Skip to main content

ليبيا أمام صفقة جيوسياسية محتملة.. من يملك مفاتيح المرحلة المقبلة؟

الثلاثاء 18 أغسطس 2026
يشكل النفط قلب الاقتصاد الليبي وإحدى أهم أوراق الصراع على السلطة والنفوذ - غيتي

بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على سقوط نظام معمر القذافي، لا تزال ليبيا تواجه أزمة مركبة تجمع بين الانقسام السياسي، وتعدد مراكز القوة العسكرية، وتنافس المؤسسات، والتدخلات الخارجية. وقد تحول الانقسام الذي تعمق منذ عام 2014 من حالة انتقالية يفترض أن تنتهي بتسوية سياسية إلى بنية مستقرة نسبيًا تستفيد منها شبكات سياسية وأمنية واقتصادية مختلفة.

تكمن خصوصية الحالة الليبية في أن الصراع على السلطة لا ينفصل عن الصراع على الموارد. فقد أصبحت الإيرادات النفطية، ومصرف ليبيا المركزي، والمؤسسة الوطنية للنفط، والإنفاق العام، والمنافذ الحدودية، جميعها أدوات لإعادة توزيع النفوذ. ولذلك تواجه أي محاولة لإعادة بناء الدولة معضلة مزدوجة:

كيف يمكن توحيد المؤسسات، وفي الوقت نفسه تفكيك المصالح التي نشأت حول استمرار الانقسام؟

في المقابل، تحولت ليبيا إلى ساحة لتنافس قوى إقليمية ودولية متعددة. فقد ارتبطت تركيا بصورة أساسية بمعسكر الغرب، بينما دعمت الإمارات ومصر وروسيا معسكر خليفة حفتر بدرجات مختلفة. وحافظت قطر على علاقات وثيقة مع حكومة الوحدة الوطنية، فيما ركزت السعودية بدرجة أكبر على التسوية السياسية والاستقرار. أما أوروبا، فتنظر إلى ليبيا من خلال الطاقة والهجرة وأمن المتوسط، مع اختلاف واضح بين الحسابات الإيطالية والفرنسية.

لكن عام 2026 حمل تطورات أعادت طرح احتمال الانتقال من مجرد إدارة هذا الانقسام إلى محاولة إعادة تشكيله. فقد وُقعت في 11 أبريل/ نيسان أول ميزانية وطنية موحدة منذ أكثر من عقد، واختتم الحوار المهيكل الذي رعته بعثة الأمم المتحدة أعماله في يونيو/ حزيران بأكثر من 525 توصية، بالتوازي مع تدريبات عسكرية شاركت فيها قوات ليبية من مناطق مختلفة، وتحرك أميركي يركز على توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والأمنية.

في الوقت نفسه، أظهرت هجمات بطائرات مسيّرة على منشآت حيوية في الزاوية في أغسطس/ آب 2026 أن القوة لا تزال موزعة على الأرض، حتى في الوقت الذي تبدو فيه بعض المؤسسات أقرب إلى التوحد على الورق. وهنا يظهر السؤال الذي يتجاوز تشكيل حكومة جديدة: هل أصبحت ليبيا فعلًا أمام فرصة لصفقة تعيد توزيع السلطة والنفوذ، ومن يملك مفاتيح تمريرها أو تعطيلها؟


انقسام الشرق والغرب.. عندما تصبح الأزمة بنية مؤسسية


يعود الانقسام المؤسسي الحالي إلى الصراع السياسي الذي أعقب انتخابات عام 2014، عندما انقسمت المؤسسات التنفيذية والتشريعية والأمنية بين طرابلس والشرق الليبي. ومع مرور الوقت، أصبح لكل منطقة نظام سياسي وأمني واقتصادي خاص بها، رغم استمرار الاعتراف الدولي الرسمي بمؤسسات محددة في العاصمة.

بلغ الصراع مرحلة خطيرة مع هجوم قوات الشرق بقيادة خليفة حفتر على طرابلس عام 2019، قبل أن يؤدي التدخل التركي إلى تغيير ميزان القوى العسكري، ثم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول 2020. غير أن وقف الحرب لم يؤد إلى إنهاء أسبابها، وإنما نقل الصراع من المجال العسكري المباشر إلى المجال المؤسسي والسياسي.



