يموت بطل في فيلم، فنمسح دموعنا. يلتقي شخصان بعد فراق طويل، فنشعر بعقدة في الحلق. نصل إلى الصفحة الأخيرة من رواية، فنغلق الكتاب لحظة قبل أن نعود إلى يومنا العادي.
نحن نعرف تمامًا ما يحدث. الممثل لم يمت، والشخصية ربما لم توجد أصلًا، والكاتب هو من قرر أن يفترق الحبيبان أو يلتقيا. قد نعرف النهاية مسبقًا، وقد نكون شاهدنا المشهد نفسه أكثر من مرة، ومع ذلك تأتي الدموع كأن شيئًا ما حدث فعلًا.
كيف يستطيع حدث نعرف أنه مختلق أن يُنتج شعورًا حقيقيًا؟
نعرف أنها قصة.. ولا يتوقف الشعور
وهذا السؤال ليس جديدًا. في الفلسفة يُعرف باسم "مفارقة الخيال": كيف نشعر بالحزن أو الخوف أو الشفقة تجاه شخصيات وأحداث نعرف أنها غير حقيقية؟ وتعرض موسوعة ستانفورد للفلسفة النقاش الذي أثاره الفيلسوف كولين رادفورد منذ سبعينيات القرن الماضي حول هذه المفارقة.
قد يبدو التفسير الأول أننا "ننسى" أن ما نشاهده خيالي، لكن هذا لا يحدث عادة. من يبكي على وفاة شخصية في مسلسل لا يتصل بالإسعاف، ومن يخاف من وحش في فيلم يعرف أنه يستطيع إغلاق الشاشة والمغادرة بأمان.
ومعرفتنا بأن القصة خيالية تبقى موجودة. ما يحدث هو أن هذه المعرفة لا تكفي وحدها لإيقاف كل الاستجابات التي تثيرها القصة.
وقد وجدت دراسة نُشرت في "Acta Psychologica"، أن تقديم مشاهد مؤثرة على أنها خيالية يمكن أن يخفف الحزن والقلق مقارنة بتقديمها على أنها حقيقية، لكنه لا يلغي الاستجابة العاطفية. كما ظهر أن ارتباط المشهد بذكريات شخصية يمكن أن يؤثر في هذه الاستجابة.
عندما ندخل القصة بدل أن ننظر إليها
وهناك فرق بين أن نعرف ماذا حدث لشخصية وبين أن نمضي معها وقتًا كافيًا حتى يصبح ما يحدث لها مهمًا بالنسبة إلينا.
قد يخبرنا أحدهم في جملة واحدة أن بطل فيلم يفقد والده في النهاية، فلا نشعر بشيء تقريبًا. لكن إذا قضينا ساعتين نتعرف إلى العلاقة بينهما، وخلافاتهما وذكرياتهما وما لم يستطيعا قوله لبعضهما، تحمل لحظة الفقد وزنًا مختلفًا.
وفي علم النفس السردي يُستخدم مفهوم "الانتقال السردي" أو Narrative Transportation لوصف حالة الانغماس في عالم القصة، حين يتركز الانتباه فيها وتترافق المتابعة مع الصور الذهنية والانفعال.
وفي دراسة كلاسيكية للباحثين ميلاني غرين وتيموثي بروك، وُصف هذا الانغماس بأنه يجمع الانتباه والصور الذهنية والتأثر العاطفي. كما وجدت الدراسة أن مجرد تقديم القصة على أنها "حقيقة" أو "خيال" لم يكن كافيًا عمومًا لمنع الانغماس فيها.
وهذا يساعد على فهم سبب قدرة قصة نعرف أنها مختلقة على تحريكنا. نحن لا نصدق بالضرورة أنها حدثت، لكننا نمنحها انتباهًا ونبني داخل أذهاننا عالمها وعلاقاتها وتوقعاتها.
الشخصية لا تحتاج إلى أن تكون حقيقية كي نهتم بما يحدث لها
وخلال مسلسل طويل أو رواية، تتراكم معرفتنا بالشخصية. نعرف ما تخشاه، وما تريده، ومن تحب، وما الذي تنتظره. وبعد عشرات المشاهد قد نستطيع تقريبًا توقع الطريقة التي ستتصرف بها.
لا يعني ذلك أننا نخلط بينها وبين إنسان حقيقي. فنحن نعرف باستمرار أنها شخصية مكتوبة أو مؤداة. لكن القصة تعطينا ما يكفي من المعلومات لكي نفهم دوافعها ونترقب مصيرها.
وهنا تكمن إحدى غرائب الخيال: يمكننا أن نهتم بما سيحدث لشخص نعرف أنه غير موجود.
ليست هناك إجابة علمية أو فلسفية واحدة متفق عليها لتفسير ذلك. بعض التفسيرات تركز على الخيال والمحاكاة الذهنية، وبعضها على التعاطف، وبعضها يرى أن الشعور نفسه يمكن أن يكون حقيقيًا حتى إذا لم يكن موضوعه موجودًا في الواقع. وهذا الاختلاف تحديدًا هو ما أبقى "مفارقة الخيال" موضوعًا للنقاش.
