لغز اختفاء موسى الصدر.. ماذا دار في اللقاء الأخير مع معمر القذافي؟
وُلِد موسى الصدر في مدينة قمّ الإيرانية، ونشأ في أسرة ذات حضور في العلم الشرعي، فاختار طريقها من دون أن يكتفي به. جمع بين الدراسة الحوزوية والتكوين الجامعي، وكان من أوائل المعمّمين الذين تلقّوا علومًا حديثة، إذ تخرّج من كلية الحقوق حاملًا إجازة في الاقتصاد السياسي.
وفي عام 1954، انتقل إلى النجف في العراق لاستكمال تحصيله الديني، وهناك تعرّف إلى الشيخ محمد يعقوب، الذي سيغدو لاحقًا أحد أقرب المقربين إليه، ثم رفيقه في رحلة الاختفاء.
موسى الصدر ومحاولات منع الحرب الأهلية في لبنان
الشيخ محمد يعقوب، وهو من مواليد البقاع شرق لبنان، درس العلوم الشرعية في النجف، وكان من تلامذة السيد محمد باقر الصدر، كما نال شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون عن أطروحة بعنوان: "الإسلام بين الماركسية والرأسمالية".
ويروي حسن يعقوب، ابن الشيخ محمد يعقوب، أن "اللقاء الأول بين الإمام موسى الصدر والشيخ محمد يعقوب كان في منزل محمد باقر الصدر في النجف، لكن العلاقة توطّدت بعد عودة الشيخ محمد يعقوب إلى لبنان، ونشأت بين الرجلين علاقةٌ، أقلّ ما يُقال فيها إنها لصيقة جدًا".
في عام 1958، عاد الإمام موسى الصدر إلى إيران، وأسّس مجلة "مكتب إسلام". وفي العام نفسه اتخذ قرار التوجّه إلى لبنان، بعدما استدعاه زعيم الطائفة الشيعية هناك عبد الحسين شرف الدين ليخلُفه في موقعه.
وفي عام 1969، انتُخب رئيسًا للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. ومن هذا الموقع، أطلق حراكًا اجتماعيًا وسياسيًا واجه الإقطاع والفساد واحتكار الطبقة النافذة لمفاصل الدولة، قبل أن يتوّج ذلك بتأسيس "حركة المحرومين" عام 1974.
عن تلك المرحلة، يقول رئيس المجلس الوطني للإعلام في لبنان عبد الهادي محفوظ:
"كنتُ قريبًا من الإمام الصدر وأعرف كيف يفكّر، وكنتُ شخصيًّا أعتبره اليساري الحقيقي، لأنني أتيتُ من حركة يسارية إلى حركة المحرومين عند الإمام موسى الصدر".
لقاء عاصف بين موسى الصدر ومعمر القذافي
يؤكد حسن يعقوب أن الصدر كان منخرطًا، بلا توقف، في مساعٍ لتجنيب لبنان الانزلاق إلى الحرب الأهلية. ويستحضر في هذا السياق اعتصامه الشهير في مسجد الصفا في رأس النبع، كما يستحضر أول وقف لإطلاق النار شارك فيه الشيخ محمد يعقوب مع المرحوم داني شمعون بين الشياح وعين الرمانة.
لكن الجهود لم توقف آلة الحرب. وخلال سنوات السبعينيات، ظل الصدر يمدّ خيوط الوساطة بين الأطراف، ويجول على عواصم عربية طلبًا للدعم السياسي لإطفاء نار الحرب. وفي المقابل، كانت علاقته متوترة مع بعض الزعماء الذين اتهمهم بتغذية الانقسام والاستثمار في إشعال القتال، وكان القذافي في مقدمتهم.
