الثلاثاء 6 أكتوبر / أكتوبر 2026
Close

مئة عام على اتفاقية الرق.. كيف بقيت العبودية الحديثة في سوق العمل؟

مئة عام على اتفاقية الرق.. كيف بقيت العبودية الحديثة في سوق العمل؟ محدث 26 سبتمبر 2026

شارك القصة

تتخذ العبودية الحديثة أشكالاً متعددة تتخفى خلف واجهات قانونية- غيتي
تتخذ العبودية الحديثة أشكالًا متعددة، ويظل كثير منها بعيدًا عن الصورة التقليدية للرق – غيتي
تتخذ العبودية الحديثة أشكالًا متعددة، ويظل كثير منها بعيدًا عن الصورة التقليدية للرق - غيتي
الخط
بعد قرن على اتفاقية الرق لعام 1926، لا تزال أشكال العمل الجبري والاتجار وعبودية الديون تحاصر ملايين الأشخاص داخل أسواق العمل الحديثة.

قبل قرن كامل، وتحديدًا في 25 سبتمبر/ أيلول 1926، وُقّعت في جنيف تحت مظلة عصبة الأمم "اتفاقية الرق"، في محطة أساسية من مسار تجريم الاستعباد وتجارة البشر دوليًا.

عرّفت الاتفاقية الرق بأنه وضع أو حالة شخص تمارس عليه بعض أو كل السلطات المرتبطة بحق الملكية، وألزمت الدول الأطراف بمنع تجارة الرقيق وقمعها، والعمل تدريجيًا وبأسرع ما يمكن على إلغاء الرق بجميع أشكاله. ولم تغفل الاتفاقية العمل القسري، إذ دعت إلى اتخاذ التدابير اللازمة لمنعه من التحول إلى أوضاع شبيهة بالرق.

بعد مئة عام، اختفت أسواق الرقيق العلنية وعقود ملكية البشر من الأنظمة القانونية في معظم العالم، لكن أشكال الاستغلال القائمة على الإكراه والسيطرة لم تختفِ. فقد أعادت الظهور بصور أكثر تعقيدًا داخل سوق العمل والهجرة وسلاسل التوريد والديون، فيما بات مصطلح "العبودية الحديثة" مظلةً لمجموعة من الممارسات التي يفقد فيها الإنسان قدرته الفعلية على رفض الاستغلال أو مغادرته.


1926 الرق وتجارة الرقيق في صلب الاتفاقية  اليوم الإكراه قد يأتي عبر العمل والدَّين والسيطرة على الحركة

1926: 
الرق وتجارة الرقيق في صلب الاتفاقية
اليوم:
الإكراه قد يأتي عبر العمل والدَّين والسيطرة على الحركة

أشكال العبودية المعاصرة


تعرّف منظمة "مناهضة الرق الدولية" العبودية الحديثة بأنها الحالة التي يُستغل فيها الفرد من الآخرين لتحقيق مكاسب شخصية أو تجارية، ويفقد فيها حريته بفعل الخداع أو الإكراه أو القوة. ويشمل المصطلح، من بين أشكال أخرى، العمل الجبري والاتجار بالبشر وعبودية الديون.

لكنّ العبودية لم تعد بحاجة إلى سوق علنية أو وثيقة ملكية كي تستمر. فقد تكيفت أشكال الاستغلال مع الاقتصاد الحديث، وصارت تظهر في علاقات عمل تبدو قانونية من الخارج فيما تكون حرية العامل في الداخل مقيدة بالإكراه أو الدَّين أو التهديد.

وهكذا، تتخذ العبودية الحديثة أشكالاً متعددة تتخفى خلف واجهات قانونية هشة:

العمل الجبري والاتجار بالبشر

يُجبر أشخاص على أداء أعمال لم يختاروها بحرية، أو يصبحون عاجزين عن تركها بسبب التهديد بالعنف أو الترحيل أو حجب الأجور أو غير ذلك من وسائل الإكراه.

وقد يتقاطع ذلك مع الاتجار بالبشر عندما يجري تجنيد الأشخاص أو نقلهم أو إيواؤهم بغرض استغلالهم، فيما تزيد هشاشة المهاجرين، ولا سيما في مسارات الهجرة غير النظامية، من احتمالات الوقوع في هذه الممارسات.


الاستغلال الجنسي التجاري القسري

يُستخدم فيه العنف أو التهديد أو الخداع أو استغلال حالة الضعف لإجبار الضحايا على أنشطة جنسية تجارية لا يستطيعون رفضها أو مغادرتها.

