السبت 12 سبتمبر / سبتمبر 2026

لماذا نحتفظ بعلب بعض المنتجات بعد استخدامها؟

لماذا نحتفظ بعلب بعض المنتجات بعد استخدامها؟

شارك القصة

علب
لماذا تحصل بعض العلب على حياة ثانية بعد انتهاء مهمتها؟
لماذا تحصل بعض العلب على حياة ثانية بعد انتهاء مهمتها؟
الخط
ينتهي المنتج، لكن بعض علبه لا تبدو منتهية بالسهولة نفسها. وأحيانًا يكفي أن نرى في الشيء حياة ثانية محتملة كي نتردد في إنهاء حياته الأولى.

ينتهي العطر، لكن علبته تبقى في الدرج. نُخرج الهاتف من صندوقه ونستخدمه سنوات، فيما يحتلّ الصندوق رفًا لا نكاد نفتحه. علبة بسكويت معدنية تُصبح مكانًا للخيوط والأزرار، ومرطبان شمعة فارغ ينتظر منذ مدة وظيفة لم نحددها بعد.

نعرف أنّ هذه الأشياء صُنعت أساسًا لتغليف منتج آخر، وأنّ مهمتها الأصلية انتهت بعد فتحه أو استهلاكه. ومع ذلك، تبدو بعض العبوات سهلة الرمي، فيما تجعلنا أخرى نتردّد لحظة أمام سلة المهملات: ربما من الأفضل أن نحتفظ بها.

لا يتعلّق الأمر دائمًا بثمن المنتج، فقد نتخلّص من الجهاز نفسه بعد سنوات ونكتشف أن صندوقه لا يزال في الخزانة. وقد نرمي عشرات العبوات من دون تفكير، ثم نقرر الاحتفاظ بواحدة لأنها جميلة أو متينة أو "قد تنفع في شيء".

علبة لا تبدو مؤقتة

هناك تغليف يؤدي وظيفته ثم ينتهي: كيس رقيق، غلاف ورقي، أو صندوق لا يصلح لشيء. وهناك عبوات مختلفة: لها غطاء محكم، أو كرتون سميك، أو معدن متين، أو درج صغير، أو شكل جميل يجعلها أقرب إلى شيء صُمم كي لا يُرمى.

حياة ثانية للعلبة

تشير أبحاث التعلّق بالمنتجات إلى أن العلاقة التي تتكون مع الأشياء بعد اقتنائها تتأثر بعوامل من بينها المنفعة والمظهر والذكريات. أي أن جمال الشيء أو فائدته الممكنة يمكن أن يساهما أيضًا في رغبتنا في إبقائه معنا.

وهنا تبدأ العلبة في تغيير هويتها قليلًا. لم تعد مجرد غلاف لشيء آخر؛ أصبحت هي نفسها شيئًا يبدو صالحًا للاستعمال.

"قد أحتاجها لاحقًا"

يمكن أن نضع في الصندوق كابلات أو صورًا أو أوراقًا صغيرة. يمكن استخدامه لتغليف هدية، أو حفظ قطع الجهاز، أو إعادة المنتج إليه إذا أردنا نقله أو بيعه. أما المرطبان فيمكن أن يصبح وعاءً، والعلبة المعدنية صندوقًا صغيرًا للتخزين.

وتبين دراسات حديثة عن أنظمة العبوات القابلة لإعادة الاستخدام أن تصميم العبوة وطريقة التعامل معها يمكن أن يشجعا إعادة الاستخدام أو يعرقلاها. فالعبوة التي تبدو عملية وسهلة التنظيف والحفظ أقرب بطبيعتها إلى مواصلة حياتها بعد الاستخدام الأول.

قد تحتاج العلبة لاحقا

لكن الطريف أن الوظيفة الجديدة لا تحتاج دائمًا إلى أن تكون موجودة فعلًا. أحيانًا يكفي أن نستطيع تخيلها.

الاحتمال نفسه له قيمة

صندوق الهاتف الفارغ قد لا يحمل شيئًا منذ ثلاث سنوات، ومع ذلك يصعب رميه لأننا نعرف تمامًا ما يمكن أن يفعله: "قد أحتاجه إذا بعته"، أو "ربما أضع فيه الأشياء الصغيرة"، أو "قد يفيد يومًا ما".

بهذه الطريقة، لا نقارن بين علبة مفيدة وعلبة عديمة الفائدة، وإنما بين شيء لا نحتاج إليه الآن وشيء قد نحتاج إليه لاحقًا. وهذا المستقبل غير المحدد يمنح الأشياء مهلة طويلة.

فالقرار الأسهل اليوم هو إبقاء العلبة. أما رميها فيغلق جميع الاستخدامات المحتملة. وفي مقابل مساحة صغيرة تشغلها على الرف، نشتري لأنفسنا إمكانية أن نجد لها وظيفة في المستقبل. وربما تبقى سنوات دون أن يأتي ذلك المستقبل أصلًا.

