الأربعاء 22 يوليو / يوليو 2026
Close

مجد إفريقي عابر للحدود.. كيف يكتب أبناء القارة تاريخ منتخبات أخرى؟

مجد إفريقي عابر للحدود.. كيف يكتب أبناء القارة تاريخ منتخبات أخرى؟ محدث 07 يوليو 2026

شارك القصة

لامين يامال وكيليان مبابي
يبرز عدد من اللاعبين ذوي الأصول الإفريقية كنجوم عالمية بقمصان المنتخبات الأوروبية - غيتي
يبرز عدد من اللاعبين ذوي الأصول الإفريقية كنجوم عالمية بقمصان المنتخبات الأوروبية - غيتي
الخط
كيف أسهم اللاعبون من أصول إفريقية في صناعة أمجاد منتخبات من خارج القارة، من أوروبا إلى آسيا وأوقيانوسيا؟

لم تعد الهوية الكروية مرتبطة بمكان الميلاد وحده. ففي ملاعب كأس العالم، تتقاطع الجغرافيا مع الهجرة والمواطنة واللجوء والتاريخ الاستعماري، ليظهر لاعبون يحملون قميص بلد ويحتفظون في الوقت نفسه بجذور عائلية تمتد إلى بلد آخر.

تكشف كأس العالم 2026 هذا التحول بوضوح. فمن حارس اليابان زيون سوزوكي، المولود لأب غاني وأم يابانية، إلى لامين يامال، الذي يجمع بين جذور مغربية وغينية استوائية ونشأة إسبانية، وصولًا إلى نجوم أستراليا وكندا القادمين من عائلات عرفت اللجوء والهجرة، تبدو البطولة مرآة لعالم لم تعد هوياته قابلة للحصر في خانة واحدة.

وعلى امتداد العقود الأخيرة، ازداد اعتماد المنتخبات من خارج القارة السمراء على لاعبين من جذور إفريقية، سواء أكانوا أبناء مهاجرين أو نتاج تجنيس رياضي أو حتى امتدادًا لموجات لجوء حديثة.

لم يعد هذا التحول عابرًا، بل أصبح جزءًا بنيويًا من كرة القدم الحديثة، خصوصًا في أوروبا، حيث أسهمت هذه المواهب في رفع النسق البدني والفني ومنحت المنتخبات تنوعًا تكتيكيًا واضحًا انعكس مباشرة على النتائج.

وتختلف صلة هؤلاء اللاعبين بالقارة باختلاف مساراتهم؛ فمنهم من وُلد فيها ثم هاجر صغيرًا، ومنهم من وُلد في البلدان التي يمثلها وظلت علاقته بإفريقيا عائلية وثقافية.

غير أن حضورهم يفتح سؤالًا أوسع بشأن الدور الذي تؤديه الجذور الإفريقية في تشكيل كرة القدم العالمية، وقدرة منتخبات القارة نفسها على الاستفادة من مواهب منتشرة عبر العالم.


من أوزيبيو إلى زيدان


تعود الجذور التاريخية لهذه الظاهرة إلى زمن أبعد من موجات الهجرة الحديثة. فقد ضمت منتخبات أوروبية، منذ منتصف القرن العشرين، لاعبين وُلدوا في مستعمرات سابقة أو انتقلوا إلى أوروبا في سن مبكرة.

يمثّل أوزيبيو دا سيلفا فيريرا النموذج الأشهر في تلك المرحلة.

وُلد أسطورة البرتغال في موزمبيق، التي كانت آنذاك تحت الاستعمار البرتغالي، وقاد المنتخب الأوروبي إلى المركز الثالث في كأس العالم 1966، في أفضل إنجاز برتغالي مونديالي حتى بلوغ نصف نهائي نسخة 2006. كما أنهى البطولة هدافًا بعدما أصبح الوجه الأبرز لذلك الجيل.


الأسطورة البرتغالية أوزيبيو
صنعت البرتغال أول أمجادها المونديالية في كأس العالم 1966 عبر أسطورتها أوزيبيو المولود في موزمبيق بإفريقيا - غيتي  

لاحقًا، أصبحت الخلفيات الإفريقية أكثر حضورًا داخل المنتخبات الأوروبية. برز زين الدين زيدان، المنحدر من عائلة جزائرية، بوصفه رمزًا لفرنسا المتوجة بمونديال 1998، إلى جانب باتريك فييرا المولود في السنغال، قبل أن تتسع الظاهرة عبر أجيال متعاقبة.

