الجمعة 16 أكتوبر / أكتوبر 2026
Close

لماذا يبدو الكلام أسهل أثناء المشي من الجلوس وجهًا لوجه؟

لماذا يبدو الكلام أسهل أثناء المشي من الجلوس وجهًا لوجه؟

شارك القصة

قد يجعل السير جنبًا إلى جنب بعض الأحاديث أقل ضغطًا من المواجهة المباشرة - صورة تعبيرية/غيتي
قد يجعل السير جنبًا إلى جنب بعض الأحاديث أقل ضغطًا من المواجهة المباشرة - صورة تعبيرية/غيتي
قد يجعل السير جنبًا إلى جنب بعض الأحاديث أقل ضغطًا من المواجهة المباشرة - صورة تعبيرية/غيتي
الخط
لماذا نقول أحيانًا أثناء المشي ما لم نستطع قوله ونحن جالسون وجهًا لوجه؟ الإجابة ليست في الخطوات وحدها، وإنما في النظرات والصمت وطريقة تحرك الأفكار.
هناك أحاديث لا تبدأ حين نجلس لها، بل حين ننهض منها.

قد تمضي ساعة كاملة مع شخص تعرفه جيدًا، من دون أن تقول ما يشغلك فعلًا. ثم تسيران معًا في شارع هادئ، وبعد دقائق تخرج الجملة التي بقيت عالقة، فتقول لك وأنت تظر مباشرة إلى وجهه ما كنت تؤجّل قوله طوال الجلسة: أنك متعب، أو قلق من قرار، أو منزعج من شيء حدث بينكما.

لا يملك المشي قدرة سحرية على جعلنا أكثر صراحة، لكن وضعية السير جنبًا إلى جنب، وتراجع ضغط النظرات المباشرة، واستمرار الحركة حتى أثناء الصمت، قد تغيّر إيقاع المحادثة بما يجعل بعض الكلمات أسهل.

فما الذي يحدث حين نأخذ الحديث معنا إلى الطريق؟


جنبًا إلى جنب.. نظرات أقل للمراقبة


في الحديث وجهًا لوجه، لا تصلنا الكلمات وحدها. نراقب تعبير الوجه، وحركة العين، وتغيّر الابتسامة، ونحاول في الوقت نفسه تقدير أثر ما نقوله.

وحين يكون الموضوع حساسًا، قد ينشغل المتحدث بسؤالين معًا: ماذا أريد أن أقول؟ وكيف يستقبل الآخر كلامي؟

أظهرت دراسة منشورة في Frontiers in Psychology أن التواصل البصري المباشر بين شخصين يمكن أن يرفع مستوى الاستثارة الفسيولوجية، المقاسة بتغيرات التوصيل الكهربائي للجلد. ولا يعني ذلك أن النظر في العين يسبب القلق بالضرورة، إذ قد يصاحب أيضًا الاهتمام والقرب، لكنه يؤكد أن تبادل النظرات ليس عنصرًا محايدًا في التفاعل.

أثناء المشي جنبًا إلى جنب، تتوزع النظرات بين الطريق والمحيط والشخص الآخر. وقد يمنح ذلك بعض الناس مساحة أقل لمراقبة كل تعبير لحظة بلحظة، ومساحة أكبر لترتيب ما يريدون قوله. لكننا لا ننظر أصلًا إلى عيني مَن نحادثه طوال الوقت. ففي دراسة تابعت نظرات شخصين خلال محادثة حقيقية، كان التواصل المباشر عينًا بعين أقل حدوثًا مما قد نتخيل، رغم دوره المهم في نقل الإشارات الاجتماعية.


[قالب | لماذا قد يخف الضغط؟]

حين يكون الصمت أقلّ ضغطًا


تقول لصديق: "هناك أمر يزعجني منذ فترة"، ثم تتوقف بحثًا عن الكلمات.

أمام طاولة هادئة، قد يبدو الصمت طويلًا فجأة. أما أثناء المشي، فلا يتوقف كل شيء: تستمران في السير، تعبران شارعًا، أو تلتفان حول منعطف. يبقى هناك نشاط مشترك حتى عندما تتوقف الجملة.

ولهذا قد يبدو الصمت أقل ضغطًا، فلا يضطر المتحدث إلى ملئه فورًا. كما يقدّم الطريق نفسه مداخل صغيرة للمحادثة. ربما مكان يذكّر بحادثة، أو مشهد يعيد إلى الذهن موضوعًا كان بعيدًا.

هذا تفسير محتمل لطبيعة الموقف، لا قاعدة نفسية ثابتة. فالعلاقة بين الشخصين وطريقة الإصغاء وحساسية الموضوع تظل أهم من مجرد اختيار المشي بدل الجلوس.


استمرار الحركة قد يجعل فترات الصمت جزءًا طبيعيًا من الحديث

 استمرار الحركة قد يجعل فترات الصمت جزءًا طبيعيًا من الحديث - صورة تعبيرية/غيتي

المشي قد يمنح الأفكار "أرجلًا"


هناك جانب اختبره الباحثون بصورة أوضح: المشي وتوليد الأفكار.

في دراسة لجامعة ستانفورد عام 2014 شملت أربع تجارب، ارتفع الأداء في مهام التفكير الإبداعي المتشعب أثناء المشي، ووصل متوسط الزيادة في إحدى التجارب إلى نحو 60% مقارنة بالجلوس. وظهر الأثر حتى عند المشي داخل غرفة على جهاز المشي، ما يعني أن المشهد الخارجي لم يكن وحده المسؤول.



لكن النتيجة لم تنطبق بالطريقة نفسها على المهام التي تحتاج إلى إجابة واحدة صحيحة ومحددة.

بالنسبة إلى المحادثة، تسمح هذه النتائج باحتمال بسيط: قد تساعد الحركة أحيانًا على إيجاد صياغة جديدة أو زاوية أخرى للفكرة. لكنها لا تعني أن المشي يجعلنا نفهم مشاعرنا أفضل، أو يحل خلافًا بمجرد الخروج في جولة.


المشي يولّد أفكارًا جديدة

لكن.. ليست كل نزهة مناسبة لحديث مهم

الطريق الهادئ ليس كرصيف مزدحم أو شارع صاخب. حين ينشغل أحد الطرفين بحركة المرور أو تجنب العوائق، تقل المساحة المتاحة للإصغاء.

والخصوصية مهمة أيضًا. بعض الأحاديث تحتاج إلى مكان لا يسمع فيه الآخرون أجزاء منها، فيما يرتاح أشخاص آخرون أكثر عندما يرون وجه من يحدثونه بوضوح ويقرأون استجابته.

لذلك، لا توجد "وصفة" تقول إن الحديث المهم يجب أن يجري أثناء المشي. قد يكفي أحيانًا أن تجلسا جنبًا إلى جنب على مقعد بدل الجلوس متقابلين، لأن وضعية الجسد والحركة والمكان عوامل مختلفة.

[قالب | متى لا يكون المشي مناسبًا؟]

في النهاية، لا تجعل الخطوات المحادثة عميقة من تلقاء نفسها. ما يسهّل الكلام حقًا هو أن يجد صاحبه وقتًا ليكمل فكرته، وألّا يقابل تردده بالمقاطعة أو الحكم السريع.


المشي قد يمنح الحديث مساحة مختلفة. أما الشخص الذي يسير إلى جوارك، فهو من يحدد إن كانت هذه المساحة آمنة بما يكفي للكلام.
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من