Skip to main content

لماذا تجذبنا أصوات النقر والفرقعة والقرمشة؟

الإثنين 17 أغسطس 2026
تجربة الطعام متعددة الحواس: شكله ورائحته وملمسه وصوته كلها تساهم في الحكم عليه - غيتي

قد نضغط زر القلم مرة بعد أخرى من دون حاجة، أو نفرقع فقاعات الغلاف البلاستيكي واحدة تلو الأخرى، أو نفضّل لوحة مفاتيح لأن أزرارها تصدر نقرة واضحة. وفي الطعام، قد تكون قرمشة قطعة خبز أو رقائق بطاطا جزءًا من المتعة بقدر الطعم نفسه.

هذه أصوات صغيرة جدًا، لا تحمل لحنًا ولا رسالة، ومع ذلك أصبح لبعضها جمهور واسع على الإنترنت: نقر على الخشب والزجاج، وتقطيع وسحق، وأصوات تغليف، وتسجيلات تضع الميكروفون قريبًا من الطعام حتى نسمع كل كسرة وقرمشة.

لكن لماذا تبدو بعض هذه الأصوات "مرضية" إلى هذا الحد؟

الإجابة ليست واحدة. فالنقر الذي نصنعه بأصابعنا، والقرمشة التي نسمعها أثناء الأكل، وأصوات مقاطع ASMR، لا تعمل بالضرورة بالطريقة نفسها. لكن بينها نقاط التقاء تساعد في تفسير انجذابنا إلى أصوات قصيرة وواضحة كهذه.

الصوت يقول لنا: لقد حدث شيء

حين نضغط زرًا فتأتي النقرة فورًا، لا نستقبل صوتًا فقط. نحن نربط بين فعل قمنا به ونتيجة حدثت بعده.

ويدرس علم النفس العصبي ما يعرف بـ"الإحساس بالفاعلية" أو Sense of Agency، أي الشعور بأن أفعالنا هي التي أحدثت النتائج التي نراها أو نسمعها. وتبيّن تجارب تعتمد على ضغط زر يعقبه صوت أو حدث بصري أن التوقيت والعلاقة الواضحة بين الفعل والنتيجة يؤثران في هذا الإحساس بالسيطرة.

في دراسة عن العلاقة بين التوقيت والإحساس بالفاعلية، طُلب من المشاركين الضغط على زر ينتج عنه حدث حسي، ووجد الباحثون ارتباطًا بين النافذة الزمنية التي يربط خلالها الدماغ الأحداث ببعضها وبين مدى شعور الشخص بأن النتيجة صدرت عن فعله.

وهذا لا يثبت أن النقرة تصبح ممتعة لهذا السبب، لكنه يفسر لماذا يكون الصوت الناتج مباشرة من الحركة تغذية راجعة واضحة للفعل.

لهذا تبدو نقرة زر أو مفتاح أكثر من مجرد ضوضاء صغيرة: إنها تخبرنا فورًا أن الضغط تم، وأن الآلية استجابت. ولعل هذا أحد أسباب حرص مصممي كثير من الأزرار والمفاتيح والأجهزة على ألا يكون التفاعل صامتًا تمامًا؛ فالصوت يستطيع أن يؤدي وظيفة "التأكيد" حتى عندما لا ننظر.

نحن لا نسمع أصواتنا مثل بقية الأصوات

وهناك فرق آخر بين نقرة تحدث عشوائيًا في الغرفة، ونقرة نصنعها نحن. ويدرس علماء الأعصاب منذ سنوات كيفية تعامل الدماغ مع النتائج الحسية التي تنتج عن حركاتنا.

وتشير مراجعات للأبحاث في المجال السمعي إلى ظاهرة تعرف باسم التخفيف الحسي، إذ قد تختلف استجابة الدماغ أو إدراك شدة بعض الأصوات عندما يكون الشخص هو الذي تسبب فيها مقارنة بسماع الصوت نفسه من مصدر خارجي.

قد نضغط زر القلم مرة بعد أخرى من دون حاجة- غيتي
الحركة والتوقع والصوت تدخل في تجربة واحدة عندما نصنع النقرة أو الفرقعة بأنفسنا - غيتي

والفكرة الأساسية أن الجهاز الحركي يستطيع توقع جزء من النتيجة الحسية للفعل قبل حدوثها. لذلك لا يصل الصوت الناتج عن حركتنا إلى الدماغ باعتباره حدثًا مفاجئًا تمامًا. 

وتوضح مراجعة منشورة في Frontiers in Human Neuroscience أن نتائج الدراسات ليست متطابقة دائمًا، وأن حجم هذا التأثير وطبيعته يعتمدان على ظروف التجربة وشدة الصوت وطريقة قياسه.

