قد يكون الشيء الذي رأيناه بين الأعشاب مجرد غصن. ومع ذلك نتوقف لحظة، ننظر إليه مرة ثانية، وربما نبتعد قبل أن نتأكد مما رأينا.
هناك أشكال لا نحتاج إلى وقت طويل كي تستدعي انتباهنا، والأفعى واحدة منها. جسم طويل ملتف، حركة مفاجئة على الأرض، أو حتى صورة على شاشة قد تكون كافية لرفع مستوى التأهب قبل أن نعرف إن كان هناك خطر حقيقي أصلًا.
لهذا ظل سؤال قديم يلاحق علماء النفس: هل نخاف الأفاعي لأن البشر تعلموا عبر آلاف السنين أنها قد تكون خطرة، أم لأننا نتعلم هذا الخوف من الآخرين؟
الجواب ليس واحدًا من الاثنين تمامًا.
العين تلتقطها أولًا
في تجارب البحث البصري، يوضع أمام المشاركين عدد من الصور ويُطلب منهم العثور على صورة مختلفة بينها.
وفي كثير من هذه التجارب، ينجح البشر في اكتشاف صورة الأفعى بسرعة كبيرة مقارنة بأشياء أخرى. واللافت أن هذا الميل لا يقتصر على البالغين.
حتى الأطفال الصغار جدًا يبدون انتباهًا خاصًا لصور الأفاعي والعناكب. فهم قد ينظرون إليها بسرعة أكبر أو تتغير استجابات أجسادهم عند رؤيتها، رغم أنهم لم يعيشوا تجربة سابقة معها.
من هنا جاءت فكرة أن دماغنا قد يكون مهيأ منذ وقت مبكر لملاحظة أشكال معينة ارتبطت بالخطر خلال التاريخ التطوري للبشر.
لكن أن نلاحظ شيئًا بسرعة لا يعني بالضرورة أن نخافه. وهذه هي النقطة الأهم.
ننتبه قبل أن نخاف
الرضيع الذي يحدق طويلًا في صورة أفعى لا يعرف شيئًا عن السم أو اللدغات. ولا توجد أدلة بسيطة تقول إن الأطفال يولدون وهم يحملون خوفًا مكتملًا من الأفاعي. ما يبدو أننا نملكه في وقت مبكر هو شيء أكثر دقة: استعداد للانتباه إليها.
كأن الدماغ يقول: "راقب هذا"، لا "اهرب منه". بعد ذلك تبدأ التجربة في إعطاء هذا الانتباه معناه.
إذا رأى الطفل والده يتراجع فجأة أمام أفعى، أو سمع شخصًا يصرخ عند رؤيتها، أو لاحظ أن الكبار يتحدثون عنها دائمًا بوصفها شيئًا خطيرًا، يبدأ الربط بين الشكل والخوف.
وهكذا يمكن لانتباه بسيط أن يتحول بالتعلم إلى استجابة قوية.
يكفي أحيانًا وجه شخص آخر
ونحن لا نتعلم الخوف فقط مما يحدث لنا. نتعلمه أيضًا مما يحدث أمامنا.
فالطفل الذي يرى شخصًا بالغًا يتصرف بخوف أمام شيء ما، لا يحتاج إلى أن يختبر الخطر بنفسه حتى يبدأ في الحذر منه.
تعبيرات الوجه، ونبرة الصوت، وكلمات مثل "انتبه" أو "لا تقترب" تحمل معلومات اجتماعية سريعة عن العالم.
والأفاعي تحصل على جرعة كبيرة من هذه المعلومات.
في الحكايات والأفلام والقصص الشعبية، نادرًا ما تظهر الأفعى ككائن محايد. ظهورها غالبًا يسبق تهديدًا أو خيانة أو موتًا أو خطرًا خفيًا.
ومع الوقت قد يصبح لدينا شعور قوي تجاه حيوان لم نقترب منه يومًا.
ولهذا نعرف صورتها أكثر مما نعرفها
يعرف كثيرون شكل الأنياب أو فكرة السم، لكنهم لا يعرفون مثلًا أن معظم الأفاعي تحاول عادة تجنب البشر، أو أن العض غالبًا يحدث عندما تشعر الأفعى بأنها مهددة أو محاصرة. نعرف المشهد الدرامي أكثر مما نعرف السلوك العادي.
وهذه مشكلة متكررة في الطريقة التي يعمل بها الخوف.
والأحداث النادرة والمثيرة تترك أثرًا أكبر من الأحداث اليومية الهادئة. صورة أفعى تهاجم تبقى في الذاكرة أكثر من عشرات الصور لأفاعٍ ساكنة أو هاربة من البشر.
لذلك قد تتحول في ذهننا من حيوان يمكن أن يكون خطرًا في بعض الظروف إلى خطر دائم بمجرد ظهوره.
لكن الخوف ليس بلا سبب
الأفاعي السامة تشكل خطرًا حقيقيًا في أجزاء كثيرة من العالم، ولدغاتها تتسبب سنويًا في أعداد كبيرة من الإصابات والوفيات، خصوصًا في مناطق ريفية وزراعية يكون فيها الاحتكاك بها متكررًا والوصول إلى العلاج أكثر صعوبة.
إذًا ليست الفكرة أن خوف البشر منها وهم كامل.
المثير هو أن شدة الخوف لا تعكس دائمًا حجم الخطر الفعلي بالنسبة إلى الشخص نفسه. وقد يعيش شخص حياته كاملة في مدينة ولا يرى أفعى برية قط، ومع ذلك يكون خوفه منها أكبر من خوفه من أخطار يواجهها كل يوم.
فالدماغ لا يصنع قائمة أخطار باستخدام الإحصاءات فقط. إنه يستجيب أيضًا لما يبدو قديمًا ومفاجئًا وصعب التنبؤ.
الخوف قد يجعلنا نقترب بدل أن نبتعد
وهنا تظهر مفارقة أخرى.
عندما نرى أفعى، قد تدفع الرغبة في التخلص منها بعض الناس إلى محاولة ضربها أو الإمساك بها أو الاقتراب منها لمعرفة نوعها.
أي أن الخوف الذي يفترض أن يجعلنا نبتعد قد يدفعنا أحيانًا إلى القيام بالشيء الأخطر: الاقتراب. المعرفة تغيّر هذا السلوك.
ليس المطلوب أن نحب الأفاعي أو أن نتوقف عن الحذر منها، بل أن نعرف متى يكون الحذر منطقيًا، وأن ترك مسافة وعدم محاولة التعامل مع الحيوان مباشرة أكثر أمانًا من تحويل المواجهة إلى معركة.
إذًا.. لماذا نخافها أكثر مما نفهمها؟
لأن الخوف يستطيع أن يبدأ قبل المعرفة. عيننا مستعدة لالتقاط شكل الأفعى بسرعة، ثم تضيف التجربة ووجوه الآخرين والحكايات والأفلام طبقات أخرى من المعنى.
وبعد سنوات، قد يصبح الشعور أسبق من السؤال. نرى الأفعى أولًا، نخافها ثانيًا، ثم نفكر في ما إذا كانت خطرة أصلًا.
وربما لهذا لا تحتاج المعرفة إلى أن تلغي الخوف تمامًا. يكفي أن تعيده إلى حجمه الصحيح: تنبيه يساعدنا على الابتعاد عند الحاجة، لا حكمًا مسبقًا على كل ما يزحف أمامنا.