يعود أحد متحورات فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) للظهور بقوة بعد فترة طويلة من التداول المحدود.
يُطلق على هذا المتحور اسم "سيكادا" نظراً لفترة سباته الطويلة وعودته الصاخبة إعلاميًا، في إشارة إلى ظهوره المتأخر بعد فترة من الخفوت.
أما علميًا، فيحمل الرمز BA.3.2، وهو سلالة متفرعة من فيروس SARS-CoV-2 ضمن متحورات أوميكرون.
وقد وضعته الهيئات الصحية تحت المراقبة بسبب عدد طفراته الكبير، وما قد يتيحه ذلك من قدرة أكبر على التهرب المناعي مقارنة ببعض السلالات السابقة
ويُساهم حاليًا في ارتفاع مطرد في عدد الإصابات حول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، وفق صحيفة "نيويورك بوست".
لكن هل يعني ذلك عودة الفيروس إلى مرحلة الخطر القصوى التي عرفها العالم في ذروة الجائحة؟
رُصِد أولًا في جنوب إفريقيا ثمّ اتسع حضوره
رُصدت هذه السلالة للمرة الأولى في جنوب إفريقيا في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، لكنها لم تبدأ في تسجيل ارتفاع ملحوظ في الرصد إلا اعتبارًا من سبتمبر/ أيلول 2025.
وحتى 11 فبراير/ شباط 2026، كانت قد سُجلت في 23 دولة على الأقل، بحسب بيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأميركية.
وفي الولايات المتحدة، سُجل أول رصد لها في 27 يونيو/ حزيران 2025 لدى مسافر قادم من هولندا عبر برنامج المراقبة الجينية في مطار سان فرانسيسكو الدولي، بينما ظهر أول رصد سريري داخل البلاد في عينة أُخذت من مريض في 5 يناير/ كانون الثاني 2026.
وحتى 11 فبراير، كانت السلالة قد رُصدت لدى أربعة مسافرين، وفي خمس عينات سريرية لمرضى، وثلاث عينات من مياه صرف الطائرات، إضافة إلى 132 عينة من مياه الصرف الصحي في 25 ولاية.
ورغم هذا التوسع في الرصد، لا يزال BA.3.2 بعيدًا عن أن يكون السلالة المهيمنة في الولايات المتحدة؛ إذ قدّرت بيانات المراقبة الوطنية انتشاره بنسبة 0.19% فقط من إجمالي التسلسلات الجينية التي خضعت للرصد خلال الفترة المشمولة بالتقرير.
كما أشارت بيانات أوردها تقرير CDC إلى أن السلالة بلغت نحو 30% من التسلسلات المبلغ عنها في ثلاث دول أوروبية خلال فترة محددة، من دون أن يقترن ذلك بارتفاع استثنائي في معدلات الإصابة العامة مقارنة بالسنوات السابقة.
ماذا نعرف عن "سيكادا"؟
-
الاسم العلمي: BA.3.2
-
السلالة الأم: أوميكرون
-
سبب المتابعة: عدد كبير من الطفرات
-
أبرز المخاوف: التهرب المناعي الجزئي
-
الأعراض الشائعة: الحمى، السعال، الإرهاق، التهاب الحلق
-
المعطى الأهم: لا دليل حتى الآن على أنه أشد خطورة من السلالات الأحدث
لماذا يراقب العلماء هذا المتحوّر عن كثب؟
ما يلفت العلماء في هذه السلالة هو أنها تحمل عددًا كبيرًا من الطفرات في بروتين السنبلة، يُقدّر بنحو 70 إلى 75 تغيرًا مقارنة بالسلالات التي استُخدمت مستضداتها في لقاحات كوفيد-19 لموسم 2025-2026.
ويُعدّ بروتين السنبلة الجزء الذي يستخدمه الفيروس لدخول الخلايا البشرية، لذلك تنظر الأوساط العلمية إلى هذه التغيرات بوصفها عاملًا قد يساعد الفيروس على الإفلات جزئيًا من المناعة المكتسبة سابقًا، سواء عبر التطعيم أو الإصابة السابقة.
