لماذا نحزن بعد انتهاء كتاب أو مسلسل أحببناه؟
تنتهي الحلقة الأخيرة، تظهر أسماء فريق العمل، ثم تعود الشاشة إلى قائمة الاقتراحات. نصل إلى الصفحة الأخيرة، نغلق الكتاب، ونضعه جانبًا. لم يتغيّر شيء في الغرفة، لكن شيئًا صغيرًا يبدو ناقصًا فجأة.
قد نبحث عن مقابلات مع الممثلين، أو نقرأ آراء الآخرين في النهاية، أو نعود إلى مشهد قديم. أحيانًا نبدأ عملًا جديدًا سريعًا، ثم نكتشف أننا نقارن كل شخصية فيه بشخصيات القصة التي انتهت.
ونعرف أن ما شاهدناه أو قرأناه خيالي، وأن أبطاله لم يكونوا جزءًا حقيقيًا من حياتنا. فلماذا يبدو وداعهم حقيقيًا إلى هذا الحد؟
لم نكن خارج القصة تمامًا
وحين نحب كتابًا أو مسلسلًا، لا نبقى متفرجين ينتظرون معرفة النهاية. ندخل تدريجيًا إلى عالمه، ونتعلم قواعده، ونحفظ أماكنه، ونتوقع ردود شخصياته.
قد نقلق قبل مواجهة نعرف أنها مكتوبة مسبقًا، أو نغضب من قرار اتخذته شخصية. أو نشعر بالراحة لمجرد العودة إلى المكان المألوف في كل حلقة. القصة خيالية، لكن المشاعر التي توقظها فينا حقيقية.
ولهذا لا تنتهي الحكاية عند حل اللغز أو معرفة مصير الأبطال فقط. ينتهي معها عالم اعتدنا دخوله، ربما لعشرين دقيقة قبل النوم أو خلال رحلة يومية أو في أمسية نهاية الأسبوع.
شخصيات أصبحت مألوفة
يزداد هذا الشعور مع المسلسلات الطويلة وسلاسل الكتب. نرى الشخصيات مرارًا، ونعرف أسرارها ومخاوفها وعلاقاتها، ونراقب كيف تتغيّر مع الوقت.
لا تعرف هذه الشخصيات شيئًا عنا، لكنها تصبح مألوفة لنا. نعرف كيف ستتصرف، ومن تحب، وما الذي تخشاه، وقد نجد أنفسنا ندافع عنها أو نلومها كما لو أننا نعرفها.
عند انتهاء العمل، لا نفقد أشخاصًا حقيقيين، لكن لقاءاتنا المتكررة بهم تتوقف. لن نعرف ماذا سيحدث لهم الأسبوع المقبل، ولن نعود إلى بيوتهم ومكاتبهم ومقاهيهم. لذلك يشبه الشعور أحيانًا وداع مجموعة اعتدنا وجودها، وإن كان وداعًا خفيفًا ومؤقتًا.
تنتهي العادة أيضًا
لا تملأ القصص خيالنا وحده، فهي تشغل مكانًا في جدولنا. هناك فصل نقرأه قبل النوم، أو حلقة ننتظرها كل أسبوع، أو مسلسل نشاهده مع شخص آخر في نهاية اليوم.
بمرور الوقت، يصبح العمل موعدًا صغيرًا. نستمتع بما نشاهده، ونفكر أيضًا في الحلقة التالية، وفي السؤال الذي بقي بلا جواب، وفي الحديث الذي سنجريه بعد المشاهدة.
عندما تنتهي القصة، تختفي هذه المساحة فجأة. لا توجد حلقة تالية، ولا صفحة نعود إليها مساءً. لذلك قد يكون الفراغ ناتجًا عن اختفاء العادة بقدر ما هو ناتج عن فراق الشخصيات.
لهذا يكون الشعور أقوى أحيانًا بعد مسلسل استمر سنوات، أو كتاب رافقنا فترة طويلة. النهاية تغلق الحكاية، وتغلق معها موعدًا أصبح جزءًا من أيامنا.
النهاية تجعل مرور الوقت مرئيًا
قد نبدأ مسلسلًا في بيت وننهيه في بيت آخر. نقرأ الجزء الأول من سلسلة خلال الدراسة، ثم نصل إلى جزئها الأخير بعد سنوات. تتغيّر الشخصيات، لكننا نكون قد تغيّرنا معها أيضًا.
ويرتبط العمل أحيانًا بمرحلة كاملة: بشخص شاهدناه معه، أو بمساءات كانت أكثر هدوءًا، أو بنسخة أقدم من أنفسنا. عندما ينتهي، تعود تلك التفاصيل للحظة.
لا يكون الحزن كله على القصة إذًا. قد نحزن قليلًا لأن مرحلة صغيرة من حياتنا أصبحت خلفنا، ولأن النهاية ذكّرتنا بأن الوقت مرّ بينما كنا نتابع ما يحدث على الشاشة أو بين الصفحات.
لماذا لا يكفي عمل جديد فورًا؟
تقترح المنصات مسلسلًا جديدًا فور انتهاء الحلقة، وتعرض المتاجر كتبًا تشبه ما قرأناه. لكن البديل السريع لا ينجح دائمًا.
ولا نبحث في تلك اللحظة عن قصة جيدة فقط، فنحن نبحث عن الألفة نفسها، والشخصيات نفسها، والشعور الذي احتاج إلى وقت طويل كي يتكوّن. لذلك قد يبدو العمل الجديد باردًا في بدايته، حتى إن كان جيدًا.
نقارن بداية علاقة جديدة بقصة اكتملت ونضجت. نحتاج أحيانًا إلى مسافة قصيرة بين العالمين: نتحدث عن النهاية، أو نعود إلى مشهد أحببناه، أو نترك الكتاب قربنا بضعة أيام قبل إعادته إلى الرف.
حزن صغير يدل على أن القصة نجحت
لا نحزن بعد كل كتاب أو مسلسل. يحدث ذلك حين يمنحنا العمل أكثر من وسيلة لتمضية الوقت: عالمًا نعود إليه، وشخصيات نفكر فيها، وتفاصيل تبقى معنا بعد النهاية.
قد يبدو غريبًا أن نشتاق إلى مكان نعرف أنه غير موجود، لكن هذه القدرة على التأثر هي ما يجعل الحكايات مهمة. ندخلها ونحن نعرف أنها خيالية، ثم نسمح لها بأن تحرّك فينا مشاعر حقيقية.
لذلك لا يعني الفراغ الذي يلي النهاية أن القصة خدعتنا. يعني غالبًا أنها منحتنا مكانًا أحببنا البقاء فيه، واحتجنا بعد إغلاق الكتاب أو الشاشة إلى لحظة صغيرة كي نغادره.