في هذا الإطار، يتحدث عبد الهادي محفوظ عن "طروحات لمعمر القذافي كانت تذهب بعيدًا في مقاربة الحرب اللبنانية"، إذ اعتبر وقتذاك أنّ "المسيحيين في لبنان امتداد للصليبية"، وذهب، بشكل أو بآخر، إلى "الدعوة لترحيلهم"، وهو طرح التقى بحسب محفوظ مع أفكار لبنانية وغير لبنانية داخل لبنان، لكنه أثار خشية الإمام موسى".
بدوره، يقول حسن الشامي، مقرر لجنة المتابعة الرسمية لقضية الإمام موسى الصدر، إن "الإمام الصدر التقى بالقذافي في طرابلس عام 1975، وكان اللقاء عاصفًا وسيّئًا".
وينقل رئيس المكتب السياسي السابق في حركة أمل حسين كنعان تفاصيل صدامٍ لفظيّ في ذلك اللقاء:
قال القذافي للصدر:
"كل أسلحة ليبيا وكل إمكانيات ليبيا تحت تصرفك يا سماحة الإمام إذا أردت قتل الموارنة في لبنان".
فردّ الصدر:
"كيف أقاتل الموارنة وأنا عندي حركة نصفها موارنة؟ أعدك بمقاتلة الانعزاليين والخونة من الموارنة".
ويضيف كنعان أن القذافي أغمض عينيه ورفع رأسه لنحو نصف دقيقة قبل أن ينتهي الاجتماع.
في عام 1978، زار موسى الصدر الجزائر والتقى الرئيس هواري بومدين، الذي عرض التوسط لترتيب لقاء مصالحة بينه وبين القذافي.
وتقول رباب الصدر، شقيقة الإمام، إنه التقى في تلك الفترة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، الذي نصحه بعدم التوجه إلى ليبيا.
صباح 25 أغسطس/ آب من العام 1978، وصل الصدر ورفيقاه إلى طرابلس. نُقلوا إلى فندق الشاطئ، حيث أقاموا بانتظار موعد مقابلة القذافي. غير أن الموعد تأخر.
الرحلة الأخيرة لموسى الصدر ورفيقيه إلى ليبيا
يقول حسن يعقوب: "كان يُفترض أن يكون اللقاء في اليوم الأول أو الثاني من قدومهم، وكانت هناك نيّة عند الإمام الصدر ألّا يبقى ليوم 1 سبتمبر/ أيلول".
لكن اللقاء لم يُعقد خلال الأيام الأولى. ووفق حسن الشامي، انتظر الصدر ورفيقاه ستة أيام في الفندق، التقى خلالها الصدر بعض أصدقائه من اللبنانيين المقيمين هناك، كما التقى القائم بالأعمال اللبناني آنذاك نزار فرحات.
وتروي رباب الصدر: "كان عندما يسافر يتصل بالمقربين منه في لبنان ويقول لهم: أنا على هذا الرقم. لكن عندما توجّه إلى ليبيا لم يتصل ولم يقل ما هو الرقم منذ اليوم الأول".
في 31 أغسطس، حضرت سيارتان من المراسم الليبية لنقل الصدر ورفيقيه إلى باب العزيزية. ويذكر حسن الشامي أن صحافيًا أردنيًا ودّعه على باب الفندق قائلًا:
"مع السلامة، سماحة الإمام".
ويضيف:
"جاء السفير اللبناني نزار فرحات بعد ساعة أو ساعتين حاملًا جواز سفر عباس بدر الدين الذي وُضعت عليه تأشيرة فرنسية من السفير الفرنسي في طرابلس. انتظر لساعات في الفندق، سأل عنهم في الاستقبال، فكان الجواب أنّهم غادروا. غادروا بمعنى لم يتركوا الفندق نهائيًا، بل في مشوار ما. لكن تبيّن أنّه تمّ إخلاء الغرف من باب خلفي من قبل المخابرات الليبية، وتمّ سحب الحقائب وجوازات السفر، وإعداد مسرحيات الترحيل إلى روما"
انقطعت أخبار الإمام موسى الصدر ورفيقيه، فعمّت المظاهرات لبنان مطالبةً بالكشف عن مصير المغيّبين. وبدا أنّ غياب الصدر سيكون له أثر بالغ السوء على الوضع في لبنان الممزّق أصلًا تحت نيران الحرب الأهلية.
