لماذا نبكي في النهائي حتى عندما لا يلعب منتخبنا؟
قد يجلس المشاهد أمام نهائي كأس العالم من دون أن يحمل جنسية أي من المنتخبين، ثم يجد نفسه متوترًا مع كل هجمة، يحتفل بهدف أحدهما، وربما يبكي عند التتويج أو الخسارة.
لا يعرف اللاعبين شخصيًا، ولم يشارك في التدريبات أو السفر أو الإصابات. مع ذلك، تبدو اللحظة قريبة كأنها تخصه. فكيف تتحول مباراة بين فريقين بعيدين عنا إلى تجربة شخصية؟
طرف به تكتمل الحكاية
يصعب على كثيرين مشاهدة المباراة النهائية بحياد كامل. قد نميل إلى المنتخب الذي لعب بصورة أجمل، أو إلى لاعب نتابعه منذ سنوات، أو إلى الطرف الذي يبدو أقل حظًا.
أحيانًا يكون الاختيار مرتبطًا بذكرى قديمة: قميص امتلكناه صغارًا، بطولة شاهدناها مع الأب، أو مدينة نحبها. وقد يكفي أن يروي البث قصة لاعب واجه إصابة أو فشلًا سابقًا حتى نبدأ بالنظر إلى النهائي من خلاله.
عندها لا نتابع 22 لاعبًا فقط، إنما نتابع قصة نريد أن نرى نهايتها.
يشعر المشجع أحيانًا بأن الفريق يمثله، حتى إن لم تربطه به علاقة مباشرة. يضم المشاهد نفسه إلى جماعة مؤقتة تشارك الألوان والهتاف والأمل.
تستخدم دراسات علم النفس مفهوم "الاندماج الهوياتي" لوصف شعور قوي بالوحدة بين الفرد والجماعة. وأظهرت أبحاث على مشجعي كرة القدم أن الانتماء إلى الفريق يمكن أن يرتبط باستجابات عاطفية وسلوكية تجاه أعضاء المجموعة نفسها.
لا يحتاج هذا الانتماء إلى أن يستمر سنوات. خلال كأس العالم، يمكن أن ينمو في أسابيع قليلة، مع كل مباراة وهدف ومؤتمر صحافي. نبدأ بقول "هذا المنتخب"، ثم ننتقل من دون أن نشعر إلى "نحن".
البطولة تتراكم داخلنا
لا تأتي دموع النهائي من المباراة وحدها. تصل بعد شهر من المتابعة، وتراكم الانتصارات والعودة في النتائج وركلات الترجيح والوداع.
يشاهد الجمهور اللاعبين في دور المجموعات، ثم يتعرف إلى عائلاتهم ومدربيهم وطقوسهم. تصبح الوجوه مألوفة، وتتحول البطولة إلى مسلسل ننتظر حلقته الأخيرة.
لهذا قد يكون الهدف في النهائي أثقل من هدف مشابه في المباراة الأولى. إنه لا يغيّر النتيجة فقط، بل يعيد ترتيب كل ما شاهدناه قبله.
تساعد الصور والأصوات في نقل المشاعر سريعًا. دموع لاعب، صرخة مدرب، صمت مدرج كامل أو احتضان أب لابنه قد يفتح الطريق إلى استجابة لم نكن نتوقعها.
لا يشترط أن نحزن على الخاسر وحده. قد نبكي مع الفائز لأن المشهد يجمع الفرح والتعب ونهاية الانتظار في لحظة واحدة.
تظهر أبحاث حديثة عن استجابات مشجعي كرة القدم أن انتصارات الفريق وهزائمه ترتبط بأنماط مختلفة من النشاط في شبكات دماغية تعالج المكافأة والتهديد والانتماء. ويزداد الأثر كلما كان ارتباط المشجع بالفريق أقوى.
لأن البطولة تنتهي
تحمل صافرة النهائي خسارة صغيرة للجميع، حتى لمن فاز فريقه. ينتهي روتين رافقنا أسابيع: المباريات اليومية، الجداول، النقاشات والتوقعات.
يشبه الأمر الانتهاء من كتاب أو مسلسل أحببناه. قد تكون النهاية سعيدة، لكننا نودع عالمًا عشنا داخله.
تذكّرنا البطولة كذلك بنسخ سابقة من حياتنا. قد يعيد نهائي جديد صورة منزل قديم أو شخص شاهدنا معه كأس العالم ولم يعد موجودًا. عندها تصبح الدموع عن المباراة وعن الزمن معًا.
تمنح الرياضة الناس فرصة للتعبير عن مشاعر قد يصعب إظهارها في الحياة اليومية. يستطيع شخص أن يصرخ ويحتضن غرباء ويبكي أمام الشاشة من دون حاجة إلى تفسير طويل.
الخسارة مؤلمة، لكنها محددة وآمنة نسبيًا. نعرف أن المباراة انتهت، وأن الحياة ستستمر، لذلك نسمح لأنفسنا بالانفعال الكامل.
ربما لهذا نبكي حتى حين لا يلعب منتخبنا. لا نحتاج دائمًا إلى امتلاك القصة كي نتأثر بها. يكفي أن نعيشها حتى النهاية.