Skip to main content

لغز اختفاء موسى الصدر.. ماذا دار في اللقاء الأخير مع معمر القذافي؟

الثلاثاء 10 فبراير 2026
انقطت أخبار الإمام موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحفي عباس بدر الدين في ليبيا يوم 31 أغسطس 1978 - غيتي
في الساعة الواحدة والربع من بعد ظهر 31 أغسطس/ آب عام 1978، توقفت سيّارة من طراز "بيجو 504" أمام فندق الشاطئ في العاصمة الليبية طرابلس. استقلّها الإمام موسى الصدر، زعيم الطائفة الشيعية في لبنان، ورفيقاه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، وانطلقت نحو مقر إقامة العقيد معمر القذافي، حيث كان من المقرر أن يلتقي بهم.
لم يدرك أحد ممن ودّعوا الصدر ورفيقيه عند باب الفندق أن تلك اللحظة ستكون الأخيرة التي يُرى فيها الثلاثة، وأنّ الغياب سيطول إلى اليوم.

وُلِد موسى الصدر في مدينة قمّ الإيرانية، ونشأ في أسرة ذات حضور في العلم الشرعي، فاختار طريقها من دون أن يكتفي به. جمع بين الدراسة الحوزوية والتكوين الجامعي، وكان من أوائل المعمّمين الذين تلقّوا علومًا حديثة، إذ تخرّج من كلية الحقوق حاملًا إجازة في الاقتصاد السياسي.

وفي عام 1954، انتقل إلى النجف في العراق لاستكمال تحصيله الديني، وهناك تعرّف إلى الشيخ محمد يعقوب، الذي سيغدو لاحقًا أحد أقرب المقربين إليه، ثم رفيقه في رحلة الاختفاء.


موسى الصدر ومحاولات منع الحرب الأهلية في لبنان


الشيخ محمد يعقوب، وهو من مواليد البقاع شرق لبنان، درس العلوم الشرعية في النجف، وكان من تلامذة السيد محمد باقر الصدر، كما نال شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون عن أطروحة بعنوان: "الإسلام بين الماركسية والرأسمالية".

ويروي حسن يعقوب، ابن الشيخ محمد يعقوب، أن "اللقاء الأول بين الإمام موسى الصدر والشيخ محمد يعقوب كان في منزل محمد باقر الصدر في النجف، لكن العلاقة توطّدت بعد عودة الشيخ محمد يعقوب إلى لبنان، ونشأت بين الرجلين علاقةٌ، أقلّ ما يُقال فيها إنها لصيقة جدًا".

اختفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه لا يزال لغزًا حتى اليوم

في عام 1958، عاد الإمام موسى الصدر إلى إيران، وأسّس مجلة "مكتب إسلام". وفي العام نفسه اتخذ قرار التوجّه إلى لبنان، بعدما استدعاه زعيم الطائفة الشيعية هناك عبد الحسين شرف الدين ليخلُفه في موقعه.

وفي عام 1969، انتُخب رئيسًا للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. ومن هذا الموقع، أطلق حراكًا اجتماعيًا وسياسيًا واجه الإقطاع والفساد واحتكار الطبقة النافذة لمفاصل الدولة، قبل أن يتوّج ذلك بتأسيس "حركة المحرومين" عام 1974.

عن تلك المرحلة، يقول رئيس المجلس الوطني للإعلام في لبنان عبد الهادي محفوظ:

"كنتُ قريبًا من الإمام الصدر وأعرف كيف يفكّر، وكنتُ شخصيًّا أعتبره اليساري الحقيقي، لأنني أتيتُ من حركة يسارية إلى حركة المحرومين عند الإمام موسى الصدر".


لقاء عاصف بين موسى الصدر ومعمر القذافي


يؤكد حسن يعقوب أن الصدر كان منخرطًا، بلا توقف، في مساعٍ لتجنيب لبنان الانزلاق إلى الحرب الأهلية. ويستحضر في هذا السياق اعتصامه الشهير في مسجد الصفا في رأس النبع، كما يستحضر أول وقف لإطلاق النار شارك فيه الشيخ محمد يعقوب مع المرحوم داني شمعون بين الشياح وعين الرمانة.

لكن الجهود لم توقف آلة الحرب. وخلال سنوات السبعينيات، ظل الصدر يمدّ خيوط الوساطة بين الأطراف، ويجول على عواصم عربية طلبًا للدعم السياسي لإطفاء نار الحرب. وفي المقابل، كانت علاقته متوترة مع بعض الزعماء الذين اتهمهم بتغذية الانقسام والاستثمار في إشعال القتال، وكان القذافي في مقدمتهم.