بلغ الصراع على طرابلس ذروته عام 2019، قبل أن يغيّر التدخل التركي ميزان القوى ويقود لاحقًا إلى وقف إطلاق النار، من دون أن ينهي الانقسام المؤسسي - غيتي

 تتمثل المشكلة الأساسية في أن الانقسام أصبح يخدم مصالح فاعلين متعددين؛ فالحكومات المتنافسة تحتاج إلى شبكات أمنية لحماية نفوذها، والشبكات المسلحة تستفيد من الموارد العامة، فيما تُستخدم المؤسسات الاقتصادية أدوات للتفاوض. وهكذا، لم يعد الانقسام مجرد خلاف بين حكومتين، وإنما أصبح اقتصادًا سياسيًا متكاملًا للصراع.

يزيد الجنوب الليبي من تعقيد هذه المعادلة، إذ تقع فزان على تماس مباشر مع الجزائر والنيجر وتشاد والسودان، وتضم طرقًا صحراوية تستخدم في حركة السلع والأفراد والهجرة غير النظامية والتهريب وانتشار الجماعات المسلحة. ولذلك فإن ضعف الدولة في الجنوب لا يهدد ليبيا وحدها، وإنما يربط الأزمة الليبية بأمن الساحل والصحراء.


النفط والشرعية.. عندما تتحول الثروة إلى أداة للصراع


يمثل النفط العمود الفقري للاقتصاد الليبي، ولذلك أصبح التحكم في المؤسسات النفطية والمالية جزءًا أساسيًا من الصراع على الشرعية.

تكشف أزمة مصرف ليبيا المركزي عن طبيعة هذه العلاقة؛ فقد أدى الخلاف على قيادة المصرف عام 2024 إلى أزمة مؤسسية وتهديدات بتعطيل إنتاج النفط، بما أظهر أن المؤسسة المالية المركزية ليست مجرد جهاز اقتصادي، وإنما إحدى أهم أدوات توازن القوى بين الشرق والغرب.

في أغسطس/ آب 2026، قدم محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى استقالته إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، في تطور يعكس استمرار حساسية ملف المؤسسات المالية. وكان تعيين عيسى في عام 2024 قد جاء بعد اتفاق بين المعسكرين لإنهاء أزمة سابقة حول قيادة المصرف.

في الوقت نفسه، ارتفع إنتاج النفط الليبي إلى مستويات لم يسجلها منذ أكثر من عقد، لكن زيادة الإنتاج لم تُلغ هشاشة القطاع أمام الاضطرابات الأمنية. ففي أغسطس/ آب 2026، استهدفت هجمات بطائرات مسيّرة مجمع الزاوية النفطي ومنشآت مرتبطة بالطاقة، فيما أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط حالة طوارئ قصوى قبل السيطرة على الحرائق.

تكشف هذه التطورات عن مفارقة جوهرية: ارتفاع الإنتاج يمكن أن يوفر قاعدة مالية لإعادة بناء الدولة، لكنه في ظل الانقسام يزيد أيضًا من قيمة السيطرة على المؤسسات التي تدير هذه الثروة.



يمثل توقيع أول ميزانية وطنية موحدة منذ أكثر من عقد، في 11 أبريل/ نيسان 2026، تطورًا مهمًا. وقد رحبت بها أميركا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وتركيا وقطر والسعودية والإمارات ومصر والمملكة المتحدة باعتبارها خطوة نحو تعزيز التنسيق الاقتصادي بين الشرق والغرب. كما تضمنت الميزانية مخصصات تشغيلية للمؤسسة الوطنية للنفط وتمويلًا لزيادة إنتاج الطاقة.

يمكن بذلك أن يمثل توحيد الميزانية مدخلًا عمليًا إلى إعادة بناء الدولة، لكنه لا يتحول إلى حل سياسي إلا إذا أدى إلى توحيد فعلي للمؤسسات وآليات الرقابة وتوزيع الموارد.


المبادرة الأميركية.. هل بدأت ملامح الصفقة؟


تمثل المبادرة الأميركية أحد أبرز المتغيرات السياسية في عام 2026، وتكمن أهميتها في أنها لا تركز على تغيير الحكومة وحدها، وإنما تربط بين توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات الاقتصادية والأمنية وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات.

