لا يُعَدّ شهر سبتمبر/ أيلول عابرًا بالنسبة إلى اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، إذ شهد قبل 43 عامًا، أي سنة 1982، مجزرة استمرّت 43 ساعة، راح ضحيتها آلاف الأبرياء والمدنيين، ووصفت بـ"الإبادة الجماعية والعرقية".
تلك الحادثة المروّعة عُرفت باسم "مجزرة صبرا وشاتيلا" التي وقعت عند أطراف العاصمة اللبنانية بيروت، وقد جرت في ظلّ احتلال الجيش الإسرائيلي للبنان.
تحمل قصة تلك المجزرة رمزية لافتة هذا العام، ولا سيّما مع بدء خطوات سحب سلاح المخيمات، إذ سلّمت حركة "فتح" ترسانتها من "السلاح الثقيل" إلى الدولة اللبنانية في تطوّر بارز وفريد من نوعه، خصوصًا منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990.
ويُعَدّ مخيم شاتيلا من المخيمات التي سلّمت سلاحها للجيش اللبناني، إذ خرجت منه شاحنات محمّلة بالأسلحة والقذائف الصاروخية، والأمر نفسه حصل في مخيمات أخرى مثل برج البراجنة، عين الحلوة، البداوي، مار الياس، الرشيدية وغيرها.
ما هو معروف عن مجزرة صبرا وشاتيلا يقع في إطار عام، لكن الحقائق المرتبطة بها والتفاصيل الدقيقة والمروّعة لا يعرفها كثيرون.. فماذا تكشف الوثائق والمراجع عنها؟ وما حكاية تلك المجزرة التي مثّلت جرحًا نازفًا في تاريخ القضية الفلسطينية؟
شاتيلا.. مخيم صغير قتلته مجزرة
بتاريخ 16 سبتمبر 1982، الذي صادف يوم الخميس، بدأت المجزرة وتحديدًا عند الغروب. ومنذ مساء ذلك اليوم المشؤوم، ولغاية ظهر السبت 18 سبتمبر، بقي القتل مستمرًا على مدى ثلاثة أيام.
على مدى 43 ساعة متواصلة، ارتُكبت فظائع ضد المدنيين، وتركّز الحدث تحديدًا في منطقة شاتيلا ومحلة صبرا الملاصقة لها. فعليًا، تضمّ هاتان المنطقتان لبنانيين ولاجئين فلسطينيين وأشخاصًا آخرين من الجنسيات السورية والإيرانية والبنغلادشية والمصرية والأردنية والباكستانية وغيرها. والمفارقة أن الضحايا كانوا من مختلف هذه الجنسيات، ما يعني أن القتل لم يستهدف الفلسطينيين فقط، بل طال كل المدنيين على اختلاف جنسياتهم وأعمارهم.
في الواقع، تضم منطقة شاتيلا مخيمًا للاجئين الفلسطينيين يُعدّ واحدًا من أوائل المخيمات الفلسطينية في بيروت، وكان سكانه ينتمون إلى مناطق الجليل الأعلى في فلسطين والساحل الفلسطيني. وعندما وقعت نكبة فلسطين عام 1948، نزح السكان إلى لبنان إمّا بحرًا عبر بواخر وإمّا برًا عبر الحدود اللبنانية الفلسطينية.
مع ذلك، فإن مخيم شاتيلا للاجئين ليس واسعًا جغرافيًا، ولهذا امتدّ وجود سكانه إلى الأحياء المجاورة، بما في ذلك صبرا. وبذلك، بات اللبنانيون والفلسطينيون وأشخاص من جنسيات أخرى يعيشون معًا في بيئة شعبية فقيرة في جنوب غرب العاصمة بيروت، وعلى مقربة من الطريق المؤدية إلى البقاع شرقًا وإلى الجنوب أيضًا.
وقائع ما قبل المجزرة.. من الاجتياح إلى الاغتيال والحصار
قبل تفصيل المجزرة، لا بدّ من الوقوف عند وقائع مهمّة سبقتها وشكّلت مقدّمة لها:
الاجتياح الإسرائيلي للبنان
أول تلك الوقائع أنه، وقبيل ثلاثة أشهر من المجزرة، اجتاح الجيش الإسرائيلي الأراضي اللبنانية، وتحديدًا في يونيو/ حزيران 1982. آنذاك، تقدّمت القوات الإسرائيلية باتجاه العاصمة بيروت فحاصرتها وفرضت خناقًا عليها، ثم دخلتها واحتلّتها في منتصف سبتمبر 1982.
كانت ذريعة إسرائيل لاجتياح لبنان تتمثّل في ضرب منظمة التحرير الفلسطينية التي كان لها وجود كبير وفعّال داخل لبنان منذ عام 1969، تاريخ توقيع ما يُعرف بـ"اتفاق القاهرة" بين زعيم المنظمة حينها ياسر عرفات والدولة اللبنانية. وقد منح الاتفاق الفلسطينيين حق إدارة مخيماتهم، كما أتاح لهم ممارسة "الكفاح المسلّح" ضد إسرائيل بالتنسيق مع الجيش اللبناني. وبموجب ذلك الاتفاق، دخل السلاح إلى المخيمات الفلسطينية، وأُتيح للاجئين إقامة معسكرات تدريب في جنوب لبنان وشنّ عمليات عسكرية ضد إسرائيل. (1)
استغلّت إسرائيل هذه المسألة لشنّ عدوان على لبنان واحتلاله، وهو ما حصل في يونيو 1982، تحت عنوان عملية "سلامة الجليل"، أي تأمين منطقة الجليل المحاذية للبنان من القصف الصاروخي والعمليات العسكرية، وإبعاد منظمة التحرير الفلسطينية عن جنوب لبنان بشكل تام وإنهاء عملياتها هناك.
كذلك، استغلت إسرائيل حادثة أخرى للانقضاض على المنظمة في لبنان، تمثّلت بمحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن شلومو أرغوف. وُجّه الاتهام إلى فلسطينيين، علمًا بأن المنفّذين كانوا منشقّين عن منظمة التحرير ومناهضين لها، لكن إسرائيل وجدت في الحادثة ذريعة لشنّ اجتياح برّي وإنشاء منطقة أمنية في جنوب لبنان. (2)
انسحاب منظمة التحرير الفلسطينية
بعد الغزو الإسرائيلي، حوصرت منظمة التحرير الفلسطينية وواجهت صعوبات ميدانية وعسكرية كبيرة، وانتهى الأمر بمغادرتها لبنان. وكان في طليعة المنسحبين زعيم المنظمة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (أبو عمار). قبيل الانسحاب، حوصرت المنظمة في بيروت الغربية التي تعرّضت لقصف إسرائيلي مركّز لإجبار عرفات على الاستسلام.
لم يأتِ انسحاب المنظمة وخروج قيادتها من لبنان عفويًا، بل جاء بموجب اتفاق توصّل إليه المبعوث الأميركي فيليب حبيب ورئيس الوزراء اللبناني شفيق الوزّان يوم 11 أغسطس/ آب 1982، ونصّ على خروج منظمة التحرير من بيروت الغربية مقابل تعهّد إسرائيل بعدم دخولها إلى الجزء الغربي من العاصمة.
وعلى أثر ذلك الاتفاق، غادر عرفات لبنان مع نحو 14 ألف مقاتل إلى تونس وبلدان أخرى، وتمّ ذلك تحت حماية قوة متعددة الجنسيات مؤلفة من قوات أميركية وفرنسية وإيطالية أمّنت الانسحاب. (3)
وللإشارة، حصلت مغادرة المقاتلين الفلسطينيين على دفعات اعتبارًا من 21 أغسطس 1982؛ وكان لبنانيون وفلسطينيون يخرجون يوميًا لوداعهم حيث تجمّعوا في ملعب بيروت البلدي، وكثيرون لحقوا بهم إلى مرفأ بيروت حيث رست بواخر خصّصت لنقلهم إلى الخارج.
بعد خروجه إلى تونس، كشف "أبو عمار" أمام زوار له عن مخاوف تتعلّق بأمن المدنيين الفلسطينيين المتبقّين في بيروت. وقد أبلغ عرفات هذا الأمر إلى مبعوثين فرنسيَّين وطلب عبرهما من باريس إبقاء وحدة عسكرية فرنسية في لبنان لفترة تتجاوز المدة المحدّدة، لكن هذه القوة لم تبقَ إلا حتى 11 سبتمبر 1982. (4)
وقبيل مغادرتها، كانت لدى منظمة التحرير مستودعات كبيرة من السلاح موزّعة في مناطق عدّة من بيروت الغربية. وقبيل مغادرة عرفات، جرى تسليم تلك المستودعات إلى أحزاب وطنية لبنانية حليفة للمنظمة، وشملت أسلحة مختلفة مثل "التشيكا" (مدفع مضاد للطيران يُثبّت فوق الدبابات)، وقذائف كاتيوشا وغراد وأسلحة فردية وغيرها.
اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل
في 23 أغسطس 1982، وبينما كان مقاتلو منظمة التحرير يغادرون لبنان، انتُخب قائد "القوات اللبنانية" بشير الجميّل رئيسًا للجمهورية.
كان الجميّل ابن رئيس حزب "الكتائب" بيار الجميّل، وأحد أبرز رموز الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975، وقد قاد "القوات اللبنانية" التي مثّلت الجناح العسكري للحزب.
عند انتخاب الجميّل، كانت بيروت مقسومة إلى شطرين: غربي يمثل تواجد المسلمين ومقر منظمة التحرير سابقًا، وشرقي يمثل تواجد المسيحيين المؤيدين للجميّل وأطرافًا مسيحية أخرى. عمليًا، دار الصراع الأهلي الطائفي بين هذين الشطرين حتى اتفاق الطائف عام 1989 الذي أنهى الحرب برعاية السعودية.
يقول كتاب "صبرا وشاتيلا أيلول 1982" إنه بعد انتخاب الجميّل سادت أجواء غضب في بيروت الغربية رفضًا لانتخابه، بينما احتفلت بيروت الشرقية. ويشير إلى أن الجانب الغربي كان يشهد دمارًا كبيرًا بسبب الحصار الإسرائيلي، بينما كانت بيوت وأحياء الجانب الشرقي بمنأى عن قنابل وصواريخ إسرائيل طوال فترة الاجتياح. (5)
وفي 14 سبتمبر 1982، دوّى انفجار كبير في مقرّ "القوات اللبنانية" في الأشرفية (بيروت الشرقية) عند الساعة 4:30 عصرًا، واستهدف بشير الجميّل الذي قُتل مع 21 شخصًا آخرين، وأُصيب أكثر من 50 شخصًا. عمّ الغضب بيروت الشرقية، وانقلبت الأفراح أحزانًا؛ كان رحيل الجميّل حدثًا صعبًا على مؤيديه الذين رأوا فيه رجل الخلاص.
تطويق وحصار
بين 14 و15 سبتمبر 1982، احتلّت إسرائيل بيروت الغربية بعد حصارها، فدفعت بقواتها إلى داخلها، وفرضت سيطرة عسكرية حول منطقة صبرا وشاتيلا. سبقت ذلك ذريعة مفادها أن نحو 2500 مقاتل فلسطيني ما زالوا في بيروت؛ استغلّت إسرائيل المزاعم لتطويق المخيمات والقول إنها تريد القضاء على المقاتلين.
كما روّجت وسائل إعلام إسرائيلية لتوقّعات باندلاع اقتتال واضطرابات في بيروت الغربية بين أنصار الجميّل وقوى الحركة الوطنية اللبنانية، لتُبرّر دخول الجيش الإسرائيلي. لكن الحقيقة جاءت معاكسة: لم تقع أحداث في بيروت الغربية، ولم يُعثر على مسلحين فلسطينيين كما زُعم.
ساعات ما قبل المجزرة
تبيّن من سياق الأحداث، ولا سيّما السيطرة الإسرائيلية على بيروت ومحيط صبرا وشاتيلا، أن شيئًا يُحضّر. كان الحصار كبيرًا، فأُقفلت المعابر المؤدية إلى المخيمات، ولا سيّما المدخل الجنوبي لشاتيلا، واشتدّ القصف اعتبارًا من الأربعاء 15 سبتمبر.
شهد الخميس الذي سبق المجزرة انقطاع الخبز والكهرباء، وتسبّبت أخبار دخول إسرائيل إلى بيروت الغربية من ستة محاور واحتلالها في إشاعة الخوف والرعب؛ التزم معظم السكان البقاء في منازلهم.