في هذا الإطار، يتحدث عبد الهادي محفوظ عن "طروحات لمعمر القذافي كانت تذهب بعيدًا في مقاربة الحرب اللبنانية"، إذ اعتبر وقتذاك أنّ "المسيحيين في لبنان امتداد للصليبية"، وذهب، بشكل أو بآخر، إلى "الدعوة لترحيلهم"، وهو طرح التقى بحسب محفوظ مع أفكار لبنانية وغير لبنانية داخل لبنان، لكنه أثار خشية الإمام موسى".

بدوره، يقول حسن الشامي، مقرر لجنة المتابعة الرسمية لقضية الإمام موسى الصدر، إن "الإمام الصدر التقى بالقذافي في طرابلس عام 1975، وكان اللقاء عاصفًا وسيّئًا".

وينقل رئيس المكتب السياسي السابق في حركة أمل حسين كنعان تفاصيل صدامٍ لفظيّ في ذلك اللقاء:

قال القذافي للصدر:

"كل أسلحة ليبيا وكل إمكانيات ليبيا تحت تصرفك يا سماحة الإمام إذا أردت قتل الموارنة في لبنان".

فردّ الصدر:

"كيف أقاتل الموارنة وأنا عندي حركة نصفها موارنة؟ أعدك بمقاتلة الانعزاليين والخونة من الموارنة".

ويضيف كنعان أن القذافي أغمض عينيه ورفع رأسه لنحو نصف دقيقة قبل أن ينتهي الاجتماع.

في عام 1978، زار موسى الصدر الجزائر والتقى الرئيس هواري بومدين، الذي عرض التوسط لترتيب لقاء مصالحة بينه وبين القذافي.

وتقول رباب الصدر، شقيقة الإمام، إنه التقى في تلك الفترة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، الذي نصحه بعدم التوجه إلى ليبيا.

الشيخ محمد يعقوب رفيق الإمام موسى الصدر في رحلة الاختفاء

صباح 25 أغسطس/ آب من العام 1978، وصل الصدر ورفيقاه إلى طرابلس. نُقلوا إلى فندق الشاطئ، حيث أقاموا بانتظار موعد مقابلة القذافي. غير أن الموعد تأخر.


الرحلة الأخيرة لموسى الصدر ورفيقيه إلى ليبيا


يقول حسن يعقوب: "كان يُفترض أن يكون اللقاء في اليوم الأول أو الثاني من قدومهم، وكانت هناك نيّة عند الإمام الصدر ألّا يبقى ليوم 1 سبتمبر/ أيلول".

لكن اللقاء لم يُعقد خلال الأيام الأولى. ووفق حسن الشامي، انتظر الصدر ورفيقاه ستة أيام في الفندق، التقى خلالها الصدر بعض أصدقائه من اللبنانيين المقيمين هناك، كما التقى القائم بالأعمال اللبناني آنذاك نزار فرحات.

وتروي رباب الصدر: "كان عندما يسافر يتصل بالمقربين منه في لبنان ويقول لهم: أنا على هذا الرقم. لكن عندما توجّه إلى ليبيا لم يتصل ولم يقل ما هو الرقم منذ اليوم الأول".

في 31 أغسطس، حضرت سيارتان من المراسم الليبية لنقل الصدر ورفيقيه إلى باب العزيزية. ويذكر حسن الشامي أن صحافيًا أردنيًا ودّعه على باب الفندق قائلًا:

"مع السلامة، سماحة الإمام".

ويضيف:

"جاء السفير اللبناني نزار فرحات بعد ساعة أو ساعتين حاملًا جواز سفر عباس بدر الدين الذي وُضعت عليه تأشيرة فرنسية من السفير الفرنسي في طرابلس. انتظر لساعات في الفندق، سأل عنهم في الاستقبال، فكان الجواب أنّهم غادروا. غادروا بمعنى لم يتركوا الفندق نهائيًا، بل في مشوار ما. لكن تبيّن أنّه تمّ إخلاء الغرف من باب خلفي من قبل المخابرات الليبية، وتمّ سحب الحقائب وجوازات السفر، وإعداد مسرحيات الترحيل إلى روما"

معمر القذافي والإمام موسى الصدر

انقطعت أخبار الإمام موسى الصدر ورفيقيه، فعمّت المظاهرات لبنان مطالبةً بالكشف عن مصير المغيّبين. وبدا أنّ غياب الصدر سيكون له أثر بالغ السوء على الوضع في لبنان الممزّق أصلًا تحت نيران الحرب الأهلية.


