماذا يجب اتباع روتين أكل يومي؟
يؤدي تناول الطعام أو عدمه إلى سلسلة من ردود الفعل في الجسم. فحتى التحولات الصغيرة في أوقات الوجبات المنتظمة يمكن أن تضعف قدرة الإنسان على تنظيم شهيته لأن تغيير روتين الأكل اليومي يعطل إيقاعات الساعة البيولوجية، وفقًا لمراجعة نُشرت في أغسطس/ آب 2021 في مجلة "كارينت أوبنيون إن بيو تكنولوجي".
وعلى المدى الطويل، يؤثر تخطي وجبات الطعام المنتظم سلبًا على الصحة. ووفقًا لدراسة نشرت في مارس/ آذار 2023 في مجلة أكاديمية التغذية وعلم التغذية، ارتبط تناول وجبة واحدة فقط في اليوم بارتفاع خطر الوفاة، كما أن تخطي وجبة الغداء أو العشاء على وجه التحديد يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
كذلك يؤثر تخطي الوجبات على الصحة العقلية. فبحسب دراسة نشرت عام 2020 في مجلة "إنوفيشن إن آيجنغ"، كان كبار السن الذين تخطوا وجبات الطعام أكثر عرضة للإصابة بأعراض الاكتئاب والقلق والأرق من أولئك الذين لم يفعلوا ذلك.
لكن إذا وجدت نفسك بحاجة إلى تخطي وجبة في بعض الأحيان، فإن تخطي العشاء سيؤثر على جودة نظامك الغذائي بشكل أقل من تخطي وجبة الإفطار أو الغداء، وفقًا لوزارة الزراعة الأميركية.