ماذا جاء في الرواية الليبية عن اختفاء موسى الصدر؟
في 17 سبتمبر/ أيلول 1978، أصدرت ليبيا بيانًا قالت فيه إن الإمام موسى الصدر سافر برفقة الشيخ محمد يعقوب وغادرا البلاد بشكل مفاجئ باتجاه روما.
ويقول حسن الشامي إن "السلطات الإيطالية أجرت تحقيقًا مفصلًا في أوائل سبتمبر، مع طاقم طائرة رحلة شركة أليطاليا 881 من طرابلس إلى روما، ومع طواقم المطار وخدمات الجوازات والتفتيش، ومع طاقم فندق الهوليداي إن في روما. وثبت لديها، بقرار رسمي، أن الإمام ورفيقيه لم يدخلوا إلى روما ولم يصعدوا إلى الطائرة أصلًا".
ويضيف حسن يعقوب أن "الأشخاص الذين انتحلوا شخصية الإمام الصدر والشيخ محمد يعقوب عُرفوا، وهناك اعترافات في ليبيا بهذا الموضوع. وتوصلنا إلى من انتحل الشخصيتين مباشرة، واعترف بأنه كان ينتمي إلى المخابرات الخارجية الليبية، وكُلّف بالمهمة".
ويقول حسين كنعان إن زوجة الإمام موسى الصدر طلبت منه التوجه إلى واشنطن في اليوم الثاني أو الثالث بعد الاختفاء. ويضيف أنه عقد اجتماعات في وزارة الخارجية الأميركية، حيث قيل له: "الخبر الذي وصلنا أنه تمت تصفيتهم"، قبل أن يعودوا في اليوم التالي ويبلغوه: "ما عندنا خبر".
قصة الخلاف الأخير بين موسى الصدر ومعمر القذافي
مصير موسى الصدر بعد سقوط حكم معمر القذافي
في 23 أغسطس/ آب 2011 سقطت باب العزيزية، مقر حكم القذافي. وبعد أقل من شهرين قُتل العقيد، وانتهى حكمه الذي امتد لعقود.
ويقول حسن الشامي:
ويقول حسن يعقوب:
وفي عام 2015، اختطفت مجموعة مسلحة هنيبال القذافي، ابن معمر القذافي، بعد استدراجه من سوريا حيث كان يقيم إلى لبنان. وظهر لاحقًا في تسجيل قصير وعليه آثار اعتداء، داعيًا من أسماهم بمالكي المستندات والدلائل إلى إظهار تلك الأدلة فورًا.
وبعد أيام، احتجزته السلطات اللبنانية وحوكم بتهمة إخفاء معلومات في قضية اختفاء موسى الصدر ورفيقيه، قبل أن يتم الإفراج عنه في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.
"لو كان الإمام موسى الصدر موجودًا..."
يقول حسن الشامي: "طلبنا الاستماع إلى هنيبال القذافي كشاهد عندما تمّ توقيفه بناءً على نشرة من الإنتربول. تبيّن أنّه يعرف الكثير وأخفى القسم الآخر المهم، فتمّ الادّعاء عليه من قبل المحقق العدلي في القضية القاضي زاهر حمادة، بجرم كتم المعلومات. وتبيّن أنّه يعرف الكثير من المعلومات عن القضية، ما يثبت برأي المحقق العدلي وجود شبهة تورّط في تدخّل لاحق في جرم الخطف المستمر".
من جهتها، تعتبر رباب الصدر أنه لو كان الإمام موسى الصدر موجودًا اليوم لكان لبنان مختلفًا وكذلك إيران.
القصة الكاملة لاختفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه في ليبيا والروايات عن اللقاء الذي سبق الاختفاء مع معمر القذافي في الحلقة المرفقة من برنامج "مختفون".