في نهاية فيلم "زائر الفجر"، أحد الأفلام النادرة التي لم تحظ بشهرة توازي مستواها الفني وأهميتها في سياق مقاربة السينما المصرية للهزيمة والنصرخلال ستينيات القرن الماضي ومطلع سبعينياته، ثمة مشهد يلخّص الحكاية كلها: حكاية منع الفيلم بعد أسبوع واحد من عرضه، وقصة الصحافية اليسارية نادية الشريف التي تتمحور حولها أحداثه.
ينظر المحقق حسن الوكيل (عزت العلايلي) من النافذة، فيطلّ على القاهرة الممتدة من القلعة إلى الأهرامات. تقف إلى جواره سعاد، أرملة أحد شهداء حرب عام 1967، التي حاولت خالتها المتنفذة "نانا" دفعها إلى العمل في الدعارة.
يقول المحقق بأسى إنه عرف الآن لماذا "هُزمنا" في حرب عام 1967، قبل أن تنتهي أحداث الفيلم بعبارة تظهر على الشاشة وتقول إن القضية حُفظت في العاشر من يونيو/ حزيران 1970.
القضية التي حُفظت هي قضية موت الصحافية اليسارية الشابة نادية الشريف (ماجدة الخطيب) في ظروف غامضة، وسط مؤشرات ترجّح تعرّضها للقتل أو الدفع إلى الموت تحت وطأة الخوف والقهر.
كما يحمل تاريخ حفظ القضية إحالة غير مباشرة إلى مظاهرات التاسع والعاشر من يونيو/ حزيران 1967، التي اجتاحت القاهرة ومدنًا مصرية أخرى، رافضة تنحّي الرئيس جمال عبد الناصر بعد الهزيمة العسكرية.في ليلة التاسع من يونيو.
يمتد زمن الحكايات التي يستعيدها أبطال الفيلم من المرحلة السابقة لهزيمة الخامس من يونيو/ حزيران 1967 إلى منتصف عام 1970، قبل أشهر قليلة من وفاة عبد الناصر في سبتمبر/ أيلول من العام نفسه.
"زائر الفجر" وهزيمة يونيو
لا تبدو التواريخ في "زائر الفجر" بريئة، فقد وُظفت بذكاء بالغ للإشارة إلى واحدة من أكثر المراحل أهمية في تاريخ مصر الحديث، إذ أحدثت هزيمة عام 1967 جرحًا عميقًا في الوعي المصري، وزلزلت قناعات بدت راسخة طوال سنوات.
كما دفعت الهزيمة لاحقًا إلى موجة قاسية من المراجعات والنقد الذاتي، تجسدت في مئات الدراسات والنصوص الروائية والأفلام، ومنها "زائر الفجر" و"الظلال في الجانب الآخر"، وإن لم يكونا من أشهر أفلام تلك المرحلة.
يندرج الفيلمان إلى جانب أعمال أخرى مثل "العصفور" ليوسف شاهين و"الكرنك" لعلي بدرخان، الذي واجه بدوره معركة رقابية، قبل أن يُقرأ ضمن سياق سياسي يرفع من شأن حقبة الرئيس أنور السادات في مقابل عهد سلفه عبد الناصر.
وكما أن التواريخ ليست بريئة في "زائر الفجر"، ينطبق الأمر على الأماكن التي تدور فيها أحداثه أيضًا.
يبدأ الفيلم ببلاغ عن موت امرأة في شارع التحرير، الذي يقود إلى ميدان التحرير، أشهر ميادين العاصمة المصرية، والذي شهد مظاهرات المعارضين في أواخر الحقبة الناصرية وتحركات الطلاب واليساريين والعمال في السنوات الأولى من حكم السادات.
توحي هذه الاختيارات بأن تصفية حسابات قاسية تدور في مكان وتوقيت يحيلان معًا إلى الهزيمة الأكبر في التاريخ المصري الحديث.
من قتل الصحافية اليسارية نادية الشريف؟
يُعثر على الصحافية نادية الشريف ميتة في شقتها، فيتولى وكيل النيابة الذي رُقّي حديثًا، حسن الوكيل، التحقيق في القضية.
يفيد تقرير الطبيب الشرعي بأن الوفاة حدثت نتيجة هبوط مفاجئ في القلب، لكن المحقق يستبعد فرضية الموت الطبيعي، ولا سيما بعد ملاحظته رضوضًا على وجه المتوفاة. يبدأ تحقيقات موسعة، مقتنعًا بأن ثمة جريمة وقعت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، كما يشكك في الشائعات التي تصف نادية بأنها امرأة سيئة السمعة.
تسبّب منع "زائر الفجر" في إفلاس بطلته ومنتجته ماجدة الخطيب
يحقق حسن مع زوجها الطبيب (يوسف شعبان)، وجيرانها، ورسّام كانت تعرفه، وآخرين من بينهم "نانا" (تحية كاريوكا)، التي تدير صالونًا لتجميل النساء، ومع ابنة شقيقتها سعاد (زيزي مصطفى)، صديقة المتوفاة.