ماذا جاء في الرواية الليبية عن اختفاء موسى الصدر؟


في 17 سبتمبر/ أيلول 1978، أصدرت ليبيا بيانًا قالت فيه إن الإمام موسى الصدر سافر برفقة الشيخ محمد يعقوب وغادرا البلاد بشكل مفاجئ باتجاه روما.

رفض لبنان الرواية الليبية، وتواصل مع إيطاليا للتحقق من الادعاء بشأن مغادرة الإمام الصدر بشكل مفاجئ باتجاه روما.

ويقول حسن الشامي إن "السلطات الإيطالية أجرت تحقيقًا مفصلًا في أوائل سبتمبر، مع طاقم طائرة رحلة شركة أليطاليا 881 من طرابلس إلى روما، ومع طواقم المطار وخدمات الجوازات والتفتيش، ومع طاقم فندق الهوليداي إن في روما. وثبت لديها، بقرار رسمي، أن الإمام ورفيقيه لم يدخلوا إلى روما ولم يصعدوا إلى الطائرة أصلًا".

ويضيف حسن يعقوب أن "الأشخاص الذين انتحلوا شخصية الإمام الصدر والشيخ محمد يعقوب عُرفوا، وهناك اعترافات في ليبيا بهذا الموضوع. وتوصلنا إلى من انتحل الشخصيتين مباشرة، واعترف بأنه كان ينتمي إلى المخابرات الخارجية الليبية، وكُلّف بالمهمة".

ويقول حسين كنعان إن زوجة الإمام موسى الصدر طلبت منه التوجه إلى واشنطن في اليوم الثاني أو الثالث بعد الاختفاء. ويضيف أنه عقد اجتماعات في وزارة الخارجية الأميركية، حيث قيل له: "الخبر الذي وصلنا أنه تمت تصفيتهم"، قبل أن يعودوا في اليوم التالي ويبلغوه: "ما عندنا خبر".


 قصة الخلاف الأخير بين موسى الصدر ومعمر القذافي
يتحدث حسن يعقوب عن رواية شاعت طويلًا مفادها أن خلافًا انفجر في الاجتماع الأخير مع القذافي، وأن إشارة "خذوهم" فُهمت على أنها أمر بقتلهم. ويقول: "هذا الذي كان يُروّج له بشكل دائم، وهذا غير صحيح".
أما حسن الشامي فيقدّم رواية مختلفة، قائلًا: "ثبت لدينا بالتحقيقات والوثائق السرية وبإفادات شهود من حراس السجون، وبإفادة هنيبال معمر القذافي نفسه، أن الإمام عند اختطافه لم يُصب بأي مكروه. بل أمر القذافي باحتجازه. واحتُجز في مكان يشبه الإقامة الجبرية أو منطقة أمنية فيها مقارّ أمنية في جنزور، ضواحي طرابلس، نحو أربعة أعوام. ثم نُقل إلى القاعدة الجوية العسكرية في سجن سري بسبها، ثم أُعيد إلى طرابلس في مكتب النصر، وهو سجن سياسي سري، قبل أن يُعاد إلى سبها".
مظاهرات عمت لبنان بعد اختفاء الإمام موسى الصدر
فتح الغموض الذي أحاط بالقضية الباب أمام أسئلة وروايات متعددة حول الجهات والدول التي ربما وجدت مصلحة في تغييب موسى الصدر.
في ليبيا، تداوَل البعض رواية ثانية تتهم أحد أجنحة الحركة الفلسطينية بالتخلص من الصدر، وتحديدًا الكادر الفلسطيني أبو نضال الذي انشق عن حركة فتح مؤسسًا تنظيمًا عسكريًا مستقلًا.
وظهرت رواية أخرى في كتاب "الجاسوس النبيل" للكاتب الأميركي كاي بيرد، تقول إن رجل الدين الإيراني محمد حسين بهشتي كان وراء قرار تصفية موسى الصدر، وقد أوعز للقذافي بذلك.
ويقول حسن يعقوب: "الثورة في إيران فيها أجنحة كثيرة، ومعروف أن هناك جناحًا لا يحب الإمام موسى الصدر. وأحد شخصيات هذا الجناح ذهب إلى مطار طهران وأوقف الطائرة التي كانت ذاهبة للتحقيق في ليبيا من إيران".

