الأحد 6 سبتمبر / سبتمبر 2026
Close

لماذا نغيّر نبرة صوتنا عندما نتحدث على الهاتف؟

لماذا نغيّر نبرة صوتنا عندما نتحدث على الهاتف؟

شارك القصة

قد نجد أنفسنا نصرخ في الهاتف داخل شارع مزدحم أو سيارة أو مقهى
قد نجد أنفسنا نصرخ في الهاتف داخل شارع مزدحم أو سيارة أو مقهى - غيتي
قد نجد أنفسنا نصرخ في الهاتف داخل شارع مزدحم أو سيارة أو مقهى - غيتي
الخط
الصوت الذي نستخدمه على الهاتف ليس قناعًا مستقلًا وإنما نتيجة اجتماع ثلاث طبقات في لحظة واحدة: من نخاطب وما الذي نريد أن يفهمه وما الذي تسمح لنا به قناة الاتصال.

قد يكفي أن يرن الهاتف حتى يظهر لنا صوت آخر. نجيب صديقًا بنبرة، ونرد على رقم لا نعرفه بنبرة أكثر تحفظًا، ونصبح أبطأ وأكثر وضوحًا في مكالمة رسمية، وقد نرفع صوتنا من دون أن نشعر عندما يضعف الاتصال أو يزداد الضجيج حولنا.

حتى أفراد الأسرة قد يلاحظون أحيانًا "صوت الهاتف"، الذي لا نستخدمه بالطريقة نفسها ونحن نتحدث معهم وجهًا لوجه.

هل نتظاهر؟ في معظم الحالات، لا. ما يحدث أقرب إلى عملية ضبط مستمرة للصوت بحسب الشخص الذي نخاطبه، والمسافة التي نتخيلها بيننا وبينه، والإشارات التي تصلنا من الجهاز، والبيئة التي نتحدث منها.

لدينا أكثر من نبرة

لا يتحدث الإنسان بطريقة ثابتة في كل المواقف. في علم اللغة الاجتماعي، طرح الباحث ألان بيل مفهوم "تصميم الخطاب للجمهور"، الذي يرى أن جزءًا كبيرًا من تغير أسلوب المتحدث هو استجابة لمن يستمع إليه.

فنحن نكيّف كلامنا أولًا مع المخاطَب، كما يمكن أن تؤثر في أسلوبنا أيضًا طبيعة المكان والموضوع ومن نعرف أنهم يسمعون الحديث. 

 قد يصبح الكلام أبطأ وأقل عامية عند الرد على رقم مجهول
قد يصبح الكلام أبطأ وأقل عامية عند الرد على رقم مجهول- غيتي
قد يصبح الكلام أبطأ وأقل عامية عند الرد على رقم مجهول - غيتي

لهذا لا يحتاج الهاتف إلى أن "يصنع" لنا صوتًا جديدًا. يكفي أن يضعنا في موقف اجتماعي مختلف. الحديث مع مدير، أو صديق، أو أحد الوالدين، أو موظف خدمة عملاء، يحمل توقعات مختلفة بشأن القرب والجدية والوضوح.

وتوضح أبحاث "المواءمة التواصلية"، أن الناس قد يغيرون أثناء التفاعل عناصر مثل النطق وسرعة الكلام وطول العبارات ليصبح كلامهم أقرب إلى أسلوب الطرف الآخر أو أبعد عنه. 

حين تختفي تعابير الوجه

وفي الحديث المباشر نملك قنوات كثيرة تساعدنا: نرى إن كان الطرف الآخر فهم، ونلاحظ ابتسامته أو تردده، ونعرف متى يريد المقاطعة، ويمكن للإيماءة وحدها أن تختصر جملة. في المكالمة الصوتية تختفي معظم هذه الأدوات، فيتحمل الصوت عبئًا أكبر.

لهذا تصبح النبرة والسرعة والوقفات وشدة الصوت أكثر أهمية. نبطئ قليلًا عندما نشك في أن الكلام لم يصل، نبالغ في وضوح بعض الكلمات، أو نستخدم عبارات قصيرة للتأكد من استمرار الاتصال: "ألو؟"، "تسمعني؟"، "واضح؟".

ليست هذه قواعد واعية بالضرورة؛ جزء كبير منها تعديلات صغيرة نلتقطها من الطرف الآخر ومن تجربتنا السابقة مع المكالمات.

والمفارقة أن غياب الشخص عن مجال رؤيتنا لا يجعله "بلا مسافة" في أذهاننا. فالصوت البشري يتأثر حتى بالمسافة التي نتصور أن المستمع يقف عندها.

وأظهرت تجربة قارنت بين مستمعين موجودين فعلًا وآخرين طُلب من المشاركين تخيلهم على مسافات مختلفة، أن المتحدثين زادوا شدة أصواتهم كلما زادت المسافة المتصورة، حتى عندما لم تكن المسافة مادية فعلية. 

لماذا نرفع أصواتنا في المكالمة؟

من أكثر الظواهر وضوحًا ما يسمى "تأثير لومبارد". عندما نتحدث وسط ضجيج يعرقل سماع الكلام، يميل الجسم تلقائيًا إلى تعديل الصوت لجعله أكثر قابلية للسماع.