لكن هذا المعطى لا يعني تلقائيًا أن السلالة ستصبح مهيمنة أو أنها ستتسبب بمرض أشد. فالتقييمات الحالية تشير إلى أن BA.3.2 يخضع للمراقبة بصفته متحورًا يحتاج إلى متابعة، لا بصفته متحورًا عالي الخطورة.
كما ذكرت منظمة الصحة العالمية في تقييمها أن الأدلة المتاحة حتى الآن تشير إلى أن هذه السلالة تمثل خطرًا إضافيًا منخفضًا على الصحة العامة مقارنة بالمتحورات الأوميكرونية الأخرى المنتشرة حاليًا.
"سيكادا" ليس متحورًا مهيمنًا حتى الآن، لكنه يلفت اهتمام العلماء بسبب عدد طفراته الكبير وقدرته المحتملة على التهرب المناعي.
ما الأعراض المرتبطة بسلالة "سيكادا"؟
لا تبدو أعراض سلالة "سيكادا" مختلفة جذريًا عن أعراض متحورات كوفيد-19 الأخرى المتداولة في السنوات الأخيرة. وتشمل الأعراض الشائعة الحمى، والسعال، والإرهاق، والصداع، وآلام العضلات، واحتقان الأنف، فيما يبرز التهاب الحلق بوصفه من الأعراض التي لفتت انتباه بعض الأطباء والمتابعين في الحالات المرصودة. لكن لا توجد حتى الآن أدلة حاسمة على أن BA.3.2 يُسبب نمطًا سريريًا مختلفًا بصورة جوهرية عن المتحورات الأوميكرونية الحديثة.
وحتى الآن، لا توجد مؤشرات موثقة على أن هذه السلالة تؤدي إلى مرض أشدّ أو إلى زيادة مؤكدة في معدلات الاستشفاء أو الوفاة مقارنة بالمتحورات الأخرى. وبحسب البيانات المتاحة، فإن معظم الإصابات التي تم توصيفها تراوحت بين الخفيفة والمتوسطة، مع بقاء الحاجة قائمة إلى مزيد من الرصد لمعرفة ما إذا كانت خصائصها ستتغير مع اتساع انتشارها أو تطورها الجيني.
هل ما زالت اللقاحات توفر الحماية؟
لا تزال اللقاحات أداة أساسية في الحد من المضاعفات الخطيرة ودخول المستشفيات، حتى مع استمرار تحور الفيروس.
صحيح أن العدد الكبير من الطفرات في BA.3.2 يثير احتمال تراجع جزء من الحماية المناعية ضد العدوى، لكن المعطيات الحالية لا تُسقط أهمية اللقاحات، ولا تُظهر أنها فقدت دورها في الحماية من الأشكال الشديدة للمرض، وهو ما تؤكد عليه الهيئات الصحية عند تقييمها للمتحورات الجديدة.
وتوصي مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض عدوى تنفسية بالبقاء في المنزل والابتعاد عن الآخرين إلى أن تتحسن الأعراض ويزول الحمى لمدة 24 ساعة على الأقل من دون استخدام خافضات الحرارة، مع إمكان اتخاذ احتياطات إضافية مثل ارتداء الكمامة وتحسين التهوية عند العودة إلى مخالطة الناس.
كما تنصح بالراحة، وشرب السوائل، ومتابعة الرعاية الطبية إذا ساءت الأعراض أو كان المصاب من الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.
الفيروس لم يختفِ تمامًا
رغم أن الجائحة لم تعد تُدار بالطريقة نفسها التي كانت سائدة في السنوات الأولى، فإن فيروس كورونا لم يختفِ من المشهد الصحي العالمي. وتُظهر لوحة بيانات منظمة الصحة العالمية أن الفيروس لا يزال جزءًا من الواقع الوبائي العالمي، مع استمرار تسجيل إصابات ووفيات ومراقبة متحورات جديدة، من بينها BA.3.2.