Skip to main content

لماذا نحب الطعام الحار رغم أنه يؤلمنا؟

الثلاثاء 11 أغسطس 2026
يصعب فصل علاقتنا بالطعام الحار عن المكان الذي نشأنا فيه وما اعتدنا تناوله - غيتي

تكفي أحيانًا لقمة صغيرة من الفلفل الحار كي يشعر الإنسان بأن فمه يحترق، فتدمع عيناه ويتصبب العرق من جبينه وقد يندفع إلى كوب الماء بحثًا عن راحة سريعة.

ومع ذلك، يعود كثيرون إلى اللقمة التالية بإرادتهم، ويبحث بعضهم عن صلصة أشد حرارة أو نوع فلفل أقوى. تبدو المفارقة واضحة: لماذا نكرر تجربة يرسل فيها الجسم إشارات تشبه الألم، ثم نصفها في الوقت نفسه بأنها ممتعة؟

الإجابة تبدأ من حقيقة بسيطة: الحار ليس مذاقًا بالمعنى نفسه الذي يكون فيه الطعام حلوًا أو مالحًا أو حامضًا أو مرًا. المركب الأشهر المسؤول عن حرارة الفلفل هو الكابسيسين، وهو ينشط مستقبلًا عصبيًا يعرف باسم TRPV1، يشارك في استشعار الحرارة والمثيرات المؤلمة.

لذلك لا تخبرنا براعم التذوق وحدها بأن الطعام حار، وإنما تدخل أعصاب الإحساس الكيميائي في الفم إلى التجربةk وترسل إشارة تشبه تلك التي ترسل عند التعرض لحرارة مرتفعة. 

فمك يقول "حرارة" رغم أن الطعام لا يحرقه فعليًا

عندما يرتبط الكابسيسين بمستقبلات TRPV1 على النهايات العصبية، يبدأ الإحساس بالحرارة واللسع. وقد ترافق ذلك استجابات جسدية واضحة مثل التعرق واحمرار الوجه وسيلان الأنف أو الدموع.

لهذا فإن وصف الفلفل بأنه "يحرق" ليس مجرد مبالغة لغوية، فالجهاز العصبي يتعامل فعلًا مع المادة بوصفها مهيجًا ينشط مسارات مرتبطة بالحرارة والألم.

تظهر فروق واضحة بين الثقافات في مدى انتشار الفلفل ومستويات الحرارة المقبولة- غيتي
تظهر فروق واضحة بين الثقافات في مدى انتشار الفلفل ومستويات الحرارة المقبولة - غيتي

لكن التجربة تختلف عن وضع اليد على سطح ساخن. فدرجة حرارة الفلفل نفسها قد تكون عادية، والإنسان يعرف من خبرته أن الإحساس القوي سيهدأ بعد قليل.

هذه المعرفة تغير معنى الإشارة. يصبح هناك فارق بين أن يقول الجهاز الحسي "هذا يؤلم" وأن يقول السياق كله "هذا طعام أعرفه، وأنا أستطيع التوقف متى شئت".

من هنا تبدأ مساحة غريبة من المتعة: إحساس قوي يشبه الخطر من دون أن يحمل، في الاستخدام الغذائي المعتاد، الخطر نفسه الذي تحذر منه الإشارة العصبية.

وهذا يشبه إلى حد ما تجارب أخرى يختار فيها الإنسان توترًا أو خوفًا محسوبًا، مثل أفلام الرعب أو بعض الألعاب السريعة، لأن عنصر السيطرة يغير طريقة استقبال التجربة.

لماذا يصبح الحار أسهل مع الوقت؟

من يأكل الفلفل للمرة الأولى قد يجد كمية صغيرة منه مزعجة جدًا، بينما يستطيع شخص آخر تناول طبق شديد الحرارة بهدوء. لا يعني ذلك أن مستقبلات الثاني لا تعمل، وإنما أن الاستجابة الحسية نفسها تتأثر بالتجربة المتكررة.

وتشير مراجعات الأبحاث إلى أن التعرض المنتظم للفلفل الحار يرتبط بانخفاض الإحساس بحدة الاحتراق لدى كثير من الأشخاص، وأن التفضيل يزداد عادة مع التكرار.

بحث علماء السلوك في علاقة الميل إلى الأطعمة الحارة ببعض سمات الشخصية- غيتي
بحث علماء السلوك في علاقة الميل إلى الأطعمة الحارة ببعض سمات الشخصية - غيتي

أي أن الإنسان لا يتعلم فقط "تحمل" الحار، وإنما قد ينتقل تدريجيًا من النفور منه إلى البحث عنه. 

