Skip to main content

لعنة المركز الثاني.. لماذا يتذكر العالم بطل المونديال وينسى وصيفه؟

الإثنين 20 يوليو 2026
رفع لاعبو المنتخب الإسباني الكأس في نهائي كأس العالم 2026- غيتي

مرّ لاعبو الأرجنتين على مقربة من كأس العالم، تسلموا ميدالياتهم الفضية، ثم ابتعدوا عن المنصة حتى يفسحوا الطريق أمام لاعبي إسبانيا. بعد دقائق، كانت الكاميرات تلاحق الكأس فوق رؤوس الأبطال، فيما اختفى الوصيف تدريجيًا من الصورة.

وصل المنتخبان إلى المباراة نفسها، وخاضا الطريق الطويل نفسه تقريبًا، وبقي الفارق بينهما هدفًا سجله فيران توريس في الدقيقة 106. مع ذلك، خرجت إسبانيا من النهائي بصفتها بطلة العالم للمرة الثانية، بينما خرجت الأرجنتين بوصفها الفريق الذي خسر اللقب.

تتكرر المفارقة بعد كل نهائي، فالوصول إلى المركز الثاني في بطولة تضم عشرات المنتخبات إنجاز لا يبلغه إلا فريق واحد إلى جانب البطل، لكنه يتحول فور إطلاق صافرة النهاية إلى خسارة. 

نتذكر من رفع الكأس، ونحتاج أحيانًا إلى العودة إلى السجلات لنعرف من كان يقف أمامه.

فلماذا تمنح الذاكرة الرياضية كل الضوء للبطل، وتترك الوصيف في المنطقة الفاصلة بين الإنجاز والإخفاق؟


المركز الثاني الذي يبدو كأنه خسارة


لا يدخل أي منتخب كأس العالم وهو يعد جماهيره بالمركز الثاني. يبدأ الطموح بالتأهل، ثم يتسع مع كل انتصار، حتى يصبح الوصول إلى النهائي إعلانًا بأن الكأس باتت على بعد مباراة واحدة.

لهذا لا ينظر الوصيف بعد المباراة إلى عشرات المنتخبات التي تفوق عليها، وإنما إلى الفريق الوحيد الذي سبقه. لا يقارن نفسه بمن خرج من الدور الأول أو ربع النهائي، وإنما يتخيل النتيجة البديلة الأقرب: ماذا لو دخلت تلك الكرة؟ ماذا لو لم يقع ذلك الخطأ؟ ماذا لو صمد الفريق دقائق إضافية؟

ليونيل ميسي في نهائي كأس العالم 2026- غيتي

يوفر علم النفس تفسيرًا لهذا الشعور من خلال ما يعرف بـ"التفكير المضاد للواقع"، أي مقارنة ما حدث بما كان يمكن أن يحدث.

فقد أظهرت دراسة شهيرة نُشرت عام 1995 عن أصحاب الميداليات الأولمبية أن الفائزين بالبرونزية بدوا أكثر سعادة من أصحاب الفضية، رغم أن ترتيبهم أقل. كان صاحب الفضية يقارن نفسه غالبًا بصاحب الذهب، بينما يقارن صاحب البرونزية نفسه بمن خرج بلا ميدالية.

تقدم هذه الدراسة مفتاحًا لفهم المشهد، إذ يقاس المركز الثاني بما ضاع، لا بما تحقق. يصبح النهائي في ذهن الخاسر بابًا كان مفتوحًا ثم أغلق، فيما يبدو المركز الثالث أو الوصول غير المتوقع إلى الأدوار المتقدمة مكسبًا لم يكن مضمونًا.


مباراة تختصر البطولة


تُبنى ذاكرة كأس العالم حول لحظات قليلة: هدف الحسم، صافرة النهاية، رفع الكأس، احتفال القائد، وصورة الفريق البطل. يعاد عرض هذه المشاهد في كل نسخة لاحقة، وتدخل في الإعلانات والأفلام الوثائقية وسجلات البطولة.

أما مباريات الوصيف قبل النهائي، فتتراجع سريعًا إلى الخلف. قد يكون قد قدم أفضل كرة في البطولة أو أقصى أقوى المرشحين أو خاض مباريات استثنائية، لكن المباراة الأخيرة تعيد تعريف كل ما سبق.

لا نقول عادة إن المنتخب فاز بسبع مباريات ووصل إلى النهائي؛ نقول إنه "خسر النهائي". تتحول الرحلة كلها إلى وصف واحد مشتق من المباراة الوحيدة التي لم يفز بها.

