كان اللبناني حسن العابد يعتزم السفر لأداء فريضة الحج في أبريل/ نيسان من عام 1996، لكن "مجزرة النبطية الفوقا" التي أدت إلى استشهاد 9 أفراد من عائلته بقصف إسرائيلي لم تمنعه من الصعود إلى الطائرة فحسب، بل غيّرت حياته إلى الأبد.
وشكّلت صورة أحد أطفال حسن العابد عالقًا تحت أنقاض المبنى المدمر الذي التجأت إليه العائلة، في ذلك الوقت وللتاريخ، أحد الشواهد والأدلة التي وثّقت الفظائع الإسرائيلية خلال عدوان "عناقيد الغضب".
عدوان "عناقيد الغضب".. 17 يومًا من القصف والتهجير
بين 11 و27 أبريل 1996، شنّ الاحتلال الإسرائيلي عدوانًا واسعًا على لبنان عُرف إسرائيليًا باسم "عناقيد الغضب"، وأسفر، وفق منظمات حقوقية، عن استشهاد أكثر من 150 مدنيًا وجرح المئات، فيما تورد مصادر لبنانية حصيلة أعلى تقارب 170 شهيدًا أو أكثر.
ووفق عدد أرشيفي من جريدة "النهار" اللبنانية، استهدف الطيران الحربي الإسرائيلي في 11 أبريل، معقل قيادة حزب الله الرئيسي في الضاحية الجنوبية لبيروت، للمرة الأولى منذ عام 1982، بزعم "تحجيم قدرة حزب الله" ووقف إطلاق صواريخ الكاتيوشا من جنوب لبنان باتجاه شمال فلسطين المحتلة.
العدوان، الذي شهد أيضًا قصفًا واسعًا للبلدات والمدن الجنوبية، جاء بعد إطلاق صواريخ على مستوطنتَي نهاريا وكريات شمونة، ردًا على استشهاد فتى يبلغ 14 عامًا جراء انفجار قنبلة في قرية برعشيت في التاسع من الشهر نفسه، وفق صحيفة "الأخبار" اللبنانية.
وقد نزح خلال العدوان ما يقارب نصف مليون لبناني من الجنوب، وخلّف القصف الإسرائيلي دمارًا واسعًا في الممتلكات والمرافق العامة.
وانتهت العملية الإسرائيلية بما عُرف بـ"تفاهم نيسان" في 26 أبريل 1996.
مجزرة النبطية الفوقا
وقعت مجزرة النبطية الفوقا خلال الأيام الأولى من عدوان "عناقيد الغضب"، وقبل بضع ساعات من مجزرة قانا التي أدت إلى استشهاد أكثر من 100 مدني لجأوا إلى مقر الأمم المتحدة.
فعند الساعة السادسة والنصف من صباح 18 أبريل/ نيسان 1996، استهدفت غارة إسرائيلية منزل عائلة ملي في النبطية الفوقا، الذي كانت عائلة حسن العابد قد التجأت إليه، بعدما بعدما اختارت البقاء في بلدتها رغم أوامر الإخلاء.
شهداء عائلة العابد - مجزرة النبطية الفوقا
- الأم فوزية خواجة (43 عامًا) وأطفالها:
لولو (16 عامًا)- محمد (12 عامًا)
- علي (10 أعوام)
- هدى (9 أعوام)
- ندى (7 أعوام)
- مرتضى (4 أعوام)
- الرضيعة نور التي لم يتجاوز عمرها بضعة أيام
- صهر العائلة أحمد خليل بصل (23 عامًا)
حين تحوّل المنزل إلى ركام
كانت فوزية خواجة، زوجة حسن العابد، قد غادرت منزلها في حي العقيدة في الليلة السابقة، بعدما اشتد القصف الإسرائيلي، ولأن المكان يشرف على موقعين إسرائيليين في تلتَي الدبشة وعلي الطاهر.
وانتقلت حينها مع صغارها إلى منزل علي جواد ملي، الجار الذي ترك مفتاح منزله لمن يريد الاحتماء فيه، نظرًا إلى موقعه.
وكان منزل عائلة ملي مؤلفًا من طبقتين، واحتمت عائلة حسن العابد في طبقته الأرضية، لكن القصف الإسرائيلي دمّره عن بكرة أبيه في الصباح الباكر.
فاستشهدت الأم فوزية خواجة (43 عامًا)، وأطفالها: لولو (16 عامًا)، ومحمد (12 عامًا)، وعلي (10 أعوام)، وهدى (9 أعوام)، وندى (7 أعوام)، ومرتضى (4 أعوام)، والرضيعة نور التي لم يتجاوز عمرها بضعة أيام، وفق ما تورده صحيفة "السفير" في عدد أرشيفي.
كما استشهد، وفق المصدر نفسه، صهر العائلة أحمد خليل بصل (23 عامًا)، والذي كان في حينها خطيب الابنة الكبرى نجود التي نجت مع شقيقها إبراهيم، لكن المجزرة تركت عليهما جروحًا نفسية وجسدية.
نجود العابد تروي لحظات القصف والنجاة
لاحقًا، نُقل عن نجود قولها عن ذلك اليوم: "أيقظني صوت الطائرات تحلق فوقنا عند قرابة الساعة الخامسة صباحًا".
وأضافت أن الصوت استمر إلى ما بعد الساعة السادسة، ثم شعرت فجأة بحرارة شديدة وبسقوط الأنقاض والجثث من حولها.
ورد كلام نجود في موقع Refworld.org، وهو قاعدة البيانات القانونية والسياسية التابعة لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، نقلًا عن تقرير لمنظمة العفو الدولية أشار إلى أن القصف الإسرائيلي استهدف منزلين آخرين في ذلك اليوم.
كان المنزل الأول مجاورًا، ولم تسفر الغارة التي طالته عن وقوع إصابات. أما الثاني، فكانت تسكنه غنوة العابد، قريبة حسن، وزوجها عباس بصل، الذي استشهد شقيقه في منزل علي جواد ملي. وفيما تضرر منزل غنوة وعباس، لم يُصب أحد بأذى.
رواية الاحتلال أمام استنتاجات منظمة العفو الدولية
بعد وقت قصير على ارتكابه مجزرة النبطية الفوقا، خرج الجيش الإسرائيلي ببيان زعم فيه أن القصف جاء ردًا على هجوم شنّه حزب الله على موقع تابع له في "المنطقة الأمنية".
ووفق ادعاءات الاحتلال، التي حاول من خلالها تبرير جريمته، فرّ عناصر من حزب الله إلى منزل ناشط في الحزب قرب النبطية، وتعرضت مروحيات إسرائيلية لنيران مضادة للطائرات من المنطقة المحيطة بالمنزل، فأطلقت النار عليه وأصابته.
من جهته، علّق رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شيمون بيريز بأنه كان ينبغي على المدنيين الاستجابة للتحذيرات بمغادرة البلدة، متحدثًا عن "مفاجأته" من وجود مدنيين.
وأضاف، زاعمًا، أن الجيش الإسرائيلي لا يطلق النار إلا على المنازل التي يطلق منها حزب الله الصواريخ.
غير أن منظمة العفو الدولية، التي أشارت إلى أن استهداف المنازل الثلاثة كان نتيجة هجمات مباشرة ومتعمدة، قالت إنها لم تتمكن من التأكد مما إذا كان مقاتلو حزب الله قد أطلقوا صواريخ أو أسلحة أخرى من موقع قريب من المنزل قبل الهجوم، وفق موقع Refworld.org.
كما قالت إنها لا تملك أي دليل يربط سكان المنازل المستهدفة، التي كان من الواضح أنها أعيان مدنية، بحزب الله، ولا دليل على قيام الأخير باستخدام المنازل بغرض تخزين الأسلحة أو المعدات العسكرية.
وتعليقًا على فرضية قيام مقاتلي الحزب بإطلاق الصواريخ أو القذائف من موقع قريب من منزل عائلة ملي، ذكرت المنظمة أن هذه المواقع كانت، على الأرجح، مكشوفة للمراقبة من مواقع الجيش الإسرائيلي.
وأضافت أنه لا دليل، في حال كانوا قد فعلوا ذلك، على أنهم لجأوا إلى المنازل التي استُهدفت.
كما لم يتم العثور على دليل على وجود أي شخص آخر، غير الشهداء التسعة والناجيَين، تحت أنقاض المنزل الذي دُمر بالكامل. ووفق المنظمة، لم تشر إسرائيل بدورها إلى خلاف ذلك.
وأكدت أن مجرد افتراض وجود مقاتلين داخل المنازل لا يكفي قانونيًا لتبرير تدميرها على هذا النحو.
ورأت أن أي قرار بالهجوم، استنادًا إلى افتراض أن المدنيين غادروا المنطقة، يُظهر إهمالًا لمبدأ التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية.