الثلاثاء 6 أكتوبر / أكتوبر 2026
Close

لماذا ضربت ناغازاكي بعد ثلاثة أيام من هيروشيما؟

لماذا ضربت ناغازاكي بعد ثلاثة أيام من هيروشيما؟ محدث 01 سبتمبر 2026

شارك القصة

لم يكن استخدام قنبلة ثانية يحتاج وفق الأوامر العسكرية آنذاك إلى قرار جديد بعد هيروشيما - غيتي
لم يكن استخدام قنبلة ثانية يحتاج وفق الأوامر العسكرية آنذاك إلى قرار جديد بعد هيروشيما - غيتي
لم يكن استخدام قنبلة ثانية يحتاج وفق الأوامر العسكرية آنذاك إلى قرار جديد بعد هيروشيما - غيتي
الخط
المفارقة في قصة ناغازاكي أن المدينة التي ارتبط اسمها بالعصر النووي لم تكن الهدف الأول في ذلك الصباح، بل كانت كوكورا في مقدمة الخطة.

لم تمر سوى ثلاثة أيام بين القنبلتين الذريتين اللتين أُلقيتا على هيروشيما وناغازاكي في أغسطس/ آب 1945، وهو فاصل قصير قد يبدو وكأن الولايات المتحدة انتظرت لترى أثر القنبلة الأولى، ثم اتخذت قرارًا جديدًا بضرب مدينة ثانية.

لكن تسلسل القرارات والوثائق العسكرية يكشف صورة مختلفة: استخدام قنابل إضافية كان مصرحًا به أصلًا، والقنبلة الثانية كانت قيد التجهيز قبل هيروشيما، فيما حسم الطقس موعد المهمة وحددت السحب المدينة التي ستتلقى الضربة.

في الذكرى الـ81 لقصف ناغازاكي، تعيد المدينة إحياء لحظة 11:02 صباحًا التي انفجرت عندها القنبلة فوقها في 9 أغسطس/ آب 1945، ضمن مراسم السلام السنوية.

لكن السؤال الذي بقي حاضرًا منذ نهاية الحرب هو لماذا استُخدمت القنبلة الثانية بهذه السرعة، ولماذا كانت ناغازاكي تحديدًا هي المدينة التي انتهى إليها مسار المهمة؟

قرار سبق قصف هيروشيما

لم يكن استخدام قنبلة ذرية ثانية يحتاج، وفق الأوامر العسكرية الأميركية القائمة آنذاك، إلى قرار رئاسي جديد بعد هيروشيما.

ففي 25 يوليو/ تموز 1945 صدر أمر إلى القوات الجوية الإستراتيجية باستخدام أول قنبلة عندما يسمح الطقس بعد نحو 3 أغسطس، واستخدام القنابل الإضافية حين تصبح جاهزة، وحدد هيروشيما وكوكورا ونيغاتا وناغازاكي ضمن قائمة الأهداف، ما يعني أن المسار العملياتي للقنبلة الثانية كان قد بدأ قبل أن تسقط القنبلة الأولى.

وكانت قنبلة البلوتونيوم المعروفة باسم "فات مان" مقررة أصلًا لمهمة لاحقة، لكن فرق مشروع مانهاتن سرعت تجهيزها، فيما أظهرت التوقعات الجوية أن 9 أغسطس سيوفر نافذة أفضل قبل عدة أيام من الطقس السيئ، فتقدم موعد المهمة.

لذلك، لم تكن الأيام الثلاثة فترة اختبار سياسي بين ضربة وأخرى، بل كان هناك قرار عام باستخدام السلاح، وقنبلة ثانية تقترب من الجهوزية، وجدول عسكري يتعامل مع الطقس خلال حرب لم تكن اليابان قد أعلنت الاستسلام فيها بعد.

ناغازاكي لم تكن الهدف الأول

حتى صباح 9 أغسطس، لم تكن ناغازاكي الوجهة الأساسية للطائرة "بوكسكار" التي حملت "فات مان" من جزيرة تينيان. كان الهدف الأول هو كوكورا، حيث تقع منشآت عسكرية وصناعية كبيرة.

أقلعت الطائرة فجرًا وهي تعاني أصلًا من مشكلة في منظومة الوقود، جعلت جزءًا من الاحتياطي غير قابل للاستخدام.

عندما وصلت إلى كوكورا، حجب الدخان والغيوم نقطة التصويب، فنفذت الطائرة عدة محاولات من دون أن تتمكن من تنفيذ قصف بصري وفق الخطة، ومع تراجع الوقود اتُخذ القرار بالتوجه إلى الهدف البديل: ناغازاكي.

قنبلة فات مان
قنبلة فات مان التي ألقيت فوق مدينة ناكازاكي- غيتي
قنبلة "فات مان" التي ألقيت فوق مدينة ناغازاكي - غيتي

وهناك كانت السحب كثيفة أيضًا، قبل أن تنفتح فجوة قصيرة أتاحت للطاقم رؤية جزء من المدينة وإسقاط القنبلة، حيث انفجرت "فات مان" في الساعة 11:02 صباحًا بالتوقيت المحلي، على ارتفاع يقارب 500 متر فوق المدينة.

