الإثنين 14 سبتمبر / سبتمبر 2026
Close

لماذا يصبح الزواج مشروعًا مؤجلًا؟

لماذا يصبح الزواج مشروعًا مؤجلًا؟ محدث 20 أغسطس 2026

شارك القصة

الزواج مشروع مؤجل
يحتاج الزواج إلى سكن ويحتاج السكن إلى دخل مستقر - غيتي
يحتاج الزواج إلى سكن ويحتاج السكن إلى دخل مستقر - غيتي
الخط
تشير تقارير عن أوضاع الشباب في منطقتنا إلى أن ارتفاع تكاليف تكوين أسرة وصعوبة الحصول على سكن وعمل مستقر تشكل جزءًا من العوائق التي تواجه الانتقال لحياة مستقلة.

كان الزواج، في أجيال سابقة، واحدًا من الأبواب التي يدخل منها الشاب أو الشابة إلى حياة البالغين. يتزوجان، ثم يبنيان البيت تدريجيًا، ويستقر العمل مع الوقت، وتُشترى الأشياء تباعًا.

أما اليوم، فكثيرًا ما تبدو المعادلة معكوسة: ينبغي أولًا أن تنتهي الدراسة، وتوجد الوظيفة، ويستقر الدخل، ويُحل سؤال السكن، وتُجمع المدخرات، ثم يمكن التفكير في الزواج.

لهذا، قد يكون السؤال الشائع: "لماذا يتأخر الشباب في الزواج؟" أقل دقة من سؤال آخر: لماذا أصبحت شروط الدخول إلى الزواج أكثر صعوبة؟ فالتأجيل لا يعني بالضرورة تراجع الرغبة في الارتباط، كما لا يمكن اختصاره في تغيّر القيم أو ازدياد "الفردية".

في حالات كثيرة، أصبح الزواج مشروعًا لا يبدأ بمجرد العثور على شريك، وإنما بعد بلوغ مستوى من الجاهزية الاقتصادية والاجتماعية والنفسية لم يكن مطلوبًا بالدرجة نفسها في مراحل سابقة.

الزواج مشروع مؤجل

والاتجاه إلى الزواج في أعمار أعلى لا يقتصر على مجتمع واحد. ففي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ارتفع متوسط سن الزواج الأول من نحو 25 عامًا للنساء و28 عامًا للرجال في مطلع التسعينيات إلى قرابة 32 و34 عامًا على التوالي بحلول 2021. ولا تصلح هذه الأرقام لقياس العالم العربي مباشرة، لكنها توضح أن إعادة ترتيب مراحل الحياة ظاهرة أوسع من تفسير محلي واحد.

وفي المنطقة العربية تحديدًا، تشير تقارير عن أوضاع الشباب إلى أن ارتفاع تكاليف تكوين الأسرة وصعوبة الحصول على السكن والعمل المستقر تشكل جزءًا من العوائق التي تواجه الانتقال إلى حياة مستقلة.

حين أصبح الزواج نهاية الطريق إلى الاستقرار

لفترة طويلة، كان من الممكن أن يكون الزواج نفسه بداية للاستقرار. قد يبدأ الزوجان بدخل محدود أو منزل صغير أو بمساعدة واسعة من العائلة، ثم تتحسن ظروفهما لاحقًا.

لكن الدراسات الاجتماعية التي تابعت تحولات الزواج في العقود الأخيرة تصف تغيرًا مهمًا: ففي بيئات كثيرة، لم يعد الزواج يُنظر إليه فقط بوصفه خطوة في طريق بناء حياة مستقرة، وإنما علامة على أن الاستقرار تحقق بالفعل.

الزواج مشروع مؤجل
ارتفاع معيار الزواج قد يؤخر الزواج نفسه- غيتي
في حالات كثيرة أصبح الزواج مشروعًا لا يبدأ بمجرد العثور على شريك - غيتي

وتستخدم بعض الأدبيات مفهوم الزواج بوصفه "تتويجًا" لمرحلة الانتقال إلى الرشد؛ أي حدثًا يأتي بعد تحقيق قدر من الاستقلال الاقتصادي والمالي، بدل أن يكون المؤسسة التي يتحقق داخلها ذلك الاستقلال. وتظهر أبحاث عن الشباب أن وجود دخل واستقرار وظيفي وأصول مالية يمكن أن يدخل ضمن ما يعتبره الأفراد "عتبة اقتصادية" ينبغي تجاوزها قبل الزواج.

وهنا يحدث تحول صغير في الفكرة لكنه كبير في أثره. إذا كان المطلوب سابقًا هو أن تكون قادرًا على بدء حياة، فقد يصبح المطلوب اليوم أن تكون قد بنيت جزءًا معتبرًا منها قبل أن تبدأ. وكل شرط يُضاف إلى قائمة الجاهزية قادر على دفع الزواج سنة أو سنتين أو أكثر إلى الأمام.

الوظيفة موجودة.. لكن هل تكفي لبناء بيت؟

والمشكلة ليست البطالة وحدها. قد يعمل الشاب أو الشابة سنوات من دون أن يشعر بأن الوظيفة تسمح بالتخطيط لسنوات مقبلة. العقد القصير، والدخل المتقلب، واحتمال فقدان الوظيفة، وضعف القدرة على الادخار، كلها تجعل القرار مختلفًا عن قرار شراء سلعة يمكن تأجيلها أو تقليص كلفتها.

وتربط دراسات ديمغرافية منذ سنوات بين عدم اليقين الاقتصادي وتأجيل تكوين الأسرة، كما تظهر أبحاث أن الاستقرار المالي والوظيفي يرتبطان بالانتقال إلى الزواج، مع اختلاف حجم التأثير من مجتمع إلى آخر.

وفي بعض السياقات التي يبقى فيها الرجل مطالبًا اجتماعيًا بأن يكون المعيل الرئيسي، قد يصبح ضعف وضعه المهني عائقًا أشد أمام الزواج.

وفي العالم العربي تكتسب المسألة وزنًا إضافيًا بسبب صعوبة انتقال نسبة كبيرة من الشباب إلى عمل مستقر واستقلال اقتصادي. وتضع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في تناولها لأوضاع شباب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ارتفاع كلفة الزواج وتكوين الأسرة ونقص السكن الميسور ضمن العوائق التي تواجههم.

لذلك لا يتعلق الأمر دائمًا بشخص يقول: "لا أريد الزواج الآن"، وإنما أحيانًا بشخص يقول: "لا أعرف كيف أجعل دخلي الحالي يتحمل حياة جديدة".

بيت واحد قد يغيّر موعد الحياة كلها

والسكن مثال واضح على الطريقة التي تتشابك بها مراحل الحياة. فحين تكون مغادرة منزل الأسرة مكلفة، لا يتأخر الاستقلال السكني فقط؛ قد تتأخر معه خطوات أخرى تعتمد عليه، ومنها الزواج.

ولا يعني ذلك أن كل زوجين يحتاجان إلى امتلاك منزل قبل الزواج. لكن الفرق بين الإمكان النظري والواقع الاجتماعي مهم. فإذا كانت الصورة المتوقعة للزواج تتضمن منزلًا مستقلًا ومجهزًا، فإن ارتفاع الإيجارات أو أسعار العقارات لا يبقى "مشكلة سكن"، وإنما يصبح عمليًا جزءًا من كلفة الزواج نفسه.

الزواج مشروع مؤجل
هي قد تنتظر علاقة لا تجعل الزواج ثمنًا لمسار التعليم أو العمل الذي بنته- غيتي
تربط دراسات ديمغرافية منذ سنوات بين عدم اليقين الاقتصادي وتأجيل تكوين الأسرة - غيتي

وتبين أبحاث في أسواق سكن مختلفة أن ارتفاع تكاليف السكن قادر على التأثير في توقيت تكوين الأسر، حتى إن كان شكل هذا التأثير متفاوتًا بين المجتمعات.

وهكذا تظهر الحلقة المفرغة: يحتاج الزواج إلى سكن، ويحتاج السكن إلى دخل مستقر، ويحتاج الدخل المستقر أحيانًا إلى سنوات من التجربة والترقي، فيما يظل العمر يتحرك أثناء انتظار اكتمال السلسلة.

علاقة بين تراكم سنوات التعليم وتأخر توقيت الزواج

وهناك عامل آخر أقل وضوحًا: اتساع المرحلة الواقعة بين الطفولة والاستقلال الكامل. فسنوات التعليم أطول لدى شرائح واسعة مقارنة بأجيال أسبق، والدخول إلى سوق العمل لا يعني دائمًا الانتقال المباشر إلى وظيفة مستقرة.

الزواج مشروع مؤجل

ومن الطبيعي أن يكون توسع التعليم مكسبًا، وخصوصًا للنساء، وليس "سببًا سلبيًا" ينبغي عكسه. لكن تمدد التعليم يغيّر ببساطة ترتيب المراحل. فإذا انتهت الدراسة الجامعية في أوائل العشرينيات، وأعقبتها سنوات من البحث عن عمل أو تأسيس مسار مهني، فإن العمر الذي يصبح فيه الاستقلال الاقتصادي ممكنًا يتحرك تلقائيًا إلى الأمام.

وتشير الدراسات الديمغرافية إلى علاقة بين تراكم سنوات التعليم وتأخر توقيت الزواج في سياقات مختلفة، لكنها لا تقدم التعليم بوصفه تفسيرًا منفردًا؛ الأهم هو ما يحدث بعد التعليم: هل يستطيع المتخرج تحويل شهادته سريعًا إلى عمل ودخل واستقلال، أم تبدأ مرحلة انتظار جديدة؟

ارتفاع معيار الزواج قد يؤخر الزواج نفسه

وهناك أيضًا تغير لا يمكن قياسه فقط بالراتب والإيجار. فكلما أصبح الزواج قرارًا اختياريًا أكثر منه محطة اجتماعية شبه تلقائية، ارتفعت الأسئلة التي تسبقه: هل هذا هو الشخص المناسب؟ هل تتوافق رؤيتنا للعمل والمال والإنجاب؟ كيف ستقسم مسؤوليات البيت؟ هل يمكن الحفاظ على المسار المهني بعد الزواج؟ وماذا يحدث إذا فشل؟

بهذا المعنى، ارتفاع معيار الزواج قد يؤخر الزواج نفسه. فالشخص الذي يرى أن الزواج يجب أن يمنحه شراكة جيدة لا مجرد صفة اجتماعية قد يكون أقل استعدادًا للدخول فيه لأنه بلغ عمرًا معينًا أو لأن المحيط ينتظره منه.

ولا يلغي ذلك أثر الاقتصاد، بل قد يجعله أكثر تعقيدًا. فالأبحاث التي تناولت "العتبة" المطلوبة للزواج وجدت أن الشباب لا يقيسون الجاهزية بالدخل وحده؛ الاستقرار والاستقلال والشعور بالقدرة على المحافظة على مستوى حياة معين تدخل بدورها في التصور عن اللحظة المناسبة للزواج.

قد يجتمع لدى الطرفين سبب للتأجيل

وتؤجل الضغوط الزواج لدى الجنسين، لكن ليس بالضرورة للأسباب نفسها أو بالدرجة نفسها. ففي مجتمعات تحتفظ بتوقع قوي بأن يتحمل الرجل العبء المالي الأساسي، يصبح عليه أن يثبت قدرته على توفير الدخل والمسكن قبل الزواج. وكلما ازدادت صعوبة بلوغ هذه الشروط، يمكن أن تطول فترة الانتظار.

الزواج مشروع مؤجل

أما بالنسبة إلى النساء، فقد تصبح المسألة مختلفة. توسع التعليم والعمل منح أعدادًا أكبر منهن مسارات حياة خارج الزواج، لكنه جعل قرار الارتباط مرتبطًا أيضًا بالسؤال عما سيحدث لهذا المسار بعده. ولا تزال النساء عالميًا يتحملن حصة أكبر من أعمال الرعاية والمنزل غير المدفوعة، وهو اختلال يجعل تكاليف تكوين الأسرة المهنية والزمنية موزعة بصورة غير متساوية.

لهذا قد يجتمع لدى الطرفين سبب للتأجيل، لكن بلغة مختلفة: هو قد ينتظر حتى يشعر بأنه قادر على تحمّل متطلبات الدور المتوقع منه، وهي قد تنتظر علاقة لا تجعل الزواج ثمنًا لمسار التعليم أو العمل الذي بنته. ولا تنطبق هذه الصورة على الجميع، لكنها تكشف لماذا يصعب تفسير تأخر الزواج بعامل واحد.

