لماذا تبدو الشخصيات الخيالية كأنها أشخاص عرفناهم؟
نعرف أن الشخصية التي نتابعها في مسلسل أو رواية لا تعيش خارج القصة، ومع ذلك قد نتحدث عنها كما لو كانت شخصًا نعرفه فعلًا. نتوقع كيف ستتصرف، ننزعج من قراراتها، نشتاق إليها بعد انتهاء العمل، وقد نحزن حين تموت أو تختفي. لا يعني ذلك أن الدماغ فقد القدرة على التمييز بين الخيال والواقع، بل إن القصص تستخدم جزءًا من الأدوات النفسية والاجتماعية نفسها التي نستخدمها لفهم الأشخاص الحقيقيين.
هذه الخبرة اليومية لها أكثر من اسم في علم النفس. فهناك "التماهي" مع الشخصية، حين نرى الأحداث من منظورها ونتخيل أفكارها ومشاعرها كما لو أننا داخل تجربتها، وهناك "العلاقة شبه الاجتماعية" التي تنشأ عندما تتطور لدينا ألفة عاطفية من طرف واحد مع شخصية إعلامية أو خيالية. ويعرّف قاموس الجمعية الأميركية لعلم النفس العلاقة شبه الاجتماعية بأنها رابطة عاطفية أحادية الطرف قد تتضمن شعورًا بالألفة والثقة والقرب، رغم غياب التطور المتبادل الذي يميز العلاقات الاجتماعية الفعلية.
فكيف تتحول شخصية مكتوبة أو ممثلة على الشاشة إلى حضور يبدو مألوفًا إلى هذا الحد؟
الألفة تبدأ من التكرار
في الحياة اليومية، نتعرف إلى الأشخاص عبر تراكم التفاصيل: طريقة الكلام، العادات، ردود الفعل، نقاط القوة والضعف. القصص الطويلة تفعل شيئًا مشابهًا. فالشخصية التي تظهر في عشرات الحلقات أو مئات الصفحات تمنحنا وقتًا كافيًا لبناء نموذج ذهني عنها. مع الوقت، لا نحتاج إلى أن تشرح القصة كل قرار.
نبدأ نحن بتوقع ما يمكن أن تقوله الشخصية أو ترفضه أو تخشاه. وحين ينسجم سلوكها مع توقعاتنا، يتعزز إحساسنا بأننا "نعرفها"، تمامًا كما يحدث عندما نكوّن صورة مستقرة عن شخص نلتقيه باستمرار.
لكن التكرار وحده لا يكفي. الشخصيات تصبح أقرب عندما نُمنح وصولًا إلى دواخلها: أفكارها، مخاوفها، ذكرياتها وأسباب قراراتها. الرواية تستطيع أن تضع القارئ مباشرة داخل ذهن الشخصية، بينما يستخدم التلفزيون والسينما الأداء والصوت والموسيقى واللقطات القريبة والسرد لتقريب المشاعر والأفكار.
التماهي ليس هو العلاقة شبه الاجتماعية
قد يتداخل المفهومان، لكنهما ليسا الشيء نفسه. التماهي يعني أن يختبر المتلقي جزءًا من القصة من داخل منظور الشخصية، فيتخيل نفسه في مكانها أو يرى الأحداث بعينيها. أما العلاقة شبه الاجتماعية فتعني أن يشعر المتلقي بعلاقة تجاه الشخصية، كما لو أنها شخص مألوف أو قريب منه.
دراسة عن التماهي مع الشخصيات الخيالية وصفت التجربة بأنها شعور مؤقت بالانتقال إلى أفكار الشخصية ومشاعرها ومواقفها، وربطت الميل الأقوى إلى هذه الخبرة بعمليات مثل التخيل والتعاطف وفهم الحالات الذهنية للآخرين.
وقد نتماهى مع شخصية لا نحبها، لأن القصة تجعلنا نرى العالم من داخل منطقها. وفي المقابل، يمكن أن نحب شخصية ونشعر بالقرب منها من دون أن نتخيل أنفسنا مكانها. لهذا تفسر القصص علاقتنا بالشخصيات عبر أكثر من مسار نفسي في الوقت نفسه.
ماذا يحدث عندما تقترب الشخصية من صورة الذات؟
في دراسة تصوير دماغي نُشرت عام 2021، طُلب من 19 من محبي مسلسل "Game of Thrones" التفكير في صفاتهم الشخصية وصفات أصدقاء حقيقيين وتسع شخصيات من المسلسل.