ما أصبح لنا يصعب التخلي عنه

هناك أيضًا فرق بين رؤية صندوق فارغ في متجر وبين رؤية الصندوق نفسه بعدما أصبح في منزلنا.

في الاقتصاد السلوكي، تصف دراسات "أثر التملّك" كيف يمكن لامتلاك شيء أن يغيّر الطريقة التي نقوّم بها التخلي عنه. وفي التجارب الكلاسيكية التي استخدمت أكواب القهوة، طلب المالكون عادة سعرًا أعلى للتخلي عن الكوب مما كان غير المالكين مستعدين لدفعه للحصول عليه.

لا يعني هذا أن كل صندوق هاتف محفوظ في الخزانة هو نتيجة مباشرة لـ"أثر التملّك". فالعبوات حالة أكثر تعقيدًا، وقد تكون المنفعة أو الذكرى أهم بكثير.

لكن الظاهرة تشرح جزءًا مألوفًا من التجربة: الشيء بعد أن يصبح لدينا لا يكون مساويًا تمامًا للشيء قبل أن نمتلكه. لم نذهب إلى المتجر بحثًا عن العلبة، لكن بعد أن أصبحت جزءًا من أغراضنا صار التخلص منها قرارًا يحتاج إلى سبب.

أحيانًا ما يبقى ليس العلبة

بعض العبوات لا تصلح للتخزين، وليست جميلة بصورة استثنائية، ومع ذلك تبقى: علبة عطر كان هدية. صندوق أول هاتف اشتريناه من راتبنا. تغليف شيء جاء من رحلة. علبة لعبة قديمة. كيس يحمل اسم متجر لم يعد موجودًا.

هل نستخدم العلبة التي نحتفظ بها؟

في هذه الحالات، تكون قيمة الشيء قد انتقلت من وظيفته إلى ما حدث حوله.

وقد استخدم الباحث راسل بيلك مفهوم "الذات الممتدة" لوصف الطريقة التي يمكن أن تصبح بها الممتلكات جزءًا من إحساس الإنسان بهويته وذكرياته. فبعض الأشياء لتتحول إلى رابط مع أشخاص أو مراحل وتجارب سابقة.

ولهذا قد تبدو علبة معينة بلا قيمة لأي شخص آخر، فيما يعرف صاحبها فورًا لماذا لم يرمها، فهو لا يحتفظ بالكرتون وحده، بل بشيء حدث عندما كان ذلك الكرتون جديدًا.

ليس كل العبوات إذًا؟

لو كان التملك أو الذكريات كافيين، لاحتفظنا تقريبًا بكل شيء يمر بين أيدينا. لكن معظم العبوات تصل إلى سلة المهملات بلا مقاومة، وما ينجو عادة يملك سببًا إضافيًا للبقاء.

قد تكون صلابته، أو غطاءه الجيد، أو حجمه المناسب، أو جمال تصميمه، أو الإحساس بأنه مصنوع بعناية أكبر من الأشياء التي تُرمى عادة.

لماذا لا نرمي بعض علب المنتجات في سلة المهملات؟

والتصميم البصري ليس تفصيلًا محايدًا تمامًا؛ فقد وجدت دراسات في تصميم العبوات أن اللون والشكل والخصائص البصرية تستطيع التأثير في تقييم المستهلك للمنتج وحتى في تصوره لقيمته وجودته.

لذلك لا نرى كل قطعة كرتون بالطريقة نفسها. هناك عبوات تبدو منذ لحظة فتحها كأنها جزء من الشيء الذي اشتريناه، لا مجرد وسيلة أوصلته إلينا.

لكن "قد تنفع" قد تتحول إلى كومة

هناك، بالطبع، مسافة بين إعادة الاستخدام وبين التراكم. علبة حصلت على وظيفة ليست مثل عشر علب تنتظر وظيفة منذ سنوات. وفي مرحلة معينة، قد يصبح الاحتمال الذي أنقذ الصندوق من الرمي هو نفسه السبب في بقائه بلا استخدام.

"قد أحتاجها" جملة لا موعد انتهاء لها. لهذا ربما يكون السؤال الأفضل أمام درج العلب القديمة ليس: هل يمكن استخدامها؟ فالإجابة تكاد تكون نعم دائمًا.

السؤال الأصعب هو: هل نستخدمها فعلًا؟ فالعبوة التي انتهت مهمتها الأصلية تكشف جانبًا صغيرًا من علاقتنا بالأشياء. لا نقيس قيمتها بما صُنعت من أجله فقط، بل بما يمكن أن تفعله لاحقًا، وكيف تبدو، وما ارتبط بها، وبمجرد أنها أصبحت لنا.

ينتهي المنتج، لكن بعض علبه لا تبدو منتهية بالسهولة نفسها. وأحيانًا يكفي أن نرى في الشيء حياة ثانية محتملة كي نتردد في إنهاء حياته الأولى.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من