استعباد الديون

يقع العامل في دين يصعب الخروج منه، نتيجة قرض أو رسوم استقدام أو اقتطاعات متكررة، ثم يُجبر على مواصلة العمل لسداد مبالغ قد تتضخم أو تظل خارج سيطرته. وتصف "مناهضة الرق الدولية" عبودية الديون بأنها أحد أكثر أشكال العبودية الحديثة انتشارًا.

العبودية القائمة على النسب

من أقدم أشكال الاستعباد وأكثرها تجذرًا في بعض المجتمعات، إذ يولد أشخاص داخل وضع اجتماعي يُعاملون فيه باعتبارهم تابعين أو ملكية للآخرين، وينتقل هذا الوضع عبر الأجيال.

استغلال الأطفال والزواج القسري

يشمل استغلال الأطفال في الاتجار والعمل والخدمة المنزلية والتجنيد، إلى جانب حالات الزواج التي لا تتوافر فيها حرية الموافقة أو القدرة على الانسحاب.

الخدمة المنزلية القسرية

 قد يصبح العمل المنزلي، بسبب العزلة داخل المنازل وضعف التفتيش والحماية القانونية، بيئة يسهل فيها فرض ساعات عمل مفرطة أو حجز الأجور أو تقييد الحركة وتحويل علاقة العمل إلى حالة من الإكراه.

ولا تُعد مصادرة جواز السفر أو تقييد الحركة شكلًا مستقلًا من العبودية في حد ذاته، لكنها قد تتحول إلى وسيلة للإكراه عندما تُستخدم لمنع العامل من تغيير وظيفته أو مغادرة مكان العمل أو العودة إلى بلده، إلى جانب التهديد بالترحيل أو حجب الأجر أو فرض الديون. 


يعتمد أصحاب العمل في العديد من القطاعات الهشة على مصادرة جوازات سفر العمال- غيتي
 تعد مصادرة جوازات السفر أو منع العامل من الوصول إلى وثائقه من أدوات الإكراه التي قد تزيد قدرته على الخضوع لصاحب العمل - غيتي 

واقع العبودية المعاصرة بالأرقام


تكشف أحدث التقديرات العالمية المتاحة عن اتساع الفجوة بين تجريم العبودية قانونيًا واستمرار أشكال الإكراه والاستغلال في الواقع. وتستند هذه التقديرات، التي نشرتها منظمة العمل الدولية و"ووك فري" والمنظمة الدولية للهجرة عام 2022، تستند إلى أوضاع عام 2021، ولا تزال الأحدث عالميًا.

ويعيش نحو 50 مليون شخص في ظروف تصنف ضمن "العبودية الحديثة" في أي يوم حول العالم، أي ما يقارب شخصًا واحدًا من كل 150 شخصًا.

ومن هؤلاء، يقع 27.6 مليون شخص في العمل الجبري، بينما يعيش 22 مليونًا في زيجات قسرية، بحسب منظمة العمل الدولية.

وينقسم ضحايا العمل الجبري إلى نحو 17.3 مليون شخص يتعرضون للاستغلال في الاقتصاد الخاص، و6.3 ملايين في الاستغلال الجنسي التجاري القسري، و3.9 ملايين في أعمال قسرية تفرضها سلطات دول.


1926 إلى 2026: أشكال العمل القسري

وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن العمل الجبري في الاقتصاد الخاص يولّد نحو 236 مليار دولار من الأرباح غير القانونية سنويًا، وهي مبالغ تعكس في جانب كبير منها أجورًا ودخولًا تُنتزع من الضحايا بفعل الإكراه.

ويواجه العمال المهاجرون خطر الوقوع في العمل الجبري بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة بغير المهاجرين، بسبب عوامل تشمل ضعف الحماية القانونية، وممارسات الاستقدام غير العادلة، والوضع القانوني الهش لبعض العمال.

كما يبلغ عدد الأطفال الواقعين في العمل الجبري نحو 3.3 ملايين طفل، أي نحو 12% من إجمالي ضحاياه، وأكثر من نصفهم عالقون في الاستغلال الجنسي التجاري القسري.


تشير أحدث التقديرات العالمية المتاحة إلى أن نحو 50 مليون شخص كانوا يعيشون في أوضاع من العبودية الحديثة – غيتي
تشير أحدث التقديرات العالمية المتاحة إلى أن نحو 50 مليون شخص كانوا يعيشون في أوضاع  من العبودية الحديثة - غيتي

ثغرات سلاسل التوريد


يساعد تعقيد سلاسل التوريد العالمية وكثرة طبقات التعاقد على خلق مسافة بين الشركات التي تبيع المنتج النهائي والعمال الذين يشاركون في إنتاجه. فقد تنتقل عملية التصنيع من شركة إلى مورد، ثم إلى مقاول من الباطن، وأحيانًا إلى ورش أو عمال خارج الاقتصاد الرسمي.

