تتسارع مأساة الجوع في قطاع غزة، مع ارتفاع عدد شهداء منتظري المساعدات أو بسبب سوء التغذية، ويفتك الجوع في القطاع المحاصر بالأطفال، فيما تظهر بيانات وزارة الصحة الفلسطينية أن أكثر من 260 ألف طفل دون سن الخامسة يعانون من نقص غذائي حاد، قد يودي بحياتهم في أي لحظة.
أما مدير مجمع الشفاء الطبي فأكد أن عدد شهداء الجوع يرتفع سريعًا، وأن نحو 17 ألف طفل دخلوا بالفعل مرحلة سوء التغذية الحاد، في وقت يقف 50 ألفًا آخرون على حافة الجوع التام.
وبينما يموت الناس جوعًا داخل القطاع، أتلف جيش الاحتلال الإسرائيلي نحو 1000 شاحنة مساعدات كانت تنتظر الدخول إلى غزة، بزعم فسادها تحت الشمس.
مناشدات لإنهاء المعاناة في قطاع غزة
وإزاء ذلك، ناشدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدول التحرك الجماعي العاجل لإنهاء المعاناة في قطاع غزة، وحذرت في بيان لها، من أن كل دقيقة تمر من دون التوصل إلى وقف إطلاق النار، تعني وفاة مزيد من المدنيين.
ووسط تفاقم المجاعة، أكدت تقارير إعلامية أميركية وإسرائيلية أن واشنطن لم تجد أدلة على مزاعم تتعلق بسرقة حماس للمساعدات الأممية في غزة.
كل ذلك يأتي في وقت تتواصل الانتقادات الدولية لآلية توزيع المساعدات التي ترعاها الولايات المتحدة الأميركية، وترتفع المطالبات بضرورة العودة إلى آلية واضحة وشفافة، تضمن إدخال المساعدات بشكل منتظم وعادل.
وتقول الأونروا في هذا السياق إن النظام السابق، القائم على إشراف أممي، كان أكثر فاعلية، وإن استمرار تغييب المؤسسات الدولية يعقد وصول الغذاء للناس، وتؤكد أن إسقاط الإمدادات جوًا لا يغني عن فتح معابر القطاع المحاصر.
تحذير من تفاقم الإبادة الجماعية في غزة عبر التجويع والتعطيش
وفي هذا الإطار، أكّد مدير جمعية "العودة الصحية المجتمعية" في غزة رأفت المجدلاوي، أن التجويع يشكّل إحدى مراحل الإبادة الجماعية التي يتعرض لها السكان في القطاع منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وفي حديثه للتلفزيون العربي من مدينة دير البلح، أشار المجدلاوي إلى أن الوضع في غزة أمام موت واستشهاد وقتل متعمد لأكثر من 100 فرد يوميًا، من بينهم أطفال ونساء.
وأوضح أن المنظمات الإنسانية الفلسطينية تعتبر سياسة التجويع جزءًا من عملية القتل الممنهج ضد المدنيين العزّل، الذين تُحرم حقوقهم الأساسية في الحصول على العلاج والرعاية الصحية والمياه.
وأكد المجدلاوي أن الوضع لا يقتصر على التجويع، بل يشمل التعطيش أيضًا، حيث بلغ شُح المياه مستويات حرجة وخطيرة للغاية.
ووجّه تحذيرًا من أن استمرار وفاة الأطفال بسبب الجوع سيقود خلال أيام قليلة إلى ارتفاع غير مسبوق في عدد الضحايا، مشيرًا إلى شرائح أخرى تعاني من التجويع مثل كبار السن والمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة، كما أشار إلى أن نحو 10 آلاف مريض بحاجة إلى العلاج خارج غزة، في ظل نقصٍ حادٍ في الخدمات والمساعدات الطبية.
وختم المجدلاوي بالتأكيد على وجود أدوات قانونية للمساءلة ومحاسبة إسرائيل، ليست مقتصرة على الإدارة الأميركية، بل تشمل آليات دولية مثل بروتوكول روما ومحكمة جنيف، في سبيل إنهاء الكارثة الإنسانية المتفاقمة في غزة.