عند الثالثة عصر الخميس، كان القصف الإسرائيلي شديدًا عند المدخل الجنوبي لشاتيلا، انطلاقًا من مدفعية متمركزة في محيط السفارة الكويتية القريبة. وعند الخامسة، قصفت مدفعية إسرائيلية قرب المدينة الرياضية الطريق بين ساحة شاتيلا وساحة صبرا.
عمت حالة هلع، فلجأ الناس إلى المساجد والملاجئ، فيما طوّق الجيش الإسرائيلي المكان بكثافة. نجت عائلات كثيرة بعدما غادرت إلى بيروت الغربية، وتحديدًا إلى كورنيش المزرعة وطريق الجديدة.
لجأ سكان إلى ثلاثة مستشفيات في المنطقة هي: عكا وغزة ومأوى العجزة، ظنًّا منهم أنها أماكن آمنة.
توجّهت نساء في مسيرة نحو قوات إسرائيلية في محيط المخيم طالباتٍ وقف القصف ورافعاتٍ الأعلام البيضاء، غير أن الجنود أطلقوا النار باتجاههن. وطُلب من المشاركات وعددهنّ قرابة 50 سيدة، ومعهنّ أطفال وعدد قليل من الرجال، التوجّه إلى محيط السفارة الكويتية للحديث مع ضابط إسرائيلي كبير.
في تلك الأثناء، انتشرت جماعات مسلّحة في محيط السفارة وكانت تتحضّر لدخول صبرا وشاتيلا. ووفق كتاب "صبرا وشاتيلا 1982"، أوقفت مجموعة مسلّحة قرب مبنى جمعية الإنعاش المسيرة، واقتادت رجلين إلى وجهة مجهولة باتجاه المدينة الرياضية؛ الأول يُدعى سيد والثاني نجله حسن.
جرى توقيف النساء في محيط السفارة، وطُلب من اللبنانيات الوقوف جانبًا، والفلسطينيات في جانب آخر، واستُجوبن لمعرفة الجنسيات الحقيقية. ثم طُلب من السيدات والأطفال الهرولة في اتجاه واحد من دون الالتفات، وكان المسار نحو المدينة الرياضية.
اتجهت بعض النساء إلى مبنى القوات الدولية قرب المدينة الرياضية، ما ساعدهن على النجاة بعد صعودهنّ إلى شاحنة كبيرة كانت هناك. في المقابل، قُتلت سيدات شاركن في المسيرة، وخُطفت أخريات وتعرّض بعضهنّ للاغتصاب.
على الرغم من الحصار، تصدّت مجموعة من الشبان والفتيات للقوات الإسرائيلية باستخدام أسلحة بقيت في المنطقة.
حصلت عمليات التصدي في أربعة أماكن ضمن صبرا وشاتيلا: حيّ الحرش، حيّ فرحات، حيّ الفاكهاني، وحيّ الدوخي. وقعت اشتباكات متفرّقة أُصيب خلالها مقاتلون برصاص إسرائيلي، وقُتل جنود إسرائيليون أيضًا.
أربكت المعارك الجيش الإسرائيلي في محيط المنطقة. ومع حلول الظلام، اتفقت مجموعات التصدي على التفرّق والالتقاء صباح اليوم التالي.
ولم تكن هناك قيادة محلية موحّدة بعد انسحاب منظمة التحرير؛ كانت مكاتب محلية لتنظيمات وجبهات في المنطقة، أُقفل بعضها ورحل مسؤولوها، فيما بقيت مكاتب أخرى مفتوحة وتردّد إليها شبّان مكّنهم ذلك من توزيع السلاح على المدنيين للتصدي.
المجزرة بدأت
مساء الخميس 16 سبتمبر، وقعت الواقعة وبدأت المجزرة. يقول كتاب "صبرا وشاتيلا 1982" إن الحادثة حصلت بتخطيط من وزير الدفاع الإسرائيلي أرييل شارون ورئيس الأركان رفائيل إيتان، وأن التنفيذ قامت به "ميليشيا القوات اللبنانية وغيرها من الميليشيات والعناصر المؤازرة لها".
ويقول كتاب "المجازر الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني" إن "الحراسة الإسرائيلية سهرت على حماية الميليشيات اللبنانية التي نفّذت المجزرة بحق الفلسطينيين، إذ سهّلت مهمتهم"، مضيفًا: "لقد توزّع الجنود الإسرائيليون عند أطراف المخيم، ومنعوا الفارين وهددوهم بالقتل، مما اضطرهم إلى الرجوع".