لم يعد الأمر متعلقًا بلاعب أو اثنين يبدوان استثناء داخل المنتخب. فقد أصبحت الهجرة وأبناء الجيلين الثاني والثالث جزءًا أصيلًا من تكوين مجتمعات أوروبية كاملة، وانعكس ذلك طبيعيًا على الأندية والمنتخبات الوطنية.

أوروبا.. الهجرة تعيد تشكيل المنتخبات


تمثل أوروبا المساحة الأوضح لهذا التحول بسبب تاريخها الطويل مع الهجرة، وصلاتها الاستعمارية السابقة بعدد من الدول الإفريقية، إلى جانب استقطاب أنديتها المواهب الشابة من مختلف القارات.

تظهر آثار ذلك في منتخبات فرنسا وإنكلترا وبلجيكا وهولندا وألمانيا والبرتغال وإسبانيا وسويسرا وغيرها. ويؤدي اللاعبون المنحدرون من عائلات إفريقية أدوارًا في جميع المراكز، من حراسة المرمى والدفاع إلى صناعة اللعب والهجوم، بعيدًا من الصورة النمطية التي تحصر إسهامهم في السرعة أو القوة البدنية.

برزت فرنسا بوصفها النموذج الأكثر وضوحًا. فقد قام منتخبا 1998 و2018 على مجموعتين متعددتي الجذور، تعكسان طبيعة المجتمع الفرنسي أكثر مما تعكسان مشروعًا رياضيًا منفصلًا قائمًا على استقدام لاعبين من الخارج.


 

منتخب فرنسا
أسهم لاعبون من خلفيات عائلية متعددة في صناعة لقبي فرنسا العالميين عامي 1998 و2018 - غيتي 

سارت بلجيكا وإنكلترا وهولندا وألمانيا في اتجاه مشابه، إذ أصبحت أكاديميات الأندية والمدارس المحلية مساحة يلتقي فيها أبناء عائلات قادمة من إفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية.

وهكذا صار المنتخب الوطني، في كثير من الأحيان، صورة مصغرة عن التحولات الديموغرافية والاجتماعية داخل البلد نفسه.

  • بلغت بلجيكا ذروتها في مونديال 2018 بفضل جيل ذهبي ضم عددًا بارزًا من اللاعبين ذوي الأصول الإفريقية منح الفريق قوة هجومية وتنوعًا هجوميًا وتكتيكيًا لافتًا.
  • لعبت هولندا دورًا مشابهًا عبر فلسفة "الكرة الشاملة" التي دعمتها مواهب من أصول إفريقية.
  • في إنكلترا، شهد العقد الأخير تحولًا كبيرًا، حيث أصبحت المواهب ذات الأصول الإفريقية عنصرًا حاسمًا في عودة المنتخب إلى المنافسة العالمية.
  • ساهمت ألمانيا في إعادة بناء منتخبها الحديث بالاعتماد على لاعبين من خلفيات متعددة، بينهم ذوو أصول إفريقية، ما أضفى على الفريق مرونة تكتيكية واضحة في السنوات الأخيرة.

هل تخسر إفريقيا مواهبها فعلًا؟


يختلف مفهوم "تصدير المواهب" في الدراسات الكروية عن مسألة الأصول العائلية أو الأهلية لتمثيل المنتخبات.

تشير أحدث بيانات مرصد "سي آي إي إس" لكرة القدم إلى أن البرازيل ما زالت أكبر مصدّر للاعبين المحترفين إلى الخارج، تليها فرنسا ثم الأرجنتين، فيما تتقدم نيجيريا الدول التابعة للاتحاد الإفريقي في هذا المجال. وتضع هذه الأرقام القارة الإفريقية ضمن شبكة عالمية واسعة لتصدير اللاعبين، تتقدمها حاليًا البرازيل وفرنسا والأرجنتين.

مع ذلك، تواجه دول إفريقية عدة مشكلة حقيقية في الاحتفاظ بمواهبها وتطويرها. فضعف بعض المسابقات المحلية، وهشاشة التمويل، ونقص مراكز التدريب، وانتشار شبكات الكشافين الأجانب، كلها عوامل تدفع اللاعبين إلى الرحيل مبكرًا بحثًا عن بيئة أكثر استقرارًا.

يختلف وضع أبناء المهاجرين في أوروبا عن وضع لاعب نشأ داخل أكاديمية إفريقية ثم انتقل إلى ناد أوروبي. الأول قد يكون مواطنًا كاملًا في بلد ميلاده ولا ينظر إلى تمثيله له بوصفه تخليًا عن وطن آخر، بينما يواجه الثاني أحيانًا خيارًا مباشرًا بين منتخب بلاده الأصلية ومنتخب البلد الذي استقر فيه.

