"ليل وقضبان".. السينما حين تتجاوز النص الأدبي وتعلو عليه
تُعدّ عملية "ترميم" النص الأدبي (الرواية أو القصة) قبل إعادة بنائه سينمائيًا واحدة من أعقد مراحل كتابة السيناريو السينمائي. فكثير من الأعمال الروائية تنطوي على أفكار لامعة ولافتة وقابلة للإنتاج، فيما تتّسم أعمال أخرى بضعفٍ فنيّ واضح، ولا تتمتّع بقيمة تُذكر في تاريخ السرد.
ومع ذلك، قد تنجح نصوص ضعيفة فنيًا في لفت انتباه صنّاع السينما، لأنّها تقوم على فكرة نادرة أو زاوية مختلفة تُغري صُنّاع الفن السابع بمقاربتها، تمامًا كما تُغريه النصوص الرفيعة ذات الأهمية الاستثنائية في تاريخ النثر.
غير أنّ تحويل نصّ ضعيف إلى فيلم مُقنع يتطلّب غالبًا ما هو أكثر من "تكييف" بسيط أو تعديل موضعي. إنّه يستدعي إعادة ترميم للنص على مستوى الفكرة والبنية والشخصيات، أي بناءه أصلًا من حيث هو نص أدبي، قبل إعادة بنائه وتكييفه للسينما، وهي عملية بالغة الوعورة والتعقيد.
وتُنجَز عمليات كهذه أيضًا عند مقاربة نصوص روائية أو مسرحية كبرى (أعمال شكسبير مثالًا) مع فوارق حاسمة بقدر ما تخضع الأحداث للتبديل أو النقل الزمني والمكاني كي تلائم معالجة سينمائية جديدة، بقدر ما تُعاد صياغة “شخوص” النص وبناؤه الدرامي الذي يتحرّكون ضمنه، بحيث يبقى جوهر النص حيًا حتى وهو يرتدي ثوبًا آخر.
وغالبًا ما تشمل عملية "توطين النص" لا تغيير أحداثه وحسب لتلائم بيئة محلية مختلفة عن تلك الموجودة في النص الأصلي، بل أيضًا مقاربة ثيمته الكبرى بما يحافظ عليها ويمنحها، في الوقت نفسه، بعدًا جديدًا: كأن تصبح أكثر معاصرة، أو أكثر محليّة، من دون أن تفقد عصبها الأساسي، وهي عملية بالغة التعقيد والإبداع معًا.
"ليل وقضبان"..استثناء على القاعدة
لا ينطبق ذلك بالضرورة على فيلم "ليل وقضبان" الذي يعتبر من كلاسيكيات السينما المصرية والعربية؛ وقد حلّ في المرتبة 43 ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في “مئوية السينما المصرية” (استفتاء نقاد عام 1996 أُعلن ضمن احتفالية 1997).
فالنص الروائي الذي أخذ الفيلم عنه، أقل أهمية وتماسكًا من النصوص الأخرى التي اقتبست عنها أو أخذت منها أفلام مصرية أخرى (نجيب محفوظ أو إحسان عبد القدّوس مثلًا)، أي أن صنّاع الفيلم بدأوا من مرحلة أسبق من تلك التي بدأها كوروساوا وسواه، ممن تعاملوا مع نصوص أدبية كبرى فأعادوا بناءها على عدة مراحل، قبل أن تصبح مناسبة للمقاربة السينمائية.
ومردّ ذلك ضعف رواية "ليل وقضبان" فنيًا مقارنة بأخرى عولجت سينمائيًا، ومن المدهش هنا أن يتحوّل الفيلم إلى واحد من كلاسيكيات السينما المصرية، ويعدّ الأفضل في تاريخ مخرجه أشرف فهمي، بل وبعض ممثليه مثل محمود مرسي وتوفيق الدقن.
ليل وقضبان.. و"الأدب الإسلامي"
كتب الروائي المصري نجيب الكيلاني (1931-1995) روايته "ليل وقضبان" متأثرًا، على الأغلب، بظروف سجنه في خمسينيات القرن الماضي في حقبة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وتدور أحداثها في الحقبة الملكية (أربعينيات القرن الماضي تحديدًا)، داخل أحد سجون النظام.
وتنتمي كتابات الكيلاني عمومًا إلى ما يوصف بـ"الأدب الإسلامي"، وفي سجّله نحو سبعين عملًا أدبيًا ما بين الرواية والقصة والشعر.
من هو نجيب الكيلاني؟
- درس الكيلاني الطب في القاهرة في نهاية أربعينات وأوائل خمسينيات القرن الماضي، وعمل طبيبًا في بلاده قبل أن يسافر إلى الكويت فالإمارات التي قضى فيهما فترة طويلة من حياته.
- انضم مبكرًا إلى جماعة الإخوان المسلمين ما عرّضه للاعتقال عام 1955، والحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات، قضى منها نحو ثلاث سنوات ونصف السنة قبل أن يطلق سراحه بعفو صحي، كما أعيد اعتقاله عام 1965، لنحو عام وبضعة أشهر أخرى.
- بدأ الكيلاني مسيرته الكتابية شاعرًا بديوان "أغاني الغرباء"، أما رواياته فكانت أولاها "الطريق الطويل" التي كتبها في السجن في نهاية الخمسينيات، قبل أن يصدر عشرات الروايات والقصص التي يقارب فيها العالم من منظور إسلامي إذا صح الوصف.
- من أعماله الروائية "ليالي تركستان"، و"عمالقة الشمال"، و"عذراء جاكرتا"، و"الظل الأسود"، و"عمر يظهر في القدس"، و"أرض الأنبياء"، و"نور الله"، و"قاتل حمزة"، و"نابليون في الأزهر"، و"رحلة إلى الله"، و"دم لفطير صهيون"، و"حبيبتي سراييفو"، إضافة إلى "ليل وقضبان" و"اعترافات عبد المتجلي"، و"أهل الحميدية"، و"الرجل الذي آمن"، وسواها.
- كما أصدر الكيلاني عدة كتب نقدية منها "الإسلامية والمذاهب الأدبية"، و"آفاق الأدب الإسلامي"، و"مدخل في الأدب الإسلامي"، و"نظرية الأدب الإسلامي وتصوراته"، و"المسرح الإسلامي".
من الرواية إلى الفيلم: مركز الفكرة يتحوّل
في الصفحات الأولى من روايته "ليل وقضبان" يبدو هاجس الروائي هو السياق القَدري" للأحداث، ما بين قبول السجناء قَدَر الله أو التمرد عليه، بينما يميل الفيلم إلى سؤالٍ أكثر تركيبًا حول الجريمة والعقاب:
هل السلوك الإجرامي متأصّل في الذات الإنسانية كما يؤمن مدير السجن، أم أنّ ظروفًا اجتماعية ونفسية قد تدفع الإنسان إلى الجريمة أو إلى خرق القوانين؟
تدور أحداث الرواية في سجن أبي زعبل في أربعينيات القرن الماضي، وتعاين علاقة مدير السجن بالسجناء وزوجته (عنايات)، فهو متجبّر في السجن وضعيف في البيت، حيث ثمة امرأة متطلبة جنسيًا وزوج عاجز.
وتلعب الصدفة، وهي انقطاع الكهرباء عن البيت في غياب الزوج، دورًا في قيام المرأة بإنشاء علاقة آثمة (جنسية وحسية) مع أحد السجناء. لكن سرعان ما تُكتشف العلاقة بإفصاح السجين عنها، وهو في حالة سُكر، لأحد السجناء.
وبافتضاح العلاقة على نحو ساذج في السرد الروائي، وانتشار الخبر بين الجميع، يقرر مدير السجن على نحو أكثر سذاجة بالاتفاق مع أحد مساعديه (الشلقامي) تسميم السجين، فيموت الأخير فعلًا لكن تحقيقات النيابة الحكومية تكشف خيوط الجريمة سريعًا أيضًا وبسذاجة مفرطة في النص الروائي.
مقاربة روائية ساذجة.. وفكرة واحدة تلمغ
تسأله المرأة عن جريمته، فيقول إنها القتل وإنه محكوم بخمسة عشرة عامًا، قضى منها عشر سنوات، فتقول هي "دون تدبّر أو وعي": مثلي.
وعندما يستغرب السجين، ترد بالقول إنها أرادت أن تقول إنها متزوجة منذ عشر سنين.
الحوار السابق على قصره، يُنشىء تماهيًا بين المرأة والسجين، فكلاهما مسجون: هو في زنزانة، وهي في علاقة وبيت لا تريدهما.
وبينما يسعى هو إلى الانعتاق من أسر السجن ويحلم بذلك، تسعى هي إلى علاقة جنسية تحرّرها من سجن زواج لم ترغب فيه، وأصبح عبئًا عليها بأن حرمها من إشباع رغباتها.
يلتقط الفيلم هذه الفكرة فتتحوّل إلى مركزية في بنائه، في حين يقوم صانعوه ببناء الشخصيات والأحداث على نحو أكثر ذكاء وقابلية للانسجام مع هذه الفكرة، على خلاف الرواية.
ففي الفيلم يظهر مدير السجن توفيق عبد الهادي بك، متغطرسًا، قويًا وباطشًا، ولا يعاني من أي مرض وليس ضعيفًا أمام زوجته (سميرة) كما في الرواية.
وجنسيًا، يظهر مدير السجن في أحد مشاهد الفيلم كمن يغتصب زوجته، بمعنى أنّ المرأة في الفيلم على خلاف الرواية، ليست متطلبة جنسيًا، فما كانت تبحث عنه هو الحب وليس إشباع الرغبة.