تساعد الجداول التاريخية على هذا الاختزال. قائمة الأبطال واضحة وسهلة الحفظ، ويمنح كل لقب نجمة فوق القميص. لا توجد نجمة للوصول إلى النهائي، ولا رمز دائم يذكّر بأن منتخبًا كان ثاني أفضل فريق في العالم خلال تلك النسخة. فحتى كلمة "الوصيف" تحمل تناقضًا. فهي تؤكد أن الفريق وصل إلى النهاية، لكنها تعرفه في الوقت نفسه من خلال شخص آخر: إنه الفريق الذي جاء بعد البطل.


الأرجنتين أكثر من وصيفة

لا تواجه المنتخبات كلها المصير نفسه بعد خسارة النهائي. تمتلك الأرجنتين ثلاثة ألقاب عالمية سابقة، أحرزتها أعوام 1978 و1986 و2022، كما سبق أن خسرت النهائيات في 1930 و1990 و2014، قبل خسارة نهائي 2026 أمام إسبانيا.

لهذا لن تختصر الذاكرة الأرجنتين في لقب وصيف 2026. سيضاف النهائي إلى سجل منتخب يعرف طعم الانتصار والهزيمة في المباراة الأخيرة، وستبقى هذه النسخة فصلًا ضمن تاريخ أكبر صنعه ماريو كيمبس ودييغو مارادونا وليونيل ميسي وأجيال أخرى.

سجّل فيران توريس الهدف الذي منح منتخب إسبانيا الفوز في كأس العالم- غيتي

كان لقب 2022 قد غيّر أيضًا طريقة النظر إلى خسارة نهائي 2014. لم تعد تلك الهزيمة نهاية قصة جيل ميسي، وإنما مرحلة سبقت تتويجه بعد ثماني سنوات. يستطيع اللقب اللاحق أن يعيد ترتيب الماضي، وأن يحول إخفاقًا قديمًا إلى فصل في رحلة الانتصار.

تبدو المشكلة أصعب لدى المنتخبات التي وصلت إلى النهائي ولم تفز بالكأس مطلقًا. لا يأتي لقب لاحق ليغير نهاية الحكاية، فيبقى الوصيف مرتبطًا بما كان قريبًا منه ولم يحققه.


هولندا.. ثلاثة نهائيات ولا كأس

بلغت هولندا نهائي كأس العالم ثلاث مرات، في 1974 و1978 و2010، وخسرتها جميعًا. وهي أكثر المنتخبات وصولًا إلى المباراة النهائية من دون إحراز اللقب. كما خسرت تشيكوسلوفاكيا نهائيي 1934 و1962، والمجر نهائيي 1938 و1954، فيما وصلت السويد وكرواتيا إلى النهائي مرة واحدة من دون تتويج.

مع ذلك، لم تُنس هولندا 1974. بقي المنتخب المرتبط بيوهان كرويف و"الكرة الشاملة" حاضرًا في تاريخ اللعبة، رغم خسارته النهائي أمام ألمانيا الغربية 1-2.

نجا ذلك الفريق من مصير الوصيف المنسي لأن تأثيره ارتبط بأسلوب غير طريقة فهم المساحات وتبادل المراكز والضغط، وتحول إلى مرجع تكتيكي وجمالي تجاوز البطولة نفسها.

تذكر الناس هولندا التي حصلت على المركز الثاني لأنها قدمت فكرة. وأصبحت خسارتها جزءًا من جاذبية قصتها: فريق أثّر في كرة القدم أكثر من منتخبات رفعت الكأس، لكنه لم يحصل على الجائزة التي بدت وكأنها صُممت له.


المجر 1954.. الفريق الأفضل الذي لم يفز

يحضر المنتخب المجري في نسخة 1954 مثالًا آخر على قدرة بعض الوصفاء على مقاومة النسيان. دخلت المجر النهائي بعد سلسلة طويلة من المباريات من دون خسارة، وكانت قد هزمت ألمانيا الغربية 8-3 في دور المجموعات، وسجلت 27 هدفًا خلال البطولة، وهو رقم قياسي لم ينجح أي منتخب في تجاوزه.

تقدمت المجر بهدفين خلال الدقائق الثماني الأولى من النهائي، لكن ألمانيا الغربية عادت وفازت 3-2 في المباراة التي عُرفت لاحقًا باسم "معجزة بيرن".

فاز منتخب الأرجنتين في بطولة كأس العالم 2022- غيتي

فازت ألمانيا بالكأس، لكن المجر بقيت في كتب التاريخ بوصفها واحدة من أعظم المنتخبات التي لم تحرز كأس العالم. لم تحفظ الذاكرة وصافتها وحدها، وإنما حفظت التناقض بين هيمنتها على كرة القدم وفشلها في المباراة التي كان يفترض أن تؤكد تلك الهيمنة. أحيانًا لا ينسى التاريخ الوصيف لأن الهزيمة بدت غير قابلة للتصديق.