وأوضح مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، أن المبادرة قصيرة الأجل ومكملة لخارطة الأمم المتحدة، وأن قرارات أي اتفاق لتوحيد ليبيا وتفاصيله تبقى في يد الليبيين. وربط بولس التقدم المحرز خلال الشهور الماضية بالميزانية الوطنية الموحدة والتدريبات العسكرية المشتركة "فلينتلوك 26"، التي شاركت فيها قوات من مناطق مختلفة من البلاد.

تكشف المقاربة الأميركية عن محاولة للانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة تشكيل شروط التسوية. فواشنطن تراهن على أن توحيد المؤسسات الاقتصادية، وخلق درجة من التنسيق الأمني، يمكن أن يوفرا قاعدة لاتفاق سياسي أوسع. كما يرتبط الاهتمام الأميركي بقطاع الطاقة وإمكان زيادة الاستثمار والإنتاج النفطي.

لكن المبادرة تواجه تحديًا جوهريًا: الأطراف التي يُفترض أن تنفذ التوحيد هي نفسها التي استفاد بعضها سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا من استمرار الانقسام. ولذلك لا يتعلق نجاح المسار بكتابة صيغة جديدة لتقاسم السلطة فقط، وإنما بقدرتها على جعل التوحيد أكثر فائدة للنخب والقوى المسلحة من استمرار الوضع القائم.

هنا تحديدًا تتشكل ملامح ما يمكن وصفه بـصفقة جيوسياسية محتملة: ليست صفقة أميركية منفردة، وإنما تفاهم يحتاج إلى قبول ليبي وإلى حد أدنى من التوافق بين القوى الخارجية التي تمتلك نفوذًا على الأرض.



اختتم الحوار المهيكل الذي رعته بعثة الأمم المتحدة في يونيو 2026 بأكثر من 525 توصية شملت الحوكمة والأمن والاقتصاد والمصالحة، في محاولة لتهيئة الطريق نحو الانتخابات وتوحيد المؤسسات - بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا

 من يملك مفاتيح الصفقة؟


ليست القوى الخارجية في ليبيا متساوية في أدواتها أو مصالحها. بعضها يمتلك نفوذًا عسكريًا مباشرًا، وبعضها يملك أوراقًا اقتصادية ودبلوماسية، فيما تستطيع قوى أخرى توفير الغطاء الدولي أو تعطيل أي تسوية لا تراعي مصالحها.


تركيا: من دعم الغرب إلى التواصل مع الشرق

تمثل تركيا الحالة الأكثر وضوحًا في استخدام أدوات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية متزامنة. فقد تدخلت عسكريًا في الحرب إلى جانب حكومة الوفاق، وأقامت ترتيبات دفاعية وتدريبية، وربطت وجودها باتفاقات اقتصادية وبحرية.

أصبحت السياسة التركية خلال السنوات الأخيرة أكثر براغماتية؛ فلم تعد أنقرة تتعامل مع ليبيا من خلال طرابلس وحدها، وإنما وسعت قنواتها مع الشرق أيضًا. وهذا التحول يجعل تركيا إحدى القوى التي يصعب تصور تسوية أمنية أو عسكرية واسعة من دون مشاركتها.

تتقاطع أنقرة مع واشنطن في منع عودة الحرب والحفاظ على وحدة ليبيا، وإن اختلفت مصالح الطرفين وأدواتهما. ويمنح امتلاك تركيا علاقات قوية مع غرب ليبيا واتصالات متزايدة مع الشرق موقعًا مهمًا في أي تفاهم يتطلب ضمانات للطرفين.

وهنا تبرز أهمية التحرك التركي في سياق المبادرة الأميركية؛ فتركيا لا تنافس واشنطن بالضرورة في جميع عناصر الملف، بل يمكن أن تتقاطع معها في منع عودة الحرب والحفاظ على وحدة ليبيا، مع اختلاف الأدوات والمصالح.



مصر.. الأمن والشرق وحدود الدولة

تتعامل مصر مع ليبيا بوصفها قضية أمن قومي، بسبب الحدود المشتركة وصلاتها الوثيقة بالشرق الليبي. وفي الوقت نفسه، انخرطت القاهرة في المسارات السياسية الداعمة لتوحيد المؤسسات، ما يجعل قدرتها على التأثير في معسكر الشرق عنصرًا أساسيًا في أي تسوية.