ألقى الجيش الإسرائيلي خلال المجزرة قنابل مضيئة فوق منطقة صبرا وشاتيلا ليلًا، ما ساعد المهاجمين على تنفيذ عمليتهم. ويضيف الكتاب: "سبق المجزرة اجتماع في مقرّ القوات اللبنانية في الكرنتينا شرق بيروت، حضره شارون نفسه، وخلاله أُقِرّ إدخال مجموعات أمنية إلى مخيم شاتيلا. وبالفعل، حصل ذلك؛ إذ تجمّعت العناصر في مطار بيروت الدولي ومنه انتقلت إلى شاتيلا يوم 16 أيلول/ سبتمبر".
كشفت وثائق وشهادات أن دخول المسلّحين إلى صبرا وشاتيلا لم يكن من مدخل واحد؛ بل توغّلوا من أكثر من جهة على النحو الآتي:
-
من جهة الغرب عبر المدينة الرياضية وصولًا إلى حيّ عرسال والحيّ الغربي.
-
من الجنوب الغربي قرب السفارة الكويتية، عبر مدرسة الإنعاش وتلة خلف المدينة الرياضية القريبة من صبرا وصولًا إلى حيّ عرسال.
-
من الجنوب من منطقة بئر حسن؛ توقفت مجموعات في بئر حسن، واجتازت أخرى شارع السفارة بين مستديرة المطار والسفارة الكويتية، ودخلت من عدّة مداخل كان أولها حرش ثابت وحيّ المقداد.
مروّعة.. الصحافة توثق المشاهد
ما إن انتهت المجزرة يوم السبت 18 سبتمبر 1982 حتى دخلت وسائل الإعلام اللبنانية والأجنبية إلى المنطقة المنكوبة، وكانت المشاهد مروّعة.
خلال المجزرة لم يتسنّ لأحد الاقتراب بفعل الطوق الأمني الإسرائيلي. وبعد ساعات من انتهائها، اهتزّت وسائل الإعلام العالمية بالصور والفيديوهات التي وثّقت قتل النساء والرجال والأطفال والشيوخ.. جثث ودماء في كل مكان؛ مشهد يمثّل إبادة بكل ما للكلمة من معنى.
نقل الصحافي الإسرائيلي أمنون كابليوك مشاهد عن المجزرة، فقال إن مئات المسلّحين أطلقوا النار على كل من يتحرّك في أزقة صبرا وشاتيلا، وإن بعض الأهالي قُتلوا في أسِرّتهم وهم بلباس النوم.
وقال كابليوك إن المعتدين بتروا أعضاء الضحايا قبل القضاء عليهم، وسحقوا رؤوس الرضّع والأطفال بالجدران، واغتصبوا نساء وفتيات قبل ذبحهنّ. أما أعداد الضحايا فلم تكن موحّدة، لكن الحديث تركز على سقوط ما بين 4000 و4500 ضحية.
برزت لاحقًا شهادات كثيرة لناجين كشفت هول الهجوم الذي تعرّض له السكان على مدى 43 ساعة.
تفاصيل الليلة الأولى للمجزرة
تفيد الشهادات بأن المجموعات المسلحة هاجمت الملاجئ التي كانت تغصّ بالنساء والأطفال والمسنّين. كما أوقفت السكان على الجدران وأعدمتهم رميًا بالرصاص. ويقول ديفيد لامب في "لوس أنجلِس تايمز": "عائلات بأكملها ذُبحت.. كل الرجال ظهر أن النار أُطلقت عليهم من الخلف.. خمسة شبان في عمر القتال رُبطوا إلى بيك آب جرّوهُم في الطرقات قبل إطلاق النار عليهم".
في حيّ الدوخي، أطلق أحد المقاتلين الذين تصدّوا للإسرائيليين قبل ساعات النار في الهواء حين رأى المسلّحين يعتدون على النساء والأطفال. وقع اشتباك بينه وبين الجماعات المسلحة؛ كان يُدعى "إبراهيم". استمرّ القتال نحو ربع ساعة، ثم تراجع بعد نفاد ذخيرته.