مصير موسى الصدر بعد سقوط حكم معمر القذافي


في 23 أغسطس/ آب 2011 سقطت باب العزيزية، مقر حكم القذافي. وبعد أقل من شهرين قُتل العقيد، وانتهى حكمه الذي امتد لعقود.

أعادت الثورة الليبية إحياء الأمل لدى عائلة الصدر ومناصريه بإمكان الوصول إلى جواب نهائي: ماذا جرى للإمام ورفيقيه منذ تلك الليلة في سبعينيات القرن الماضي؟

ويقول حسن الشامي:

"ذهبنا إلى ليبيا بعد مقتل معمر القذافي بيومين، وقابلنا أركان النظام الجديد. ثم قمنا بزيارات متتالية، ووعدونا، من الرئيس مصطفى عبد الجليل إلى رئيس الحكومة والوزراء ومكتب النائب العام، بأن تكون القضية أولوية وطنية ليبية. ووقّعنا مذكرة تفاهم عام 2013، لكن لم يُنفذ منها إلا جزء صغير جدًا. لم يجروا تحقيقات موسعة مع المسجونين في النظام السابق، وبعضهم موقوف على ذمة قضية الإمام. لم يحققوا تحقيقات وافية، بل تحقيقات شكلية. لماذا؟ لا نعرف".

ويقول حسن يعقوب:

"لدينا شبه تأكيد، حتى لا أقول تأكيدًا مئة بالمئة، أن الشيخ محمد يعقوب والإمام موسى الصدر كانا في مرحلة معينة موجودَين في زنازين تحت قصر العزيزية. ووصلنا إلى رقم الزنزانة التي كان فيها سجن والدي، ورقم الزنزانة التي كان فيها سجن الإمام. عباس بدر الدين ربما كان موجودًا في السجن نفسه، لكن لا تأكيد لدينا في ذلك. ما لدينا تأكيد أكبر عليه هو ما يتعلق بوجود والدي والإمام. وقبل سقوط النظام، كانوا موجودين، حسب معلوماتنا، إلى وقت قريب جدًا".
"وفجأة، عام 2016، بعد آخر زيارة لي إلى طرابلس، أوقفوا كل التواصل. حصلت أحداث أمنية وحرب أهلية، ونحن نتفهم هذه الظروف، لكن لا نتفهم وقف التواصل".

وفي عام 2015، اختطفت مجموعة مسلحة هنيبال القذافي، ابن معمر القذافي، بعد استدراجه من سوريا حيث كان يقيم إلى لبنان. وظهر لاحقًا في تسجيل قصير وعليه آثار اعتداء، داعيًا من أسماهم بمالكي المستندات والدلائل إلى إظهار تلك الأدلة فورًا.

وبعد أيام، احتجزته السلطات اللبنانية وحوكم بتهمة إخفاء معلومات في قضية اختفاء موسى الصدر ورفيقيه، قبل أن يتم الإفراج عنه في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.


"لو كان الإمام موسى الصدر موجودًا..."

يقول حسن الشامي: "طلبنا الاستماع إلى هنيبال القذافي كشاهد عندما تمّ توقيفه بناءً على نشرة من الإنتربول. تبيّن أنّه يعرف الكثير وأخفى القسم الآخر المهم، فتمّ الادّعاء عليه من قبل المحقق العدلي في القضية القاضي زاهر حمادة، بجرم كتم المعلومات. وتبيّن أنّه يعرف الكثير من المعلومات عن القضية، ما يثبت برأي المحقق العدلي وجود شبهة تورّط في تدخّل لاحق في جرم الخطف المستمر".

من جهتها، تعتبر رباب الصدر أنه لو كان الإمام موسى الصدر موجودًا اليوم لكان لبنان مختلفًا وكذلك إيران.

أعوام طويلة مضت منذ أن شُوهد موسى الصدر ورفيقاه أحياء. لم تتوقّف عائلته ومحبّوه طوال تلك السنوات عن التفتيش والبحث خلف كلّ دليل ووراء كلّ شهادة قد تعطيهم أملًا إضافيًا لمعرفة مصيرهم. لكن ما هم مؤمنون به تمام الإيمان أنّ الإمام ورفيقيه لا يزالون مغيّبين، وأنّ الأمل لا يزال يراودهم بأن يكونوا على قيد الحياة.
القصة الكاملة لاختفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه في ليبيا والروايات عن اللقاء الذي سبق الاختفاء مع معمر القذافي في الحلقة المرفقة من برنامج "مختفون".
المصادر:
التلفزيون العربي
شارك القصة