يمكن لذلك النظر إلى تركيا ومصر بوصفهما من أهم القوى الإقليمية القادرة على تسهيل انتقال التفاهمات الدولية إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ داخل ليبيا.


روسيا.. قدرة على التأثير والتعطيل

تمثل روسيا حالة مختلفة، إذ يرتبط حضورها في ليبيا بموقع البلاد داخل شبكة المصالح الروسية في المتوسط والساحل الإفريقي، وليس فقط بعلاقاتها مع حفتر.

يمنح استمرار الانقسام موسكو مساحة أكبر للحفاظ على نفوذ عسكري ولوجستي، فيما قد يفرض توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية ترتيبات جديدة على الوجود الروسي. ولذلك يبقى الموقف الروسي أحد المتغيرات التي يمكن أن تؤثر في حدود أي صفقة أمنية مستقبلية.



الخليج.. من الاصطفاف إلى دعم المؤسسات

حافظت قطر تاريخيًا على علاقات وثيقة مع غرب ليبيا وحكومة الوحدة الوطنية، لكنها شاركت أيضًا في دعم اتفاق الميزانية الموحدة، بما يعكس استعدادًا للمشاركة في مسار مؤسسي أوسع يتجاوز علاقاتها التقليدية مع أحد المعسكرين.

أما السعودية، فقد ركزت على التسوية السياسية ووحدة ليبيا، كما شاركت في دعم الميزانية الموحدة.

في المقابل، كان الدعم الإماراتي لمعسكر حفتر أكثر وضوحًا خلال الحرب على طرابلس، في إطار شبكة إقليمية ضمت مصر وروسيا. غير أن مشاركة أبوظبي في البيان الدولي المؤيد للميزانية الموحدة تشير على الأقل إلى دعمها لهذا المسار المؤسسي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اختفاء حساباتها السابقة.


أوروبا.. مصالح مشتركة وحسابات مختلفة

يريد الاتحاد الأوروبي شريكًا ليبيًا موحدًا يمكن التعامل معه في ملفات الهجرة والطاقة وأمن المتوسط، لكن أوروبا لا تتحدث دائمًا بصوت استراتيجي واحد.

تمتلك إيطاليا مصالح مباشرة تجعلها أكثر التصاقًا بغرب ليبيا، خصوصًا في الطاقة والهجرة والتجارة. أما فرنسا، فتنظر إلى ليبيا من زاوية أوسع ترتبط بأمن شمال إفريقيا والساحل، ومكافحة الجماعات المسلحة، وبناء مؤسسات الدولة.

لهذا يمكن لأوروبا أن توفر دعمًا اقتصاديًا وسياسيًا واسعًا للتسوية، لكنها تحتاج بدورها إلى التوفيق بين أولويات دولها قبل تحويل هذا الدعم إلى سياسة موحدة.



المؤسسة العسكرية.. الاختبار الأصعب لتوحيد الدولة


شكل الوجود العسكري الأجنبي أحد أهم عناصر استمرار الانقسام، إذ ارتبطت الحرب الليبية بتدخلات مباشرة وغير مباشرة من تركيا وروسيا والإمارات ومصر، إلى جانب وجود مقاتلين ومرتزقة أجانب.

لا تكمن المشكلة في وجود القوات الأجنبية وحده، وإنما في اعتماد قوى ليبية على الدعم الخارجي، الأمر الذي يمنحها قدرة أكبر على مقاومة التسويات عندما تشعر بأن مصالحها مهددة.

لهذا ركزت المسارات الأممية والإفريقية على توحيد المؤسسة العسكرية. وجاءت تدريبات "فلينتلوك 26" في سرت في أبريل/ نيسان 2026 لتوفر صورة مختلفة نسبيًا، بعدما شاركت فيها قوات ليبية مشتركة إلى جانب شركاء دوليين. ووصفت القيادة الأميركية في إفريقيا التدريب بأنه جزء من الجهود الرامية إلى تعزيز التعاون وتطوير مؤسسة عسكرية ليبية أكثر توحيدًا.

إخراج القوات الأجنبية، في المقابل، لا يمكن أن يكون خطوة منفصلة عن بناء مؤسسة أمنية ليبية؛ فالانسحاب الخارجي من دون بديل مؤسسي قادر على فرض سلطة الدولة قد يخلق فراغًا تعود المجموعات المسلحة إلى ملئه.