السياسة الأميركية الداعمة لإسرائيل
من جهته، أوضح الدبلوماسي الأميركي السابق، وليام لورانس، أن اللوبي الإسرائيلي يُمارس تأثيرًا كبيرًا على الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة.
وفي حديث للتلفزيون العربي من واشنطن، أشار لورانس إلى أن ما يحدث في غزة من قتل آلاف الأشخاص أثناء محاولتهم الوصول إلى الغذاء، يتم بفعل السياسة الإسرائيلية، وبدعم من الولايات المتحدة.
وأضاف: "لسنا بحاجة إلى وقف إطلاق نار من أجل إطعام الجائعين، بل إن هذه المسؤولية تقع على من يشنون الحرب"، مؤكدًا أنه لا يوجد أي تبرير قانوني أو أخلاقي أو معنوي لتجويع الأطفال، وفقًا للقانون الدولي.
وانتقد لورانس الاتهامات التي تروّج لها وسائل الإعلام الأميركية ضد الأمم المتحدة بشأن عرقلة دخول المساعدات إلى غزة، مؤكدًا أن هذه الرواية "بعيدة جدًا عن الحقيقة".
وبالنسبة لمنع إسرائيل دخول هذه المساعدات، لفت لورانس إلى أن تل أبيب تريد أن تدار المساعدات من خلال مؤسسة غزة الإنسانية التي تقتل الأشخاص بالأسلحة.
وفيما يتعلق باتهامات سرقة المساعدات من قبل حركة حماس، أوضح لورانس أن هذه المزاعم تغذيها البروباغندا الإسرائيلية التي تؤثر على الموقف الأميركي، داعيًا إلى إجبار إسرائيل على السماح بدخول الإمدادات الغذائية والطبية، والعمل على كسر الحصار من خلال تحرك دولي جاد.
سياسة التجويع والفوضى في غزة
من جانبه، أكّد عدنان أبو حسنة، المستشار الإعلامي لوكالة الأونروا، أن توزيع المساعدات في قطاع غزة خلال العشرين شهرًا الماضية تم بانتظام دون تسجيل أي حالات قتل، في وقت كانت الوكالة مسؤولة مباشرة عن العملية.
وفي حديث للتلفزيون العربي من عمّان، أوضح أن إدخال المساعدات في المرحلة الراهنة يتم عبر 15 شاحنة تدخل من الشمال أو الجنوب، وتتحرك على بعد 500 متر من معبر زيكيم شمال القطاع، حيث يحتشد مئات الآلاف من المدنيين الجائعين بانتظارها.
وأضاف أن عددًا محدودًا من الناس يتمكن من الحصول على كيس طحين، بينما تُحرم الغالبية، ليتبع ذلك إطلاق نار كثيف يؤدي إلى مقتل الكثير منهم.
وأشار أبو حسنة إلى أنه لو تم توجيه هذه الشاحنات إلى مستودعات الأونروا، لتمكّنت الوكالة من إجراء عملية توزيع عادلة ومنظمة وشفافة تشمل جميع مناطق غزة.
وأكد أبو حسنة أن ما يجري حاليًا هو تنفيذ سياسة تجويع جماعي مبرمجة تستهدف جميع السكان، تواكبها فوضى مقصودة تهدف إلى شل قدرة المنظمات الأممية على أداء دورها.
وأوضح أن التناغم بين الفوضى والتجويع أنشأ هذه الحالة المميتة والقاسية في قطاع غزة، حيث مئات الآلاف يتضورون جوعًا.
واختتم بالقول إن هذا المشهد يراد له أن يستمر، ليُرسَّخ في أذهان الرأي العام العالمي صورة مفادها أن سكان غزة فوضويون، وبالتالي يصبح قتلهم أمرًا عاديًا يجب على العالم أن يعتاد عليه.