هل يعني التأجيل أن الشباب يرفضون الزواج؟

هنا يقع الخلط الأكبر. فهناك فرق بين ثلاثة أشياء: أن يتغير العمر الذي يراه الناس مناسبًا للزواج، وأن يتأخر الزواج بسبب الظروف، وأن يقرر شخص ألّا يتزوج أصلًا. هذه المسارات قد تتجاور في الجيل نفسه، لكنها ليست شيئًا واحدًا.

وانخفاض معدلات الزواج وارتفاع العمر عند الزواج الأول موثقان في دول عديدة، لكن الأسباب لا تختصر بتحول ثقافي واحد.

دراسات تكوين العلاقات لدى الشباب تشير إلى أن الأمن الاقتصادي يمكن أن يؤثر في الدخول إلى الزواج، فيما تتفاعل معه تغيّرات التعليم والسكن والقيم وأشكال العلاقات المتاحة.

لذلك فإن وصف جيل كامل بأنه "عازف عن الزواج" قد يحوّل نتيجة إلى سبب. فمن يؤجل لأنه لا يستطيع تمويل منزل، ومن ينتظر وظيفة مستقرة، ومن لم يجد شريكًا مناسبًا، ومن لا يريد الزواج أصلًا، قد يظهرون جميعًا في الإحصاءات تحت عنوان واحد: غير متزوجين. لكن القصص خلف الرقم مختلفة تمامًا.

متى يصبح التأجيل مشكلة؟

وليس الزواج المبكر هدفًا في ذاته، وتأخير الزواج يمكن أن يكون نتيجة إيجابية لاستمرار التعليم أو اتساع حرية الاختيار، خصوصًا في المجتمعات التي كانت تدفع الفتيات إلى الزواج في سن صغيرة. ولا يزال زواج الأطفال مشكلة عالمية قائمة تمس حقوق ملايين الفتيات، ولذلك لا يمكن التعامل مع ارتفاع سن الزواج في ذاته بوصفه مؤشرًا سلبيًا.

والمشكلة تبدأ في مكان آخر: حين لا يختار الإنسان التوقيت، بل تفرضه عليه عوائق لا يستطيع تجاوزها. حين يريد أن يبدأ حياته لكنه يؤجلها عامًا بعد عام لأن الوظيفة لا تمنحه أمانًا، والسكن يبتعد عنه، وتكاليف البداية ترتفع أسرع من قدرته على الادخار.

عندها لا يعود السؤال شخصيًا بالكامل. فالمجتمع قد يطلب من الشاب أن يكون مستقلًا ماليًا قبل الزواج، ثم يقدم له سوق عمل لا يضمن الاستقلال. وقد يطلب من الزوجين تأمين منزل مستقل، بينما لا توفر سوق السكن خيارات تتناسب مع دخلهما. وقد يطالب المرأة بالعمل والتعليم، ثم يبقي توزيع الرعاية المنزلية على حاله.

آخر حلقة ظاهرة في سلسلة طويلة من البدايات المؤجلة

في النهاية، ربما لا يكون الزواج هو المرحلة التي تعطلت، وإنما آخر حلقة ظاهرة في سلسلة طويلة من البدايات المؤجلة.

فالعمل المستقر يأتي متأخرًا، والاستقلال المالي يأتي بعده، والسكن المستقل يحتاج إلى وقت أطول، ثم يصل الزواج في نهاية هذه السلسلة. وعندما تتأخر كل محطة قليلًا، يبدو في النهاية أن الشباب هم الذين قرروا تأخير حياتهم.

لكن الزواج لم يعد، بالنسبة إلى كثيرين، مجرد قرار بين شخصين يقولان إنهما يريدان أن يعيشا معًا. لقد صار مشروعًا يحتاج إلى وظيفة يمكن الوثوق بها، وسكنًا يمكن تحمّل كلفته، ومالًا يكفي للبداية، وشريكًا مناسبًا، وتصورًا قابلًا للاستمرار لما سيأتي بعد الاحتفال.

لهذا ربما لا يسأل كثير من الشباب اليوم: "هل أريد الزواج؟"، بقدر ما يسألون: "متى تصبح الحياة التي يفترض أن تبدأ معه ممكنة؟"

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من