قوات ومسؤولون عسكريون من أنحاء مختلفة من ليبيا خلال ختام تدريبات "فلينتلوك 26" في سرت - U.S. Africa Command – Flintlock 2026
يبقى توحيد المؤسسة العسكرية الاختبار الأكثر صعوبة لأي اتفاق سياسي جديد. 

دول الجوار.. ليبيا ليست جزيرة


تحتل دول الجوار موقعًا مركزيًا في معادلة الأمن الليبي.

تركز الجزائر على الحل السياسي الليبي-الليبي ووحدة الأراضي الليبية ورفض التدخلات الخارجية، مع اهتمام خاص بأمن الحدود الجنوبية، فيما تتأثر تونس بصورة مباشرة بالأوضاع في غرب ليبيا من خلال التجارة وحركة الأشخاص والهجرة.

ترتبط مصر بالمعادلة السياسية والأمنية في الشرق الليبي وبأمن حدودها الغربية، بينما تكتسب تشاد والنيجر أهميتهما من خلال الجنوب الليبي والطرق الصحراوية التي تتحرك عبرها شبكات تهريب السلاح والأفراد والجماعات المسلحة.

يدخل السودان أيضًا في هذه المعادلة. فقد تحولت مناطق الجنوب والشرق الليبي إلى جزء من المجال اللوجستي المرتبط بالحرب السودانية وشبكات السلاح والمقاتلين عبر الحدود. كما تتهم الخرطوم قوات خليفة حفتر بتقديم تسهيلات لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها قيادة حفتر.

يجعل ذلك استقرار ليبيا وتوحيد مؤسساتها الأمنية والعسكرية مسألة تتجاوز حدودها؛ فكل فراغ في الجنوب يمكن أن يتحول إلى مساحة تربط بين أزمات شمال إفريقيا والساحل والحرب في السودان.



 تحولت مناطق الجنوب والشرق الليبي إلى امتداد لوجستي للحرب في السودان وشبكات السلاح والمقاتلين عبر الحدود - غيتي 


الهجرة وأمن الطاقة.. لماذا يحتاج الخارج إلى دولة ليبية موحدة؟


تعد الهجرة والطاقة من أكثر الملفات التي تجعل الأزمة الليبية ذات تأثير دولي مباشر. فليبيا تمثل نقطة عبور أساسية للمهاجرين نحو أوروبا عبر وسط المتوسط، ولذلك ارتبط التعاون الأوروبي معها بإدارة الحدود ومكافحة شبكات التهريب.

بحسب أحدث بيانات منشورة لمصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، رُصد 943,748 مهاجرًا في ليبيا خلال مارس/ آذار وأبريل/ نيسان 2026، موزعين على 100 بلدية، وكان 53% منهم في غرب البلاد و36% في الشرق و11% في الجنوب.



ليبيا تمثل نقطة عبور أساسية للمهاجرين نحو أوروبا عبر وسط المتوسط - غيتي 

لكن إدارة الهجرة من خلال الأجهزة الأمنية وحدها لا تعالج جذور المشكلة؛ فطالما بقيت الحدود والمؤسسات الأمنية منقسمة، تستطيع شبكات التهريب إعادة تنظيم نفسها واستغلال الفراغات بين مراكز السلطة.

أما الطاقة، فتمنح ليبيا أهمية إضافية؛ فالنفط والغاز لا يمثلان مصدرًا للإيرادات فقط، وإنما جزءًا من أمن الطاقة الإقليمي والأوروبي. وأظهرت هجمات الزاوية في أغسطس/ آب 2026 أن البنية التحتية للطاقة يمكن أن تصبح هدفًا مباشرًا للصراع الداخلي.



لماذا تفشل التسويات السياسية في ليبيا؟


يمكن تفسير فشل التسويات السابقة بأربعة عوامل مترابطة:

  • غياب قاعدة دستورية وسياسية متفق عليها تحدد كيفية الوصول إلى انتخابات شرعية وتوزيع السلطة بعدها.
  • الاقتصاد السياسي للانقسام، إذ تستفيد شبكات سياسية ومسلحة من استمرار الإنفاق العام وتعدد المؤسسات والسيطرة على الموارد.
  • غياب المؤسسة الأمنية الموحدة، فالاتفاق السياسي يصبح هشًا عندما لا توجد قوة وطنية واحدة قادرة على ضمان تنفيذه.
  • تعدد الرعاة الخارجيين، فقد استطاعت القوى الليبية استخدام التنافس بين تركيا ومصر والإمارات وروسيا وقطر وغيرها لتعزيز مواقعها التفاوضية.