وهنا تبرز أهمية قدرة الاتحادات الإفريقية على بناء علاقة مبكرة مع اللاعبين المؤهلين لتمثيل منتخباتها، وتقديم مشروع رياضي يجعل اختيارها جذابًا وقادرًا على المنافسة.


تسهم دول إفريقية عدة في رفد الدوريات العالمية بالمواهب، من بينها نيجيريا والسنغال والكونغو الديمقراطية وغانا وساحل العاج ومالي والكاميرون، إلى جانب دول شمال إفريقيا.

لكن هذه الظاهرة لا تُفسَّر فقط بوفرة المواهب الطبيعية، بل ترتبط بجملة عوامل أعمق، أبرزها ضعف البنية التحتية الرياضية في عدد من الدول، وغياب منظومة احتراف محلية مستقرة تضمن استمرارية التطوير.

كما تلعب شبكات الكشافة الدولية دورًا محوريًا في اكتشاف اللاعبين منذ سن مبكرة، إلى جانب عامل الهجرة التعليمية واللجوء، الذي يخلق مسارات حياة جديدة تتحول لاحقًا إلى مسارات كروية احترافية في أوروبا وأميركا وأستراليا.

هذا التداخل بين الاجتماعي والرياضي جعل إفريقيا أحد أبرز خزانات المواهب الكروية في العالم الحديث.


قطر واليابان.. المسار يتسع شرقًا


لا يقتصر المشهد على أوروبا. فقد توسع حضور اللاعبين ذوي الجذور الإفريقية في آسيا وأوقيانوسيا نتيجة الهجرة والتجنيس وتغير تركيبة المجتمعات.

ورغم أن القارة الآسيوية لم تكن تاريخيًا مركزًا كبيرًا للهجرة الإفريقية، فإن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا واضحًا في هذا الاتجاه، خاصة في دول تعتمد على الانفتاح الرياضي أو التجنيس أو الجاليات المهاجرة.


في قطر، تضم قائمة مونديال 2026 أسماء وُلد أصحابها خارج البلاد أو ينحدرون من عائلات انتقلت إليها، من بينهم المعز علي وعاصم مادبو ومشعل برشم ومحمد مونتاري وبوعلام خوخي. وتعكس هذه التشكيلة مشروعًا رياضيًا تداخلت فيه الهجرة والإقامة الطويلة والتكوين المحلي والتجنيس.


وإضافة إلى هؤلاء، هناك لاعبون من خلفيات إفريقية وعربية متعددة، مثل أحمد فتحي وأحمد علاء الدين ويوسف عبد الرزاق، ما يعكس تنوعًا واسعًا في تركيبة المنتخب.


د مونتاري (من مواليد 20 ديسمبر 1993) هو لاعب كرة قدم قطري الجنسية غاني المولد
محمد مونتاري هو لاعب كرة قدم قطري الجنسية لكنه غاني المولد - غيتي
في اليابان، برز الحارس زيون سوزوكي خلال كأس العالم 2026.
وُلد سوزوكي في الولايات المتحدة لأب غاني وأم يابانية، ثم نشأ في اليابان واختار تمثيلها، قبل أن يصبح الحارس الأول للمنتخب في البطولة. وتجسد قصته هوية تمتد بين ثلاث دول من دون أن تتعارض بالضرورة مع انتمائه الكروي إلى اليابان.
حارس منتخب اليابان زيون سوزوكي
تعود أصول حارس منتخب اليابان زيون سوزوكي الإفريقية إلى غانا 

لامين يامال.. هوية لا تختصرها كلمة واحدة


في قلب هذا المشهد، يبرز لاعبون يجمعون بين الهوية العربية والجذور الإفريقية، ليشكلوا نموذجًا مركبًا من الانتماء الثقافي والنجاح الرياضي.


يقدم لامين يامال أحد أبرز نماذج الهوية المركبة في كرة القدم الحديثة.
وُلد نجم إسبانيا في البلاد التي يمثلها، لأب مغربي وأم من غينيا الاستوائية، ما جعله مؤهلًا نظريًا للدفاع عن ألوان ثلاثة منتخبات قبل اختياره إسبانيا. 
اختار يامال تمثيل إسبانيا، بلد ميلاده ونشأته وتكوينه الكروي، مع احتفاظه بجذوره المغربية من جهة والده والغينية الاستوائية من جهة والدته. وتعكس قصته هوية مركبة لا يلغي فيها الانتماء الوطني الجذور العائلية.
نجم إسبانيا لامين يامال
كان لامين يامال مؤهلًا لتمثيل إسبانيا والمغرب وغينيا الاستوائية قبل اختياره المنتخب الإسباني - غيتي

تتكرر هذه الخيارات لدى عشرات اللاعبين في أوروبا، خصوصًا بين منتخبات شمال إفريقيا وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا. ويجد اللاعب نفسه أحيانًا أمام قرار رياضي وعاطفي في آن واحد، تتداخل فيه فرص المشاركة وقوة المنتخب وعلاقته بالعائلة والبلد الذي نشأ فيه. 

من مخيمات اللجوء إلى كأس العالم


تبدو قصص اللجوء أكثر جوانب الظاهرة تأثيرًا، لأنها تكشف كيف تتحول كرة القدم إلى طريق للاندماج وإعادة بناء الحياة.

وُلد قائد كندا ألفونسو ديفيز في مخيم للاجئين قرب العاصمة الغانية أكرا، بعدما فر والداه من الحرب الأهلية في ليبيريا.
انتقلت الأسرة إلى كندا ضمن برنامج لإعادة التوطين عندما كان في الخامسة، قبل أن يصبح واحدًا من أهم لاعبي المنتخب الكندي ونجمًا في كرة القدم الأوروبية.
وُلد قائد كندا ألفونسو ديفيز في مخيم للاجئين قرب العاصمة الغانية أكرا، بعدما فر والداه من الحرب الأهلية في ليبيريا
لم يصبح ديفيز فقط أحد أبرز نجوم كرة القدم الكندية، بل تحول إلى رمز عالمي لقصة الصعود من الهشاشة الاجتماعية إلى قمة الاحتراف - غيتي 
في أستراليا، يقدم أوير مابيل قصة مشابهة.
وُلد مابيل في مخيم كاكوما للاجئين في كينيا لعائلة من جنوب السودان، وعاش سنوات طفولته الأولى داخل المخيم قبل انتقاله إلى أستراليا، التي يقول إنها منحته وعائلته فرصة جديدة للحياة.
لاعب منتخب أستراليا نيستوري إيرانكوندا
بدأ أوير مابيل لعب كرة القدم في مخيم كاكوما للاجئين قبل أن يمثل أستراليا في كأس العالم - غيتي 
ينتمي نيستوري إيرانكوندا إلى المسار نفسه.
فقد وُلد لأم بوروندية في مخيم للاجئين في تنزانيا، ثم انتقلت عائلته إلى أستراليا، حيث تطورت موهبته حتى أصبح أحد أبرز وجوه جيلها الجديد وشارك في قائمة مونديال 2026 إلى جانب مابيل.

تتجاوز هذه المسارات حكاية رياضية عن النجاح بعد الفقر، إذ تحمل أيضًا قصص الحروب والنزوح وسياسات إعادة التوطين، وقدرة المجتمعات الجديدة على منح الأطفال مساحة للتعليم والاندماج وممارسة الرياضة.

انتماء جديد لا يمحو الجذور


في النهاية، أصبح اللاعبون ذوو الجذور الإفريقية جزءًا مركزيًا من كرة القدم العالمية. أسهموا في صناعة أبطال العالم، وتغيير صورة منتخبات كبرى، وكتابة قصص تمتد من المستعمرات السابقة إلى أحياء المهاجرين ومخيمات اللاجئين.

وبينما تستفيد المنتخبات من هذا التنوع، تثار تساؤلات بشأن مستقبل العلاقة بين القارة الإفريقية ومواهبها في ظل استمرار موجات الهجرة والاحتراف الخارجي، في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو إعادة تعريف معنى الانتماء نفسه داخل اللعبة.

ولعلّ السؤال الأهم بالنسبة إلى القارة يبقى مرتبطًا بما تستطيع تقديمه للمواهب التي تنشأ داخلها أو تمتلك حق تمثيل منتخباتها: هل تبني لها مسابقات وأكاديميات ومشروعات قادرة على المنافسة، أم تكتفي بمراقبة نجاحها بقميص آخر؟


في كأس العالم، لا تختفي الجذور حين يتغير القميص. لكنها تتحول إلى جزء من هوية أوسع، تكتب فيها إفريقيا فصلًا مؤثرًا من تاريخ اللعبة حتى عندما تُرفع الكأس خارج حدودها.
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من