والتعلم هنا ليس جسديًا فقط. فالشخص الذي اختبر الحرارة مرارًا يعرف منحنى التجربة تقريبًا: تبدأ اللسعة، ترتفع، ثم تخف. يعرف أيضًا أن الحليب قد يساعد أكثر من الماء في بعض الحالات، وأن بإمكانه تقليل الكمية أو التوقف. عندما تصبح التجربة قابلة للتوقع، يفقد الألم جزءًا من عنصر المفاجأة الذي يجعله منفّرًا.

الثقافة تعلّمنا كيف نفسر الألم

ويصعب فصل علاقتنا بالطعام الحار عن المكان الذي نشأنا فيه وما اعتدنا تناوله. ففي مطابخ كثيرة حول العالم، لا يكون الفلفل إضافة اختيارية على الطبق، وإنما جزءًا من هويته ونكهته الأساسية.

الطفل الذي يتعرض تدريجيًا لهذه الأطعمة يتعلم ربط الحرارة برائحة مألوفة ووجبة عائلية وتجربة اجتماعية محببة.

وتشير الدراسات إلى أن التعرض منذ سنوات مبكرة يرتبط بزيادة احتمال تناول الأطعمة الحارة في مرحلة البلوغ.

كما تظهر فروق واضحة بين الثقافات في مدى انتشار الفلفل ومستويات الحرارة المقبولة، ما يجعل التفضيل نتيجة تفاعل بين الحساسية الفردية والبيئة والعادات، لا صفة ثابتة يولد بها الإنسان وحدها.

هذا يفسر لماذا قد يصف شخص طبقًا بأنه "لا يؤكل" بينما يراه آخر معتدلًا. فالاختلاف لا يتعلق فقط بما يفعله الكابسيسين في المستقبلات العصبية، وإنما بما تعلم الدماغ توقعه وما اعتبره عبر سنوات جزءًا طبيعيًا من الطعام.

هل نحب الحار لأننا نحب الإثارة؟

بحث علماء السلوك أيضًا في علاقة الميل إلى الأطعمة الحارة ببعض سمات الشخصية. وقد وجدت دراسات ارتباطًا بين حب الطعام الحار وما يسمى "البحث عن الإحساس"، أي الميل إلى تفضيل تجارب أكثر قوة أو إثارة. لكن هذه العلاقة ليست قاعدة تصلح للجميع، ولا تعني أن محبي الفلفل أشخاص متهورون بالضرورة. 

وفي دراسة أخرى تناول المشاركون فيها مادة تحتوي على الكابسيسين بدل الاكتفاء بسؤالهم عن تفضيلاتهم، ظهر ارتباط بين البحث عن الإحساس وبين الإعجاب بحرارة الطعام، بينما لم ترتبط كل مقاييس المخاطرة بالنتيجة نفسها.

كيف نستمتع بشيء يؤلمنا؟- غيتي
كيف نستمتع بشيء يؤلمنا؟- غيتي

وهذا يدعم فكرة أن الشخصية قد تكون عاملًا واحدًا ضمن مجموعة عوامل، إلى جانب التعرض المتكرر والثقافة والحساسية الجسدية. 

عليه، قد يستمتع بعض الناس بجانب "التحدي" في الوجبة الحارة، وقد يستمتع آخرون بالنكهة التي اعتادوها فقط، بينما يبحث فريق ثالث عن تلك اللحظة التي يصبح فيها الإحساس قويًا من دون أن يتحول إلى تجربة غير محتملة.

لماذا نعود إلى اللقمة التالية؟

ربما تكمن المتعة في أن الدماغ لا يستقبل الحار بوصفه ألمًا منفصلًا عن بقية الطعام. فالإحساس يختلط بالرائحة والملمس والملوحة والحموضة والدهون والذكريات المرتبطة بالوجبة.

بالنسبة إلى من اعتاد الفلفل، قد تبدو النكهة ناقصة إذا اختفى هذا العنصر، مثلما تبدو القهوة مختلفة لمن اعتاد مرارتها إذا أصبحت شديدة الحلاوة.

ويصبح الحار مع الوقت تجربة ذات مستويين. الجسم يطلق إشارة واضحة تقول إن هناك مهيجًا، بينما تشير الخبرة إلى أن هذا الإحساس متوقع ومؤقت وتحت السيطرة. عندما يتكرر هذا التناقض في سياق آمن ولذيذ، يمكن أن يتحول ما كان سببًا للنفور في المرة الأولى إلى جزء من المكافأة نفسها.

ولهذا لا يكون السؤال الحقيقي دائمًا: كيف نستمتع بشيء يؤلمنا؟ ربما يكون الأصح: كيف يتعلم الدماغ أن الإحساس المؤلم لا يعني في كل مرة ضرورة الهرب؟ في طبق من الفلفل، نحن لا نحب الألم وحده، وإنما نحب التجربة التي تعلمنا أن نضعه داخلها.

المصادر:
موقع التلفزيون العربي
شارك القصة