لم تكن المشكلة في ليبيا دائمًا نقصًا في المبادرات؛ فقد توالت اتفاقات الصخيرات عام 2015، ومسارا برلين عامي 2020 و2021، والحوارات الأممية والمبادرات الإقليمية. لكن معظم هذه المسارات اصطدم ببنية سياسية وأمنية واقتصادية قادرة على إعادة إنتاج الانقسام.

تعيد توصيات الحوار المهيكل في عام 2026 التركيز على هذا الجانب، بعدما ربطت بين الانتخابات والحوكمة والأمن والاقتصاد والمصالحة، بدل التعامل مع الانتخابات باعتبارها إجراءً منفصلًا يمكنه وحده إنهاء الأزمة.



ليبيا 2026-2030.. ثلاثة مسارات محتملة


السيناريو الأول: تسوية تدريجية وبناء الدولة

يقوم هذا السيناريو على تنفيذ الميزانية الموحدة، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الاقتصادية، وإحراز تقدم في المسار الأمني، ثم الانتقال إلى ترتيب سياسي يوفر شروط انتخابات وطنية.

ازدادت فرص هذا المسار نسبيًا مع الميزانية الموحدة والحوار الأممي والتحرك الأميركي والتواصل المتزايد بين القوى الإقليمية المؤثرة. لكن نجاحه يتطلب تحويل التفاهمات الحالية إلى مؤسسات، لا الاكتفاء بتوزيع جديد للمناصب.


السيناريو الثاني: إدارة الانقسام

قد تنجح الأطراف في منع الحرب من دون إنهاء الانقسام. وفي هذه الحالة، تستمر المؤسسات الموازية ومراكز القوة الحالية، مع تفاهمات محدودة حول النفط والميزانية والإنفاق العام.

هذا السيناريو يبقى ممكنًا إذا تقدم التنسيق الاقتصادي أسرع من التوافق السياسي والأمني، فتحصل ليبيا على استقرار نسبي من دون أن تصل إلى دولة موحدة.


السيناريو الثالث: عودة الصراع منخفض الشدة

يمكن أن يؤدي الخلاف على المؤسسات المالية أو النفط أو الترتيبات الأمنية إلى مواجهات محدودة وهجمات على المنشآت الحيوية من دون العودة بالضرورة إلى حرب شاملة.

قدمت أحداث الزاوية في أغسطس/ آب 2026 مثالًا على استمرار هشاشة الوضع الأمني، وعلى قدرة الصراع المحلي على تهديد بنى تحتية تمثل موردًا وطنيًا وحيويًا في آن واحد.



هل تملك ليبيا فرصة مختلفة هذه المرة؟


تكشف الأزمة الليبية أن جوهر المشكلة لا يتمثل في غياب المبادرات، وإنما في صعوبة تحويل التفاهمات إلى مؤسسات دولة موحدة. فقد تحول انقسام الشرق والغرب إلى بنية سياسية وأمنية واقتصادية، وأصبح النفط والميزانية والمصرف المركزي والمؤسسة العسكرية عناصر أساسية في الصراع على الشرعية.

مع ذلك، تقدم تطورات عام 2026 فرصة مختلفة نسبيًا؛ إذ اجتمعت عوامل عدة لم تكن دائمًا متزامنة: ميزانية وطنية موحدة، حوار أممي واسع، تعاون عسكري محدود بين قوات من مناطق مختلفة، تحرك أميركي أكثر وضوحًا، ودرجة متزايدة من التقاطع بين مصالح قوى كانت تقف سابقًا على جوانب مختلفة من الصراع.

لا يعني ذلك أن صفقة أصبحت محسومة أو أن التنافس الخارجي انتهى. فنجاح أي تفاهم يحتاج إلى انتقال من التوافق على توزيع الموارد والمواقع إلى توحيد فعلي للمؤسسات السياسية والاقتصادية والأمنية، وإلى ضمان ألا تصبح التسوية الجديدة مجرد وسيلة لإعادة تثبيت القوى التي استفادت من المرحلة الانتقالية.