يكتشف المحقق أن نادية كانت صاحبة تاريخ يساري، وأنها انخرطت في نشاط سياسي حاول مواجهة آثار الهزيمة، ما عرّضها للملاحقة والاعتقال فيما مضى، وأنّ ملفها ظلّ مفتوحًا لدى الأجهزة الأمنية التي حاصرتها، وساهمت في تشويه سمعتها.
تقوده التحقيقات إلى مجموعة من الأشخاص الذين يمتلك كل منهم دافعًا محتملًا للتخلص منها، قبل أن تتركز شكوكه على "نانا".
يكتشف أن المرأة التي تتمتع بعلاقات مع مسؤولين نافذين في الأجهزة الأمنية تدير شبكة دعارة داخل فيلتها، وأنها دخلت في صدام مع نادية بعدما اكتشفت الصحافية ما يجري، فيأمر بالقبض عليها.
يكتشف أن الأخيرة التي تتمتع بعلاقات مع متنفذين كبار يعملون في الأجهزة الأمنية، تدير شبكة دعارة في فيلتها الخاصة، وأنها اصطدمت مع الصحافية المتوفاة على خلفية هذا الأمر، فيأمر بإيقافها.
سرعان ما يكتشف حسن أن نفوذ "نانا" أكبر مما يتصور. تصدر إليه أوامر عليا بالإفراج عنها، فينفذها مرغمًا، قبل أن يُطلب منه حفظ التحقيق كله.
يتناول "زائر الفجر" التحالف المعقد للقمع السياسي مع الفساد الاخلاقي في المجتمع
يظهر المحقق في حديثه مع زوجته، التي تعتزم استكمال دراستها في الحقوق (مديحة كامل)، غاضبًا ويائسًا، ويقول إن افتتاح محل لبيع "لحمة الرأس" ربما كان أفضل له من العمل في النيابة.
عندما يعثر لاحقًا على سعاد، ابنة شقيقة "نانا" وصديقة نادية، بعدما رفضت العمل في الدعارة، ينظر إلى القاهرة بأسى ويقول إنه عرف أخيرًا لماذا "هُزمنا" عام 1967.
لم تكن الضحية نادية الشريف وحدها، التي لاحقها "زوّار الفجر" وشائعات الأجهزة الأمنية، وإنما وطن بأسره ساهم كثيرون في قتله، عبر فساد متجذر في بنية المجتمع والدولة، وتحالف معقد بين القمع السياسي والانحلال الأخلاقي واستغلال البشر.
ربما لهذا السبب مُنع الفيلم.
ممدوح شكري.. مخرج مات بعد منع فيلمه
أخرج "زائر الفجر" المخرج المصري ممدوح شكري، أحد مؤسسي "جماعة السينما الجديدة"، التي تأسست عام 1968 وضمّت علي عبد الخالق، ورأفت الميهي، وغالب شعث، ومحمد راضي، وأحمد متولي، وسمير فريد، ومحمود عبد السميع، وآخرين.
سعت الجماعة إلى تقديم سينما بديلة، وقدمت أعمالًا من بينها "أغنية على الممر" عام 1972 للمخرج علي عبد الخالق، الذي ناقش تداعيات هزيمة عام 1967، و"الظلال في الجانب الآخر" عام 1973 للمخرج الفلسطيني غالب شعث.
توفي ممدوح شكري عن 34 عاما متأثرا بكآبة أعقبت منه فيلمه
خلال الفترة نفسها، أخرج شكري "زائر الفجر"، الذي أنتجته الفنانة ماجدة الخطيب وقامت ببطولته. انتهى تصوير الفيلم في أواخر عام 1972، وعُرض تجاريًا في 22 يناير/ كانون الثاني 1973، بعدما سبقته عروض خاصة للنقاد والسينمائيين.
سُحب الفيلم من دور العرض بعد أسبوع واحد بقرار سيادي، ولم توافق الرقابة على إعادة عرضه إلا عام 1975، بعد حذف نحو عشرين مشهدًا منه. لم يستمر عرضه طويلًا، وظل بعيدًا عن قنوات التلفزيون المصري لعقود.
رحلة الفيلم: من الإنتاج إلى المنع
احتوت النسخة الأصلية حوارات اعتُبرت شديدة الجرأة، من بينها عبارة:
"البلد دي ريحتها فاحت ولازم تتحرق زي صفيحة الزبالة".
ألحق قرار المنع خسائر كبيرة بمنتجة الفيلم ماجدة الخطيب، وصلت، بحسب الروايات المتداولة، إلى إفلاسها. أما ممدوح شكري، فدخل بعد مصادرة الفيلم في حالة اكتئاب قاسية، ثم توفي في 30 ديسمبر/ كانون الأول 1973، عن أربعة وثلاثين عامًا.
"خرج ممدوح "أوهام الحب" عام 1970 من بطولة نجلاء فتحي
ساهم منع الفيلم ورحيل مخرجه المبكر في إحاطة تجربته بهالة أسطورية. حدث أمر مشابه مع المخرج الفلسطيني غالب شعث، الذي قدّم فيلمه الروائي الوحيد "الظلال في الجانب الآخر" خلال الفترة نفسها، وتعرّض فيلمه للمنع أيضًا، ليظل تداول العملين محدودًا ونخبويًا رغم أهميتهما ضمن أفلام الهزيمة والنصر.
"المذنبون" و"زائر الفجر".. جريمتان تكشفان مجتمعًا
يرتبط "زائر الفجر" أيضًا بفيلم آخر يكاد يكون نسخة أخرى منه، على الأقل على صعيد البنية الدرامية المتشابهة، وهو "المذنبون" الذي أُنتج عام 1975، وأخرجه سعيد مرزوق عن قصة للروائي الحاصل على جائزة نوبل في الآداب نجيب محفوظ. وقد تعرّض الفيلم للمنع أيضًا بعد بدء عرضه.
تدور أحداث "المذنبون" حول مقتل ممثلة سينمائية شهيرة، ثم تكشف التحقيقات مع المشتبه فيهم شبكة واسعة من الفساد والجرائم التي لا تقل فداحة عن جريمة قتلها.
ملصق فيلم المذنبون لسعيد مرزوق ومن بطولة سهير رمزي
يبدأ الفيلم بصورة الممثلة سناء كامل (سهير رمزي) مقتولة في غرفة نومها، على نحو يشبه افتتاح "زائر الفجر"، الذي يبدأ بالعثور على الصحافية نادية الشريف ميتة في شقتها.
وبينما تدور الشكوك حول عدد من الأشخاص بالضلوع في مقتل الصحافية، تقود التحقيقات حولهم إلى قصص فساد ومراكز نفوذ متعددة المستويات.
ويحدث الأمر نفسه في فيلم "المذنبون"، حيث تقود التحقيقات إلى فساد وجرائم متراتبة ومتعددة المستويات، تكون ذروتها مقتل الممثلة المشهورة التي كانت على علاقة جنسية مع مسؤول أمني كبير (كمال الشنّاوي) بالإضافة إلى آخرين.\
تتحول جريمة القتل بذلك إلى مدخل للكشف عن فساد أوسع من الجريمة نفسها.
وبالإضافة إلى جرأته في تناول قضية الفساد، بما يظهرة جزءًا بنيويًا من المجتمع والدولة المصريين، فقد احتوى الفيلم ما اُعتبر لقطات لا تقلّ جرأة عن مقاربة الفساد والمتورطين فيه، إذ ظهرت بطلة الفيلم سهير رمزي شبه عارية في كثير من المشاهد، وهو ما تم حذفه في العروض اللاحقة.
الفيلم الذي منعه السادات
أجازت الرقابة على المصنفات فيلم "المذنبون"، وبدأ عرضه في مصر وبعض الدول العربية في سبتمبر/ أيلول 1976، قبل أن يُسحب من دور السينما بأمر من الرئيس أنور السادات، وسط شكاوى برلمانية وإعلامية اتهمته بالإساءة إلى صورة مصر.
فقد أثار عرضه ضجة كبيرة شملت مجلس الشعب (البرلمان) الذي تلقى شكاوى من مواطنين وعاملين في الخارج تطالب بمنع الفيلم وترى أنه يسيء إلى صورة البلاد، فأحال المجلس هذه الشكاوى إلى وزير الإعلام والثقافة في حينه، جمال العطيفي، الذي قرر سحب الفيلم.
أُحيلت رئيسة الرقابة وعدد من موظفي الجهاز إلى المحكمة التأديبية بسبب إجازة عرضه، وانتهت الأزمة بإبعاد رئيسة الرقابة عن منصبها.
اتهمت سهير رمزي المخرج سعيد مرزوق بتضليلها لدى تصويره بعض مشاهد الفيلم
لم يقتصر الأمر على هؤلاء بل توسّع بتشديد الرقابة على المصنفات الفنية كلها، بصدور القرار رقم 220 لعام 1976 الذي قضى بمنع جميع المشاهد والحركات والعبارات ذات الدلالة الجنسية في الأفلام،وكذلك منع مشاهد الرقص وجرائم الانتقام والأخذ بالثأر والانتحار، ومنع عرض المشكلات الاجتماعية بطريقة "تدعو إلى إشاعة اليأس في نفوس الجماهير ".
اُتهم الفيلم بالعمل على تشويه صورة المجتمع المصري ومنع، ولم يُجَز الفيلم إلا بعد حذف أغلب مشاهد العري، ولم يُعرض في دور السينما إلا مع إشارة أنه لا يصلح إلا للكبار فقط، كما رفضت قنوات التلفزة المصرية عرضه ولا تزال.
ورغم ذلك استمر عرض الفيلم نحو أربعة أشهر، ونال عماد حمدي جائزة أفضل ممثل عن دوره في الفيلم في مهرجان القاهرة السينمائى عام 1976.
مع ذلك، يظل "زائر الفجر" أكثر التصاقًا بهزيمة عام 1967. فهو خلف سؤاله عمّن قتل نادية الشريف، يسأل أيضًا: مَن صنع المناخ الذي قاد مصر إلى الهزيمة، ومَن امتلك السلطة الكافية لإغلاق التحقيق قبل الوصول إلى الإجابة؟