بهذا المعنى، كانت ناغازاكي مدرجة مسبقًا ضمن قائمة الأهداف، لكنها لم تكن المدينة التي خرجت المهمة صباح ذلك اليوم لضربها أولًا. الطقس فوق كوكورا، ونقص الوقود، والقرار بعدم العودة بالقنبلة نقلت الضربة إلى الهدف الاحتياطي.

لماذا لم تنتظر واشنطن أكثر؟

تكشف سرعة المهمة الثانية أيضًا طبيعة التفكير العسكري في الأيام الأخيرة من الحرب. إعلان بوتسدام الصادر في 26 يوليو، طالب اليابان بالاستسلام وحذر من دمار واسع إذا استمرت الحرب.

وبعد هيروشيما، لم تصل إلى الحلفاء موافقة يابانية على شروط الاستسلام قبل انطلاق مهمة 9 أغسطس.

وبينما كان جزء من القيادة اليابانية يبحث عن مخرج للحرب، كانت أطراف عسكرية نافذة لا تزال تراهن على إيقاع خسائر كبيرة في أي غزو للحلفاء من أجل تحسين شروط التسوية.

قنبلة ناكازكي
انفجرت "فات مان" على ارتفاع يقارب 500 متر فوق المدينة- غيتي
انفجرت "فات مان" على ارتفاع يقارب 500 متر فوق ناغازاكي - غيتي

من جهة المخططين الأميركيين، لم تكن هناك آلية تنص على انتظار أيام محددة لتقييم أثر كل قنبلة قبل استخدام التالية. فالأمر الصادر في يوليو جعل الجهوزية والطقس من المحددات المباشرة، وهو ما يفسر كيف أمكن الانتقال من هيروشيما إلى المهمة التالية خلال 72 ساعة فقط.

لكن ما جرى في تلك الساعات لم يكن ذريًا فقط، ففي 8 أغسطس أعلن الاتحاد السوفييتي الحرب على اليابان، ثم بدأت القوات السوفييتية هجومها في منشوريا.

وبذلك واجهت طوكيو، في زمن متقارب للغاية، قنبلة ذرية ثانية وانهيار الرهان على موسكو كوسيط، فضلًا عن دخول قوة كبرى جديدة الحرب ضدها.

الأسباب التي دفعت اليابان إلى الاستسلام

بعد عقود من نهاية الحرب، لا يزال المؤرخون يناقشون الوزن النسبي لكل عامل في دفع اليابان إلى الاستسلام.

وتشير السجلات الأميركية إلى أن المجلس الإمبراطوري الياباني اجتمع ليلة 9 إلى 10 أغسطس، وانقسم حول شروط الاستسلام، قبل أن يتدخل الإمبراطور هيروهيتو لمصلحة إنهاء الحرب.

وفي 10 أغسطس، قدمت اليابان عرضها بالاستسلام مع طلب الحفاظ على موقع الإمبراطور، فيما استمرت المفاوضات أيامًا أخرى قبل إعلان الاستسلام في 15 أغسطس والتوقيع الرسمي في 2 سبتمبر/ أيلول.

وفي خطابه إلى الشعب عند إعلان نهاية الحرب، أشار الإمبراطور إلى السلاح الجديد شديد التدمير، ما يجعل العامل النووي حاضرًا بوضوح في قرار الاستسلام. لكن دخول السوفييت الحرب حطم في الوقت نفسه خيارًا إستراتيجيًا كانت طوكيو تعول عليه.

ولهذا يُرجّح تاريخيًا النظر إلى الاستسلام بوصفه نتيجة ضغط متراكم تسارعت عناصره بصورة دراماتيكية خلال أيام أغسطس الأخيرة، لا نتيجة سبب منفرد يمكن عزله عن بقية الوقائع.

مدينة بديلة أصبحت رمزًا نهائيًا

المفارقة الكبرى في قصة ناغازاكي أن المدينة التي تحولت إلى أحد الاسمين الأكثر التصاقًا بالعصر النووي، لم تكن الهدف الأول لذلك الصباح. كانت كوكورا في مقدمة الخطة، لكن الغيوم والدخان غيرا مسار الطائرة.

بعد 81 عامًا، تبدو الأيام الثلاثة بين هيروشيما وناغازاكي أقصر من أن تحتوي كل القرارات التي غيرت العالم.

لكنها تكشف أن القنبلة الثانية لم تكن مجرد تكرار للأولى، وإنما نتيجة تداخل قرار سياسي سابق، وآلية عسكرية مستمرة، وسباق مع الطقس، وحرب كانت تدخل ساعاتها الأخيرة من دون أن يعرف أحد بعد كيف ستنتهي.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي