على الرغم من تراجع حدة المجاعات مع الحداثة ووقوع أشدّها قبل قرون، فإنها لا تزال شائعة بشكل مثير للقلق في عالمنا المعاصر.
ورغم أن أمراض المحاصيل والكوارث الطبيعية ساهمت في وقوع عدد من المجاعات عبر التاريخ، تبقى الحروب العامل الرئيس في معظم المجاعات الحديثة.
تُعرَّف المجاعة بأنها أشدّ أزمات الجوع فتكًا، وتنجم عن نقص حاد في الغذاء، وغالبًا ما تؤدي إلى وفيات بين الأطفال والبالغين في منطقة معيّنة، بحسب منظمة "أكشن أغينست هانغر".
أقدم المجاعات
تشير موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية إلى أن أقدم مجاعة مسجّلة وقعت في مصر عام 3500 قبل الميلاد، ووُثّقت بصريًا في نقش بارز لا يزال قائمًا على جسر هرم أوناس من الأسرة الخامسة في سقارة. ولم تُسجَّل بيانات عن عدد ضحايا تلك المجاعة.
وغالبًا ما تكررت المجاعات في القرنين السادس عشر والسابع عشر، جزئيًا بسبب أساليب الزراعة البدائية. ومع تطور الزراعة وتقدم التجارة، اضطر المزارعون الذين كانوا يعيشون غالبًا على أراضٍ مملوكة للغير إلى زيادة غلة الإنتاج. وبذلك، تحول نمط الزراعة من إنتاج حاجيات الأسرة إلى فائض تجاري أو صناعي.
ومع تحديث المجتمعات، تغيّرت مسببات المجاعات. فرغم أن تحسين الأساليب الزراعية وزيادة الإنتاج ساعد على تجنّب بعض الأزمات، فإن التصنيع وتدخّل الحكومات واندلاع الحروب أدّى إلى ظهور مخاوف جديدة.
وعلى مر التاريخ، شهد العالم سلسلة مجاعات فتكت بأرواح الآلاف. وقد عدد موقع "وورلد أطلس" أخطرها وهي:
مجاعة البنغال
في عام 1770، اجتاحت مجاعة مدمّرة منطقة البنغال، التي تشمل اليوم بنغلاديش وولاية البنغال الغربية في الهند، وقضت على ما يقرب من ثلث السكان. ونجمت المجاعة عن جفاف شديد ونقص حاد في المحاصيل، في ظل إدارة شركة الهند الشرقية للتجارة، التي زادت المشكلة تفاقمًا نتيجة تركيزها على الربح.
ورغم إدراك السلطات لتدهور الظروف الزراعية، فُرضت ضرائب إضافية، وتم تحويل المحاصيل من الأرز إلى الأفيون والنيلي بحثًا عن مكاسب أكبر. عانى المزارعون لتوفير الغذاء، فيما تجاوزت أسعار المواد الغذائية المتاحة قدرتهم الشرائية. وأسفرت هذه الإدارة الكارثية عن وفاة نحو 10 ملايين شخص جوعًا.
مجاعات تشاليسا وجنوب الهند
وقعت مجاعة تشاليسا في شمال الهند بين عامي 1783 و1784، بعد مجاعة مماثلة في جنوب الهند عام 1782. وشهدت الهند آنذاك موجة حر غير مسبوقة منذ عام 1780، استمرت لسنوات قليلة وتسببت في جفاف قاسٍ، ما أدى إلى نفوق المحاصيل وفقدان الإمدادات الغذائية.
وقد أودت المجاعتان معًا بحياة أكثر من 11 مليون شخص، وقلّ عدد السكان بشكل حاد، لا سيما في أراضي دلهي.
مجاعة البطاطس الأيرلندية
شهدت أيرلندا بين عامي 1845 و1853 واحدة من أسوأ المجاعات، عُرفت باسم "مجاعة البطاطس"، ونجمت عن مرض قضى على جزء كبير من محصول البطاطس، وهو المصدر الرئيسي لغذاء الفقراء.
ومع محدودية المحاصيل، احتاجت البلاد للمساعدات، لكن السفن البريطانية منعت دخولها. وأسفر ذلك عن وفيات جماعية قُدّرت بمليون شخص، بينما فرّ نحو مليون إلى مليوني شخص إلى أميركا الشمالية، ما أدى إلى فقدان 25% من سكان البلاد.
المجاعة الصينية 1907
في عام 1907، شهد شمال الصين مجاعة أدت إلى وفاة نحو 25 مليون شخص. ونجمت هذه المجاعة عن هطول أمطار غزيرة خلال موسم النمو، ما أدى إلى إتلاف أعداد هائلة من النباتات وعرقلة إنتاج الغذاء.
وغمرت المياه نحو 40 ألف ميل مربع في مقاطعات هونان وكيانغ سو وآنهوي، ما أدى إلى فقدان نحو 10% من سكان شمال الصين.
المجاعة الفارسية
بين عامي 1917 و1919، عانت بلاد فارس، تحت حكم القاجاريين، من مجاعة مدمّرة نتيجة سنوات من الجفاف الشديد وتدخلات قوات الاحتلال التي صادرت المواد الغذائية.
وزاد الوضع سوءًا مع تدهور التجارة والاضطرابات العامة، إضافة إلى عمليات التخزين والتلاعب بالأسعار. وتشير التقديرات إلى وفاة نحو مليوني شخص جراء الجوع أو الأمراض المصاحبة له.
المجاعة الروسية 1921
تأثرت روسيا بشدة بعد الحرب العالمية الأولى والثورة البلشفية. أدّت المصادرات الزراعية لصالح الجيش إلى امتناع الفلاحين عن الزراعة، مما أدى لانخفاض الإنتاج الغذائي.
وبعد فشل موسم الحصاد في حوض نهر الفولغا، لقي نحو 5 ملايين روسي حتفهم بسبب المجاعة.
المجاعة السوفييتية "هولودومور"
في عام 1932، وقعت مجاعة كبرى في أوكرانيا ومناطق سوفيتية أخرى، تسببت بها سياسات جوزيف ستالين القمعية، التي شملت مصادرة المحاصيل ومنع الزراعة.
سُميت هذه المجاعة بـ"هولودومور"، وتعني "الموت جوعًا" بالأوكرانية. وما زالت أعداد الضحايا محل جدل، وفق موقع "وورلد أطلس"، حيث قدرت الأمم المتحدة عدد القتلى بين 7 و10 ملايين، فيما يقدّرها باحثون اليوم بين 3.5 و7.5 ملايين شخص.
مجاعة البنغال 1943
ضربت مجاعة أخرى إقليم البنغال عام 1943، في ظل الحرب العالمية الثانية، نتيجة تراجع الإنتاج الزراعي وتضخم الأسعار وتقاعس الحكومة البريطانية، حيث كان اقتصاد البنغال يعتمد بشكل كبير على الزراعة في ذلك الوقت، لكن الإنتاجية تراجعت مع ازدياد عدد السكان، ما تسبب في نقص في فرص العمل والغذاء.
أنكرت الحكومة وجود مجاعة، ولم يقدم رئيس الوزراء ونستون تشرشل سوى القليل من المساعدة. وفي النهاية، ساهمت المساعدات الإنسانية وموسم الحصاد المثمر في رفع المجاعة، ولكن بحلول ذلك الوقت، لقي ما بين مليونين وثلاثة ملايين شخص حتفهم.
المجاعة الصينية الكبرى
بين عامي 1959 و1961، شهدت الصين أسوأ مجاعة في تاريخها، وفق موقع "وورلد أطلس"، نتيجة السياسات الكارثية لـ"القفزة الكبرى إلى الأمام"، التي فرضت إعادة توجيه الفلاحين إلى الصناعات، وأدت إلى انهيار الإنتاج الزراعي.
وقد ساهم كل هذا بانخفاض كبير في إنتاج الحبوب في الصين، ونقص غذائي واسع النطاق. وتُقدّر الوفيات الناجمة عن المجاعة بين 20 و50 مليون شخص، رغم أن الحكومة أبلغت عن 15 مليون فقط.
"مسيرة المعاناة" في كوريا الشمالية
بين عامي 1994 و1998، عاشت كوريا الشمالية مجاعة كارثية عُرفت بـ"مسيرة المعاناة"، نتيجة الفيضانات وسياسات "الجيش أولًا"، التي وجهت الغذاء والموارد للقوات المسلحة على حساب المدنيين.
ورغم المساعدات الخارجية، يُقدّر عدد الضحايا بنحو 3 ملايين شخص، بينما يُعتقد أن الرقم الحقيقي أعلى من ذلك.
الحروب والنزاعات تقطع الإمدادات الغذائية
شهد القرن العشرون مجاعات كبرى خلفت خسائر بشرية فادحة، بفعل الديكتاتوريات والحروب والصراعات التي عطّلت الإمدادات الغذائية وفرضت قيودًا تجارية خانقة.
ومنذ مطلع الألفية، تركزت المجاعات في شمال وشرق إفريقيا، لا سيما في نيجيريا، وجنوب السودان، واليمن، والصومال، حيث تفاقمت بسبب النزاعات المسلحة بشكل أساسي.
جوع كارثي في قطاع غزة
يعيش قطاع غزة حاليًا جوعًا كارثيًا جراء العدوان الإسرائيلي المتواصل منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والحصار المطبق الذي تفرضه قوات الاحتلال التي تمنع إدخال المساعدات الغذائية إلى السكان بحرية.
وفي مايو/ أيار 2025، أظهر التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي الصادر عن الأمم المتحدة أن نحو 470 ألف شخص في غزة يواجهون خطر المجاعة، بزيادة 250% عن التصنيف السابق.
وأشارت التقديرات إلى حاجة 71 ألف طفل و17 ألف أم إلى علاج عاجل من سوء التغذية الحاد، كما قدرت الوكالات مطلع عام 2025 أن نحو 60 ألف طفل في حاجة ماسة للعلاج.
وأكدت 17 وكالة أممية ومنظمة غير حكومية أن غالبية أطفال غزة يعانون حرمانًا غذائيًا حادًا. كما حذّرت من أن إسرائيل تستخدم الجوع كسلاح حرب، في خرق للقانون الدولي.
انعدام الأمن الغذائي في السودان
في يناير/ كانون الثاني 2025، أعلنت نائبة المدير العام لمنظمة الفاو بيث بيكدول أن أربع مجاعات فقط أُعلن عنها رسميًا في السنوات الـ15 الأخيرة: في الصومال (2011)، وجنوب السودان (2017 و2020)، والسودان (2024).
وقالت: "كما تعلمنا من هذه الأزمات الشديدة، فقد حدثت بالفعل عشرات الآلاف من الوفيات قبل أن تصنف على أنها مجاعة"، وفق موقع الأمم المتحدة.
وأظهر التصنيف المرحلي للأمن الغذائي أن نصف سكان السودان، أي نحو 25 مليون شخص، يعانون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، بينهم 8.1 مليون في مستوى الطوارئ، وأكثر من 637 ألفًا في المستوى الخامس، وهو أعلى مستوى ويعتبر كارثيًا.
وفي يونيو/ حزيران، حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من ظهور بؤر مجاعة في اليمن، بسبب الحرب المستمرة، وتدهور مستويات الأمن الغذائي بشكل مقلق.