أحيانًا لا نبكي على الشخصية وحدها
وقد يحرّك المشهد أيضًا شيئًا جاء من حياتنا نحن. وفاة أم في فيلم قد تستدعي ذكرى فقد قديم. رحيل ابن عن البيت قد يعيد شخصًا إلى اليوم الذي غادر فيه مدينته. ومصالحة متأخرة قد تذكر آخر بكلام كان يتمنى لو قاله لشخص لم يعد موجودًا.
ليس ضروريًا أن تتطابق القصة مع التجربة الشخصية. يكفي أحيانًا أن تلمس شعورًا نعرفه: الفراق، أو الندم، أو الوحدة، أو الخوف من فقدان شخص، أو الراحة بعد انتظار طويل.
وهذا الجانب ظهر أيضًا في الأبحاث. فقد أشارت دراسة "مفارقة الخيال" إلى أن الصلة الشخصية والذكريات الذاتية التي يستثيرها المشهد يمكن أن تؤثر في مقدار ما تخففه معرفة أن الحدث خيالي من الاستجابة العاطفية.
لذلك قد يجلس شخصان أمام المشهد نفسه، فيبكي أحدهما بينما لا يفهم الآخر سر كل هذا التأثر. الفيلم واحد، لكن الأشياء التي يوقظها داخل كل منهما ليست واحدة.
الخيال يخفف المسافة.. لكنه لا يلغيها
في المقابل، معرفتنا بأن ما نشاهده خيالي ليست بلا أثر. وفي دراسة أخرى نُشرت في "Cognitive, Affective, & Behavioral Neuroscience"، شاهد المشاركون صورًا سلبية قُدمت لهم مرة على أنها حقيقية ومرة على أنها خيالية. عندما اعتقدوا أنها خيالية، وصفوها بأنها أقل شدة وسلبية، وظهرت فروق كذلك في بعض الاستجابات الجسدية والدماغية التي قاسها الباحثون.
أي أن الأمر ليس أن العقل يعامل الحقيقة والخيال بالطريقة نفسها.
الأقرب إلى نتائج هذه الدراسات هو أن المعرفة بالخيال تضبط الاستجابة ولا تطفئها. نحن نحتفظ بمسافة آمنة عن الحدث، لكن هذه المسافة لا تمنع الحزن أو الخوف أو الفرح من الظهور. وربما لهذا أيضًا نستطيع الاستمتاع بقصص تحتوي على تجارب لا نرغب إطلاقًا في خوضها في الواقع.
ولماذا نبكي إذا كنا نعرف النهاية؟
تزداد المفارقة عندما نشاهد الفيلم مرة ثانية.
لم تعد هناك مفاجأة. نحن نعرف من سيموت، ومن سيغادر، وما الجملة التي ستقال قبل الوداع. ومع ذلك قد نجد أنفسنا نتأثر في اللحظة نفسها.
لأن المفاجأة ليست العنصر الوحيد في المشاعر. أحيانًا تصبح معرفتنا بما سيحدث جزءًا من التجربة نفسها. ننتبه أكثر إلى الجملة الأخيرة، أو النظرة التي لم نلحظ أهميتها في المرة الأولى، أو اللحظة العادية التي نعرف الآن أنها تسبق الفقد.
الأمر يشبه أغنية نعرف كلماتها كاملة، لكنها تظل قادرة على إثارة شعور مألوف. نحن لا نعود إليها لمعرفة ماذا سيحدث، وإنما أحيانًا لكي نشعر مجددًا بما نعرف أنها تجعلنا نشعر به.
ليست كل دموع الخيال دموع حزن
وقد نبكي أيضًا عندما يحدث شيء جميل. نهاية انتظار طويل، أو مصالحة، أو نجاة، أو عودة شخص، أو انتصار شخصية بعد سلسلة من الإخفاقات. أحيانًا تختلط الراحة بالفرح والحزن في اللحظة نفسها، فلا نجد اسمًا واضحًا لما نشعر به، بينما يجد الجسد طريقه الأسرع إلى التعبير عنه.
لذلك لا تحتاج القصة إلى مأساة كي تجعلنا نبكي. ما تحتاج إليه هو أن تمنح اللحظة معنى تراكم عبر ما سبقها.
قد تكون الجملة الأخيرة بسيطة جدًا، لكننا لا نستقبلها وحدها. نستقبل معها ساعتين من الفيلم، أو مئات الصفحات من الرواية، أو سنوات أمضيناها ونحن نتابع الشخصيات نفسها.
الحدث خيالي.. أما التجربة فليست كذلك
ربما يكون السؤال إذًا أقل غرابة مما يبدو.
نحن لا نبكي لأننا فقدنا القدرة على معرفة الفرق بين الحقيقة والخيال. الدراسات تشير إلى أننا نحتفظ بهذا الفرق، وأنه يستطيع حتى تخفيف قوة استجابتنا. لكن القصة في الوقت نفسه تستدعي انتباهًا حقيقيًا، وتخلق توقعًا حقيقيًا، وقد توقظ ذكريات حقيقية وتنتج انفعالًا نشعر به فعلًا. الشخصية ليست موجودة. الحادثة لم تقع. لكن الشيء الذي حرّكته داخلنا موجود تمامًا.