لذلك لا يمكن القفز من هذه الظاهرة إلى القول إن "الأصوات التي نصنعها ممتعة لأنها تنشّط نظام المكافأة"، وهي عبارة شائعة لا تسندها هذه الدراسات مباشرة.

ما نستطيع قوله بثقة أكبر هو أن الحركة والتوقع والصوت تدخل في تجربة واحدة عندما نصنع النقرة أو الفرقعة بأنفسنا.

الأذن تشارك في الحكم

تصبح الصورة أوضح كثيرًا عندما نصل إلى الطعام. ونميل عادة إلى التفكير في المذاق باعتباره شأنًا يخص اللسان والأنف، لكن تجربة الطعام متعددة الحواس: شكله ورائحته وملمسه وصوته كلها تساهم في الحكم عليه.

وأظهرت واحدة من أشهر التجارب في هذا المجال، أن تغيير الصوت وحده يستطيع تغيير الطريقة التي نصف بها الطعام.

وفي دراسة نشرها الباحثان ماسيميليانو زامبيني وتشارلز سبنس عام 2004، تناول المشاركون رقائق بطاطا بينما كانوا يسمعون صوت العض عبر سماعات رأس.

غيّر الباحثان مستوى الصوت وبعض تردداته من دون تغيير الرقائق نفسها. وعندما أصبح صوت القرمشة أعلى وتعززت بعض الترددات المرتفعة، حكم المشاركون على الرقائق بأنها أكثر قرمشة وطزاجة.

هكذا، حين نسمع قشرة خبز تنكسر أو تفاحة تُعض، لا يضيف الصوت مؤثرًا جانبيًا إلى الطعام فحسب. إنه يقدم معلومة عن هشاشته وملمسه وحالته. كما أن الأذن تشارك في الحكم الذي نسميه عادة "القرمشة". ولهذا تستطيع مشاهدة شخص يكسر قطعة مقرمشة أن تجعلنا نتوقع ملمسها قبل أن نتذوقها أصلًا.

الصوت الممتع قد يصبح مزعجًا جدًا

الأغرب أن بعض الأصوات التي تتصدر مقاطع "الأصوات المرضية" تظهر أيضًا في الاتجاه المعاكس تمامًا.

فالأكل والمضغ والنقر على القلم والكتابة على لوحة المفاتيح وحركات الأصابع كلها وردت ضمن المحفزات، التي قد تسبب استجابات سلبية لدى أشخاص يعانون الميسوفونيا، وهي انخفاض شديد في تحمل أصوات محددة.

وفي تعريف توافقي وضعه فريق دولي من الباحثين عام 2022، شدد الخبراء على أن المشكلة لا ترتبط بالضرورة بعلو الصوت، وإنما بنمطه ومعناه بالنسبة إلى الشخص. كما أشاروا إلى أن شدة الاستجابة يمكن أن تتغير بحسب السياق، والشخص الذي يصدر الصوت، ودرجة السيطرة التي يشعر بها المستمع عليه.

وتفيد الورقة بأن الأصوات التي يصنعها الشخص بنفسه لا تثير عادة الاستجابة السلبية نفسها، التي قد تثيرها الأصوات الصادرة عن الآخرين. لذلك قد تبدو قرمشة قطعة نأكلها بأنفسنا ممتعة، بينما يصبح سماع شخص آخر يمضغ في غرفة هادئة شديد الإزعاج.

الصوت متشابه، لكن التجربة ليست كذلك.

متعة صغيرة وواضحة

ولا يبدو إذن أن هناك "زرًا واحدًا" في الدماغ يجعلنا نحب النقر والفرقعة والقرمشة.

أحيانًا يكون الصوت نتيجة فورية لفعل قمنا به. وأحيانًا يقدم معلومة حسية مهمة، كما يحدث مع قرمشة الطعام، ولدى بعض الأشخاص يدخل ضمن محفزات ASMR التي ترتبط فعلًا بتغيرات عاطفية وفسيولوجية قابلة للقياس. وعند آخرين، يمكن للصوت نفسه أن يكون مزعجًا بدلًا من أن يكون مريحًا.

وربما لهذا يصعب تفسير جاذبية فرقعة غلاف بلاستيكي بجملة واحدة. ما نملكه هو سلسلة من اللحظات الصغيرة شديدة الوضوح: نضغط فتأتي النقرة، نكسر فتحدث الفرقعة، نعض فنسمع القرمشة. حركة قصيرة، ونتيجة فورية يمكن سماعها

وفي يوم تمتلئ فيه أفعال كثيرة بنتائج لا تظهر فورًا، قد تكون هذه البساطة وحدها جزءًا من المتعة.

المصادر:
موقع التلفزيون العربي
شارك القصة