ولا تعني كثرة التعاقدات الفرعية أن الاستغلال يحدث بالضرورة، لكنها قد تجعل تتبع ظروف العمل أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تكون الرقابة ضعيفة أو تتنافس الجهات المتعاقدة على خفض التكاليف وتسريع الإنتاج.

في أسفل هذه السلسلة، يكون العمال غير المنظمين نقابيًا أو المهاجرون أو من يعملون بلا حماية اجتماعية أكثر عرضة لتحمل ضغط خفض الكلفة، سواء عبر الأجور المنخفضة أو ساعات العمل الطويلة أو رسوم الاستقدام أو ظروف السكن والعمل غير الآمنة.


يعيش27.6  مليون شخص من إجمالي الضحايا م في دائرة العمل الجبري القطاعي- غيتي
تتركز أشكال من العمل الجبري في قطاعات تعتمد على أيدٍ عاملة منخفضة الأجر أو على سلاسل توريد متعددة المستويات – غيتي

النظم القانونية المحلية وأزمة الحماية


إلى جانب الثغرات الاقتصادية، يمكن لبعض القواعد القانونية وضعف إنفاذها أن يزيدا قابلية العمال للاستغلال. وتبرز في هذا السياق بعض أنظمة رعاية العمال المهاجرين المعروفة باسم "الكفالة"، التي لا تزال قائمة بصور ودرجات متفاوتة في عدد من الدول، في وقت شهدت دول أخرى إصلاحات ألغت أجزاء واسعة من القيود المرتبطة بها.

وتحذر منظمة العمل الدولية من أن نظم الرعاية التي تربط قدرة العامل على تغيير صاحب العمل أو وضعه القانوني بالمُشغّل يمكن أن تخلق اختلالًا كبيرًا في ميزان القوة، وأن تزيد مخاطر الاستغلال والعمل الجبري.

ولا يأتي الخطر من اسم النظام وحده، وإنما من مدى قدرة العامل عمليًا على ترك الوظيفة وتغيير صاحب العمل والوصول إلى العدالة والاحتفاظ بوثائقه والحصول على أجره دون الخوف من فقدان وضعه القانوني.



وتضاف إلى ذلك هشاشة العمل في الاقتصاد غير الرسمي. فوفق تقرير منظمة العمل الدولية عن اتجاهات التشغيل لعام 2026، يعمل نحو 2.1 مليار شخص في وظائف غير رسمية، كثيرًا ما تفتقر إلى بعض أشكال الحماية الأساسية أو الضمان الاجتماعي أو استقرار الدخل.

ولا يعني العمل غير الرسمي تلقائيًا وجود استغلال أو عمل جبري، لكن غياب العقد الواضح والتفتيش الفعّال وآليات الشكوى والحماية الاجتماعية يمكن أن يترك بعض العمال أكثر عرضة لانتهاكات لا يستطيعون الاعتراض عليها أو مغادرتها بسهولة.


أين يختفي العامل؟

الحاجة لعدالة اقتصادية


بعد مئة عام على اتفاقية الرق لعام 1926، نجح القانون الدولي في ترسيخ مبدأ أساسي:

لا يمكن أن يكون الإنسان ملكًا لإنسان آخر، ولا يمكن التعامل مع البشر كسلعة مشروعة في السوق.

لكن انتهاء الرق بوصفه مؤسسة قانونية لم يؤد إلى اختفاء كل العلاقات القائمة على الإكراه والسيطرة. فالديون ورسوم الاستقدام وحجز الأجور والوثائق، والخوف من فقدان الإقامة، والتعاقدات التي تُبعد العامل عن الجهة المستفيدة من عمله، كلها يمكن أن تنتج قيودًا لا تشبه الأغلال القديمة في شكلها، لكنها قد تؤدي الوظيفة نفسها: حرمان الإنسان من القدرة الفعلية على الرفض أو المغادرة.

ولهذا لم تعد مواجهة العبودية الحديثة مرتبطة بحظر قانوني واحد، وإنما بقدرة الدول والشركات على حماية حرية العامل، وضبط عمليات الاستقدام، وملاحقة الاتجار، وتفتيش أماكن العمل، ومراقبة سلاسل التوريد، وضمان الوصول إلى القضاء وتغيير الوظيفة من دون تهديد أو انتقام.


بعد قرن من اتفاقية جنيف، تبدلت أشكال القيود، لكن السؤال الذي حاولت الاتفاقية الإجابة عنه ما زال قائمًا: كيف تصبح الحرية القانونية حرية فعلية داخل مكان العمل؟
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي