دخلت العلاقات النووية بين روسيا والولايات المتحدة مرحلة غير مسبوقة مع انتهاء صلاحية معاهدة "نيو ستارت" الموقعة عام 2010، أمس الأربعاء، من دون التوصل إلى اتفاق بديل أو عقد محادثات رسمية لتمديدها.
وبانقضاء أجل هذه المعاهدة، تُرفع آخر القيود القانونية التي حدّت على مدى أكثر من نصف قرن من حجم الترسانات النووية الإستراتيجية لدى أكبر قوتين نوويتين في العالم، حيث تمتلكان أكثر من 80% من الترسانة النووية العالمية.
نهاية إطار الضبط النووي
شكّلت معاهدة "نيو ستارت" حجر الأساس في منظومة الحد من الأسلحة النووية، إذ وضعت سقفًا صارمًا لعدد الرؤوس الحربية النووية الإستراتيجية التي يمكن لكل من موسكو وواشنطن نشرها، إضافة إلى القيود المفروضة على الصواريخ الباليستية والقاذفات الاستراتيجية البرية والبحرية والجوية.
ومع غياب هذه القيود، بات الطرفان نظريًا قادرين على زيادة ترساناتهما، رغم أن أي توسع فعلي سيصطدم بعقبات تقنية ومالية ويستغرق سنوات.
نهاية معاهدة "نيو ستارت" بين روسيا والولايات المتحدة تفتح الباب أمام عودة "سباق النسلح النووي" في العالم تقرير: فاتن اللامي pic.twitter.com/GomYW00oq3
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) February 5, 2026
ووُقعت "نيو ستارت في العاصمة التشيكية براغ عام 2010 بين الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري مدفيديف، وشكلت جزءًا أساسيًا من سياسة "إعادة التفعيل" التي تبنتها الإدارة الأميركية لتعزيز العلاقات مع الكرملين بعد سنوات من التوتر.
خفض الترسانات والقيود الأساسية
حدّت المعاهدة من الترسانتين النوويتين لكل من روسيا والولايات المتحدة إلى 1550 رأسًا حربيًا قابلة للنشر، أي أقل بنسبة 30% مقارنة بالحدود المقررة في اتفاقيات 2002، كما فرضت قيودًا على عدد منصات الإطلاق والقاذفات الثقيلة، والتي بلغت 800 لكل طرف، وهو رقم كافٍ لإلحاق دمار شامل في حال استخدامه.
وتضمنت المعاهدة آليات تفتيش مشتركة للمواقع العسكرية، وفق مبدأ "ثقوا لكن تحققوا" الذي أرساه الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغن لضمان الشفافية بين الطرفين، كما صُممت آلية تجديد الاتفاقية لتكون بسيطة، وتتطلب فقط موافقة الطرفين عبر مذكرة دبلوماسية.
تمديد المعاهدة حتى 2026
تعثرت المفاوضات لتجديد المعاهدة خلال ولاية دونالد ترمب، الذي طالب بإشراك الصين ضمن القيود النووية. وفي يناير/ كانون الثاني 2021، توصلت إدارة جو بايدن وموسكو إلى اتفاق لتمديد المعاهدة خمس سنوات حتى 5 فبراير/ شباط 2026.
وكانت العلاقات بين موسكو وواشنطن قد بلغت أدنى مستوياتها قبل الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير/ شباط 2022، مع تصاعد الخلافات في ملفات دولية متعددة.
في 9 أغسطس/ آب 2022، أعلنت روسيا تعليق عمليات التفتيش الأميركية على مواقعها العسكرية، مبررة ذلك بالعراقيل التي تواجهها عمليات التفتيش الروسية المماثلة في الولايات المتحدة.
وجرى التخطيط لعقد اجتماع في القاهرة بين 29 نوفمبر/ تشرين الثاني و6 ديسمبر/ كانون الأول 2022 لاستئناف عمليات التفتيش، لكنه أُرجئ إلى أجل غير محدد، مع اتهام موسكو لواشنطن بـ"العدائية" و"بث السموم". وفي 1 فبراير/ شباط 2023، اتهمت روسيا الولايات المتحدة بـ"تدمير الإطار القانوني" للمعاهدة.
مواقف متقابلة ورسائل سياسية
وتأتي هذه الخطوة الروسية بعد انسحاب الولايات المتحدة خلال ولاية ترمب من اتفاقيتين دوليتين بارزتين، وهما الاتفاق النووي الإيراني ومعاهدة "السماوات المفتوحة" للمراقبة الجوية، التي انسحبت منها موسكو لاحقًا.
كما تراجعت واشنطن عن أبرز بنود معاهدة القوات النووية المتوسطة المدى المبرمة خلال الحرب الباردة، ما عزز من حالة التوتر وعدم الثقة بين القوتين النوويتين.
وأعلنت موسكو انفتاحها على محادثات أمنية مستقبلية، لكنها شددت على الرد بحزم على أي تهديدات، مؤكدة أن واشنطن تجاهلت مقترح بوتين بتمديد الالتزام بالقيود النووية لعام إضافي.
في المقابل، اقتصرت واشنطن على الإشارة إلى أن الرئيس ترمب سيحدد الخطوات المقبلة، مع التأكيد على رغبته في إشراك الصين في أي ترتيبات مستقبلية للحد من التسلح.
ووصفت الصين انتهاء المعاهدة بأنه أمر مؤسف، داعية إلى استئناف الحوار بين موسكو وواشنطن. كما حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن العالم يمر بلحظة حرجة للأمن الدولي، مطالبًا بالتفاوض على إطار جديد للحد من التسلح النووي.
وفي الوقت نفسه، دعا بابا الفاتيكان إلى الحفاظ على القيود السابقة وتجاوز منطق الخوف.
ويأتي هذا بينما انخفض المخزون النووي العالمي إلى نحو 12 ألف رأس حربي عام 2025، رغم استمرار تحديث الترسانات الكبرى وإعادة المخاوف من تصعيد محتمل.