ووجد الباحثون أن المشاركين الذين سجلوا مستويات أعلى في الميل إلى التماهي مع الشخصيات أظهروا قدرًا أكبر من التشابه في نشاط منطقة من قشرة الفص الجبهي الإنسي عند التفكير في الذات والشخصيات الخيالية، وكان الارتباط أوضح مع الشخصية التي شعر المشارك بأنه أقرب إليها.
هذه النتيجة لا تعني أن الدماغ يتعامل مع الشخصية الخيالية كما لو كانت شخصًا حقيقيًا، ولا أن المتلقي ينسى الفرق بينه وبينها. الدراسة صغيرة وتصف ارتباطًا، لا علاقة سببية. لكنها تقدم مؤشرًا على أن التماهي القوي يمكن أن يجعل المعرفة المتعلقة بشخصية محبوبة تقترب، في بعض جوانب المعالجة الذهنية، من طريقة الوصول إلى المعرفة المتعلقة بالذات.
الدماغ يعرف أن الخيال خيال
القرب العاطفي لا يلغي التمييز بين الواقع والخيال. دراسات تصوير دماغي حاولت مقارنة معالجة الأشخاص الحقيقيين والشخصيات الخيالية، ووجدت أن هناك فروقًا في الطريقة التي يمثل بها الدماغ الفئتين.
وفي دراسة لاحقة، ظهر حد عصبي يمكن تمييزه بين تمثيلات الأشخاص الحقيقيين والشخصيات الخيالية في قشرة الفص الجبهي الإنسي.
لكن هذا الحد كان أقل وضوحًا لدى المشاركين الأكثر شعورًا بالوحدة، وهو ما دفع الباحثين إلى اقتراح أن بعض الأشخاص قد يستخدمون الشخصيات الخيالية جزئيًا لتلبية حاجات تتعلق بالانتماء.
مرة أخرى، لا تعني هذه النتيجة أن الوحدة تجعل الإنسان "يخلط" الخيال بالواقع. الأصح أنها تشير إلى أن أهمية الشخصيات الخيالية في عالمنا الاجتماعي الداخلي تختلف من شخص إلى آخر.
لماذا نحزن عندما تنتهي الحكاية؟
وعندما نتابع شخصية لفترة طويلة، لا نخزن معلومات عنها فقط. ترتبط بها أوقات ومراحل من حياتنا: مسلسل شاهدناه في الجامعة، رواية قرأناها خلال سفر، أو شخصية رافقتنا لسنوات عبر مواسم متتالية. لذلك تصبح العودة إليها أحيانًا عودة إلى جزء من ذاكرتنا الشخصية أيضًا.
وهنا تتقاطع الألفة مع الاستثمار السردي. لقد أمضينا وقتًا في توقع مصير الشخصية وفهم علاقاتها ومراقبة تحولاتها. حين تختفي فجأة، يتوقف مسار ذهني وعاطفي كنا نعود إليه باستمرار. وقد يكون الحزن على نهاية الشخصية، في جزء منه، حزنًا على نهاية العلاقة التي بنيناها معها وعلى العالم الذي كانت تفتح لنا بابه.
ونحن لا نحزن لأننا نعتقد أن الشخصية كانت موجودة فعلًا، بل لأن التجربة التي عشناها معها كانت حقيقية من جهة المشاعر والوقت والذاكرة.
أشخاص لم نلتقهم.. لكننا تدربنا على معرفتهم
ربما لهذا تبدو بعض الشخصيات الخيالية بعد سنوات كأنها أشخاص عرفناهم. لقد شاهدناها في مواقف كثيرة، وعرفنا أسرارًا لا نعرفها عن بعض معارفنا، ودخلنا إلى أفكارها بطريقة لا تتيحها العلاقات الواقعية عادة.
والخيال يمنحنا امتيازًا غريبًا: معرفة شخص من الداخل من دون أن يكون موجودًا أصلًا. والدماغ، مع احتفاظه بالفرق بين الحقيقي والمتخيل، يستخدم لفهم هذه الشخصية أدوات مألوفة من عالمنا الاجتماعي، من التخيل والتعاطف إلى التوقع وبناء الذاكرة.
لذلك، حين نقول عن بطل رواية أو مسلسل إنه "شخص نعرفه"، فنحن لا نصف حقيقة وجوده. نحن نصف حجم المساحة التي شغلها داخل خبرتنا، وهي مساحة قد تكون خيالية في مصدرها، لكنها حقيقية في أثرها علينا.