وحتى عندما تُنشىء علاقة مع السجين فإن دوافعها تتعلق بالعاطفة لا الرغبة، بشعورها بالتعاطف والتوحّد مع سجين آخر يشبهها.
سحر الأسود والأبيض
ظهور الألوان في السينما المصرية
أول فيلم مصري استُخدمت في إنتاجه جزئيًا تقنيات التصوير بالألوان لا الأسود والأبيض هو "لست ملاكًا" الذي أنتج عام 1946، وكان من بطولة محمد عبد الوهاب.
تلاه "بابا عريس" عام 1950 الذي صُوّر كاملًا بالألوان، وهو من إخراج حسين فوزي وبطولة نعيمة عاكف وشكري سرحان.
يعتبر فيلم "دليلة" الذي أخرجه محمد كريم وقام ببطولته عبد الحليم حافظ وشادية عام 1956، الانطلاقة الحقيقية لسينما الألوان، وظهرت على ملصق الفيلم في حينه عبارة "أول فيلم ملون بنظام سكوب فى مصر".
وبحسب مؤرخي السينما فإن أشرف فهمي تعمّد تصوير فيلمه بتقنية الأسود والأبيض، خاصة أن خيار إنتاجه بالألوان كان متوفرًا ويكاد يكون الأسلوب الوحيد المعتمد آنذاك.
ويعود ذلك إلى رؤيته السينمائية في مقاربة موضوعه، وهو السجن، إذ يفتتح فيلمه على مشهد ليلي، وعلى صوت لهاث سجين هارب، تلاحقه الكلاب قبل أن تصله وتبدأ بنهش جسده.
وتزداد الأهمية الدلالية للأسود والأبيض في تصوير الفيلم وتتوضح في مشاهد مدير السجن وزوجته في بيتهما، فالأضواء الشحيحة تعكس حياة المرأة التي أجبرت على العيش مع السجّان بدون حب، فشحُبت أيامها وأعتم نهارها.
بل إن ثنائية الضوء والعتمة، النور والظلام، الحب والكراهية، الحرية والسجن، تكاد تتطابق في مشاهد الفيلم مع دلالات أحداثه وسيكلوجيا شخوصه، فالسجين الذي يقوم بإعادة النور (الكهرباء) إلى بيت مدير السجن (يبدّد السواد ويهزم العتمة) هو من يعيد الحب والمعنى أيضًا إلى المرأة الحبيسة (الزوجة).
ولا يكتفي أشرف فهمي بهذا بل ينتقل خطوة أخرى في لغته السينمائية بالغة الذكاء، في تصوير مشاهده، وخاصة تلك التي تجمع مدير السجن، توفيق عبد الهادي بك (محمود مرسي)، مع زوجته (سميرة أحمد) في البيت.
فالحوارات بينهما تجري في غرفة النوم، وإذ تحدث تنتقل الكاميرا إلى المرايا، فيدور الحوار بين عالمين تفصل بينهما منطقة سوداء كأنهما عالمان منفصلان أو على طرفي نقيض، فيراهما المشاهد في المرآة التي تكشف تشظيهما:
يظهران بأكثر من وجه نظرًا لتعدد المرايا، كما تظهرهما الكاميرا داخل المرايا وخارجها أيضًا، كأن كل واحد منهما في صراع مع "احتمالاته" المتعددة أو شظاياه الداخلية.
في المقابل، لا يلجأ أشرف فهمي إلى هذه التقنية في المشاهد التي يظهر فيها السجين (محمود ياسين) مع زوجة مدير السجن، ذلك أن الحب يوحّدهما، وليس ثمة ضرورة والحال هذه للمرآة، فكلاهما مرآة للآخر.
ولعل ذلك يذكر بفيلم آخر أنتج في الحقبة نفسها بالأسود والأبيض رغم توفر تقنية التصوير بالألوان آنذاك، وهو فيلم "شيء من الخوف".
أخرج الفيلم حسين كمال عام 1969، وقامت ببطولته شادية ومحمود مرسي ويحيى شاهين، وتدور أحداثه في إحدى قرى صعيد مصر حول عتريس الباطش الذي يحوّل القرية كلها إلى سجن كبير، وفؤادة التي ترفض سلطته وسطوته، وتتمرد عليه بل وتنجح وأبناء القرية في الانتصار عليه.
في الفليمين يبدو الأسود والأبيض بطلًا حقيقيًا في كشف الجوانب الأخرى من القصة، ومن خلالها برع المخرجان (أشرف فهمي وحسين كمال) في تضمنين الألوان أبعادًا رمزية تتساوق مع الأحداث ومحنة شخوصها.
وفي القلب من الفيلمين ثمة امرأة تقاوم، وحب يمنح الآخرين النور ويضيء طريقهم للانعتاق من ضيق السجون وقبضة السجّانين.