لهذا يبدو السيناريو الأكثر واقعية في المدى القريب تسوية تدريجية تقلص الانقسام قبل إنهائه. فالميزانية يمكن أن توحد جانبًا من الإنفاق، والتنسيق العسكري يمكن أن يفتح بابًا لبناء الثقة، والتفاهم الخارجي قد يقلص قدرة الأطراف المحلية على استخدام الرعاة المتنافسين، لكن كل ذلك يبقى محدودًا إذا لم ينتقل إلى مؤسسات دائمة.

في النهاية، لا يملك طرف ليبي أو خارجي منفرد مفتاح المرحلة المقبلة. المفتاح الحقيقي هو القدرة على جعل مصالح القوى المحلية والإقليمية والدولية تلتقي، ولو مؤقتًا، عند دولة موحدة أكثر فائدة لها من استمرار الانقسام. وهنا تحديدًا سيتحدد ما إذا كانت التحركات الحالية مقدمة لصفقة تعيد بناء الدولة، أم حلقة جديدة في تاريخ طويل من إدارة الأزمة.




قائمة المراجع


  1. Collombier, Virginie, and Wolfram Lacher, eds. Violence and Social Transformation in Libya. Oxford: Oxford University Press, 2023.
  2. Eaton, Tim. Libya’s War Economy: Predation, Profiteering and State Weakness. London: Chatham House, 2018.
  3. St. John, Ronald Bruce. Libya: From Colony to Independence. Oxford: Oneworld, 2008.
  4. Vandewalle, Dirk. A History of Modern Libya. 2nd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 2012.
  5. Wehrey, Frederic. The Burning Shores: Inside the Battle for the New Libya. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2018.
  6. United Nations Support Mission in Libya. “Structured Dialogue Concludes, Presents Final Recommendations for Libya’s Political Process.” 7 June 2026.
  7. United Nations Support Mission in Libya. “Structured Dialogue Security Track Members Discuss Recommendations for Security Sector Reform and Stability in Libya.” 2026.
  8. African Union Peace and Security Council. “Communiqué of the 1351st Meeting on the Update on the Situation in Libya.” 9 June 2026.
  9. International Monetary Fund. Libya: 2025 Article IV Consultation—Press Release and Staff Report. Washington, DC: IMF, 2025.
  10. International Monetary Fund. Libya: Staff Concluding Statement of the 2026 Article IV Consultation Mission. Washington, DC: IMF, 2026.
  11. National Oil Corporation of Libya. Official statements and production data, 2026.
  12. Central Bank of Libya. Official statements and financial data, 2026.
  13. European External Action Service. EUNAVFOR MED IRINI Activity Report for May 2026. Brussels, 9 June 2026.
  14. European External Action Service. “EUBAM Libya and Operation IRINI Explore Initiatives Supporting Libyan Maritime Authorities.” 12 May 2026.
  15. Ministry of Foreign Affairs of the State of Qatar. Statements and official communications concerning Libya, 2026.
  16. Ministry of Foreign Affairs of the United Arab Emirates. “Joint Statement on Libya Unified Budget Agreement.” 20 April 2026.
  17. Ministry of Foreign Affairs of the Republic of Türkiye. Official statements concerning Libya, 2025–2026.
  18. Ministry of Foreign Affairs of the Kingdom of Saudi Arabia. Statements concerning Libya and the unified budget, 2026.
  19. Italian Ministry of Foreign Affairs and International Cooperation. Statements concerning Libya, energy, migration and economic cooperation, 2026.
  20. France Diplomatie. “Libye – Politique et économie.” 29 April 2026.
  21. Reuters. “Libya’s Central Bank Governor Submits Resignation, Documents Show.” 10 August 2026.
  22. Reuters. “Libya’s NOC Says Zawiya Oil Fires Brought Under Control.” 10 August 2026.
  23. Associated Press. “Drone Strikes Hit Libya’s Key Western Oil Town and a Car Bomb Kills an Officer in the East.” 11 August 2026.
  24. Associated Press. “Drone Strike in Western Libya Torches a Power Substation, Triggering Outages.” August 2026.
  25. Libyan News Agency. “Only Libyans Can Determine the Details of a Unification Agreement; the U.S. Initiative Supports the UN-led Process.” 29 June 2026.
المصادر:
موقع التلفزيون العربي
شارك القصة