وقد أظهرت دراسات في بيئات طبيعية، أن الضوضاء المرتفعة ترفع متوسط شدة الصوت، كما قد ترفع التردد الأساسي للصوت، أي ما ندركه تقريبًا بوصفه ارتفاعًا في طبقة النبرة. 

قد يتغير الصوت في المكالمة نفسها
قد يتغير الصوت في المكالمة نفسها- غيتي
شدة الصوت ترتفع عندما تزيد المسافة بين المتحدث والمستمع - غيتي

لهذا قد نجد أنفسنا نصرخ في الهاتف داخل شارع مزدحم أو سيارة أو مقهى، حتى لو كان الميكروفون قريبًا جدًا من الفم.

الدماغ لا يتعامل فقط مع المسافة الفعلية بين الفم والجهاز، وإنما مع صعوبة التواصل ككل. وتشير دراسات أخرى إلى أن شدة الصوت ترتفع أيضًا عندما تزيد المسافة بين المتحدث والمستمع، في محاولة لتعويض فقدان الصوت مع البعد. 

الهاتف يجعلنا نسمع أنفسنا بطريقة مختلفة

وهناك عامل آخر أقل وضوحًا: التغذية الراجعة السمعية. نحن نضبط أصواتنا باستمرار اعتمادًا على الطريقة التي نسمع بها أنفسنا.

وفي تقنيات الاتصال، يمكن أن يعود جزء من صوت المتحدث إلى أذنه، وهو ما يُعرف تقنيًا بـ"sidetone".

وأظهرت دراسة على التواصل السمعي البصري أن زيادة هذا الصوت الراجع ارتبطت بانخفاض شدة صوت المشاركين؛ عندما كانوا يسمعون أنفسهم بوضوح أكبر، احتاجوا إلى جهد صوتي أقل في المتوسط. 

هذا يفسر جانبًا من شعورنا بأن بعض السماعات والمكالمات تجعلنا نتحدث براحة، بينما تدفعنا أخرى إلى رفع الصوت أو تكرار الكلام. نحن لا نستجيب للطرف الآخر فقط؛ نستجيب أيضًا إلى النسخة التي يعيدها الجهاز إلينا من أصواتنا وإلى مقدار الضوضاء التي تحيط بنا.

لماذا يصبح الصوت "أكثر رسمية" أحيانًا؟

والتغير الأكثر طرافة ليس دائمًا في مستوى الصوت، وإنما في الشخصية الاجتماعية التي تحملها النبرة. قد يصبح الكلام أبطأ وأقل عامية عند الرد على رقم مجهول. وقد نستخدم طبقة ألطف مع موظف خدمة العملاء، أو نسرّع إيقاعنا مع صديق، أو نختصر كلماتنا مع شخص يعرف سياق الحديث مسبقًا.

لا يتحدث الإنسان بطريقة ثابتة في كل المواقف
لا يتحدث الإنسان بطريقة ثابتة في كل المواقف- غيتي
لا يتحدث الإنسان بطريقة ثابتة في كل المواقف - غيتي

هذه التحولات لا تعني بالضرورة أن إحدى النبرات "حقيقية" والأخرى مصطنعة. الإنسان يملك منذ الأساس مجموعة من الأساليب الصوتية واللغوية التي يتنقل بينها بحسب العلاقة والموقف. الهاتف يجعل هذا الانتقال أوضح لأنه يفصل المشهد إلى صوتين فقط، فيغيب كل ما كان يمكن للعين وحركة الجسد أن يضيفاه.

وأحيانًا نقترب صوتيًا من الشخص الذي نتحدث معه من دون قصد. إذا كان هادئًا قد نهدأ، وإذا كان سريعًا قد يتسارع إيقاعنا، وإذا كان رسميًا قد نرفع درجة الرسمية في لغتنا. وتتعامل نظرية المواءمة التواصلية مع هذه التغيرات باعتبارها جزءًا طبيعيًا من التفاعل؛ فالناس قد يتقاربون أو يتباعدون في أساليبهم بحسب علاقتهم بالطرف الآخر وبالموقف. 

هل "صوت الهاتف" نسخة مزيفة منا؟

وربما الأدق أنه نسخة مكيّفة. الصوت الذي نستخدمه على الهاتف ليس قناعًا مستقلًا، وإنما نتيجة اجتماع ثلاث طبقات في لحظة واحدة: من نخاطب، وما الذي نريد أن يفهمه، وما الذي تسمح لنا به قناة الاتصال.

لهذا قد يتغير الصوت في المكالمة نفسها. نبدأ رسميين، ثم نكتشف أن المتحدث صديق قديم فترتخي النبرة. نرفع الصوت عندما نسمع ضجيجًا، ثم نخفضه حين يصبح الاتصال أوضح. نبطئ حين يطلب الطرف الآخر إعادة جملة، ثم نعود إلى سرعتنا الطبيعية بعد أن نتأكد من الفهم.

في النهاية، لا يكشف الهاتف عن صوت غريب بداخلنا. هو فقط يعزل إحدى أكثر مهارات التواصل اليومية مرونة: قدرتنا على تعديل الطريقة التي نتكلم بها وفق الشخص الذي نحاول الوصول إليه. وربما لهذا نضحك عندما نسمع شخصًا قريبًا منا يرد على مكالمة رسمية بصوت لم نسمعه منه قبل ثوانٍ؛ إنه الشخص نفسه، لكنه أصبح فجأة أمام "جمهور" مختلف.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من