كرواتيا.. حين يكون الوصول نفسه قصة

تختلف قصة كرواتيا عام 2018. لم تدخل البطولة بصفتها قوة سبق أن وصلت إلى النهائي، وكان بلوغها المباراة الأخيرة أفضل إنجاز في تاريخها بكأس العالم. خسرت أمام فرنسا، لكن الرحلة بقيت حاضرة بفضل تجاوزها ثلاث مباريات إقصائية متتالية امتدت إلى وقت إضافي، وبروز لوكا مودريتش الذي حصل على جائزة أفضل لاعب في البطولة.

في هذه الحالات، لا يلغي النهائي قيمة الوصول، لأن التوقعات الأصلية كانت أقل من المركز الثاني. قد تشعر المجموعة بالمرارة بعد الهزيمة، لكن الذاكرة الوطنية تستعيد البطولة بوصفها إنجازًا، لا بوصفها كأسًا ضائعة فقط. فالسياق هو ما يحدد مصير الوصيف. فمنتخب معتاد على المنافسة قد يرى المركز الثاني فشلًا، فيما يحوله منتخب صغير أو قليل التجربة إلى أبرز صفحة في تاريخه.


لماذا يتذكر الجمهور البطل بسهولة؟


يقدم البطل قصة مكتملة: بدأ البطولة، تجاوز الاختبارات، فاز بالمباراة الأخيرة، ورفع الكأس. تملك الحكاية بداية ونهاية واضحة، ولا تحتاج إلى تفسير إضافي.

قصة الوصيف أكثر تعقيدًا. هل نصفه بالناجح لأنه بلغ النهائي، أم بالفاشل لأنه خسره؟ هل نحتفل بما حققه، أم نتحسر على ما ضاع منه؟ لا تمنح هذه المنطقة الرمادية الذاكرة خاتمة بسيطة.

يحتاج الجمهور أيضًا إلى رموز يختصر بها البطولات. يصبح اسم البطل عنوان النسخة، فيما تتوزع بقية القصص بين الهداف وأفضل لاعب والمفاجآت واللحظات المثيرة. يحضر الوصيف في المباراة الأهم، لكنه لا يمتلك الصورة الأخيرة. بعد سنوات، قد نتذكر هدف النهائي ولا نتذكر الفريق الذي استقبله. نتذكر القائد الذي رفع الكأس ولا نستعيد بسهولة وجه القائد الآخر وهو ينتظر الميدالية الفضية.


متى ينجو الوصيف من النسيان؟


لا يكفي بلوغ النهائي وحده لضمان البقاء في الذاكرة. غالبًا يحتاج الوصيف إلى قصة تتجاوز المركز الثاني:


  • أسلوب غيّر اللعبة، كما حدث مع هولندا.
  • تفوق استثنائي انتهى بصدمة، كما حدث مع المجر.
  • وصول غير متوقع صنع تاريخ بلد، كما حدث مع كرواتيا.
  • لاعب ارتبطت مسيرته بمحاولة لم تكتمل.
  • نهائي استثنائي بقي حاضرًا بغض النظر عن الفائز.

أما الوصيف الذي يصل بطريقة مألوفة ويخسر نهائيًا لا يحمل قصة كبيرة، فقد يتحول سريعًا إلى اسم في سجل النتائج. ليست الذاكرة عادلة دائمًا في قياس الأداء. هي تختار القصص التي يسهل روايتها، والكأس أقصر قصة ممكنة لإثبات النجاح.


فريق واحد فقط لا يخسر البطولة


خرجت الأرجنتين من نهائي 2026 من دون الكأس، لكن ذلك لا يلغي أنها وصلت إلى آخر مباراة، وتفوقت على جميع المنتخبات التي واجهتها قبل إسبانيا. المشكلة أن من يصل إلى النهائي لا يحصل على وقت للاحتفال بما أنجزه؛ إذ تُطلب منه فورًا المباراة التي تفصل بين الإنجاز والخلود.

فخسارة النهائي تبدو أقسى من الخروج المبكر، إذ يملك الفريق الذي يغادر في دور سابق وقتًا لتقبل حدود رحلته، أما الوصيف فيرى الجائزة أمامه، ويمر بجوارها، ثم يشاهدها تذهب إلى الطرف الآخر.

المصادر:
موقع التلفزيون العربي
شارك القصة