انتقل "إبراهيم" إلى مهمة أخرى هي إفراغ الملاجئ التي لم يصل إليها المسلّحون؛ فتوجّه إلى ملجأ مدرسة الجليل حيث وجد نحو مئتي طفل وامرأة، وأبلغهم بوقوع مجزرة وطلب الإخلاء بهدوء.
عاونته ممرضة تُدعى "أم ربيع"، فقادا الناس إلى مستشفى غزة، وهو الملجأ الأقرب.
لجأ المئات إلى ثكنة هنري شهاب التابعة للجيش اللبناني وتوسّلوا الحماية، فاستجاب الجنود. وبقيت مجموعة شبان مسلّحين قرب "قهوة علي همدر" في شاتيلا لمساندة "إبراهيم" في إخراج الناس من بيوتهم. وتمكّن كثيرون من النجاة عبر مسارات مختلفة.
يتبيّن أنه خلال الليلة الأولى، لم تدخل الجماعات المسلحة إلى مخيم شاتيلا بالذات، ولم تصل إلى منطقة صبرا بأكملها. وبحسب الشهادات، لم يكن الوقت كافيًا للمهاجمين للتوغّل، كما عرقلتهم أحداث معيّنة مثل تفجير أبناء المنطقة مستودع سلاح يُعرف بـ"مستودع الاستديو"، والتصدي الذي قام به "إبراهيم"، وإطلاق قذيفة "آر بي جي" على منطقة الحرش ما دفع المهاجمين إلى التراجع.
مع فجر الجمعة، كانت جثث الضحايا موزّعة في منطقة شاتيلا باستثناء المخيم؛ إذ أحبطت المجابهة شبه العفوية التقدّم نحوه.
تفاصيل اليوم الثاني
مع انقضاء ليلة الخميس/ الجمعة، وصلت تعزيزات للمهاجمين لمؤازرة الموجودين. وفي الصباح الباكر أطلقت المجموعات المسلّحة نداء إلى سكان شاتيلا: "سلّم تسلم".
كان الجمعة يومًا عصيبًا؛ شهد اقتحام مستشفى عكا حيث تحصّن المدنيون، علمًا أن المهاجمين لم يدخلوا مخيم شاتيلا يوم الجمعة أيضًا. وحتى لو دخلوا، فلن يجدوا أحدًا، إذ غادر معظم السكان ليلًا، ومن لم يعلم بالمجزرة غادر صباحًا من جهتي الشمال والشمال الشرقي.
وصل المسلّحون إلى منتصف شارع شاتيلا خلال نهار الجمعة، وبدأوا جرف المنازل والبيوت، ولم يكتفوا بقتل المدنيين. وانطلقت الأعمال الميدانية فجر الجمعة بعد إدخال جرافات وآليات عسكرية إلى شاتيلا.
لم يدخلوا كذلك إلى داخل منطقة صبرا، بل تقدّموا ضمن شارع شاتيلا الرئيسي حتى حدود صبرا
وخلال ليل الخميس/ الجمعة، استراح جزء من المسلّحين في شاحنات ببلدة الحدث ساعاتٍ قليلة، ثم عادوا صباحًا، فيما وصلت أفواج جديدة وبقي آخرون داخل المنطقة المنكوبة لتنفيذ ما يمكن خلال الليل.
في حرش شاتيلا، حاولت مجموعة من أبناء المنطقة التقدّم نحو أحد الملاجئ للاطمئنان على من فيه، ففوجئت بالمجموعات المسلحة في مكان قريب؛ رمى هؤلاء قنبلة فسفورية انفجرت عند باب الملجأ فاحترق المكان بمن فيه. اندلع اشتباك قصير، ثم تراجع المسلّحون إلى الأزقّة. وكان الوقت ما يزال قبل الظهر، وتبيّن أن ذخيرة بعضهم شارفت على النفاد. بلغ عدد الذين قاتلوا أو حملوا السلاح في الحرش منذ الأربعاء وحتى الجمعة 25 شخصًا، نفّذوا عملياتهم على دفعات.
وبالعودة إلى اقتحام مستشفى عكا، فقد كان يؤوي المئات، لكن جميع من كان فيه غادر منذ الفجر قبل الاقتحام. عند الخامسة صباحًا، أطلق المسلّحون عبر مكبّرات الصوت نداءً للناس بالعودة إلى منازلهم وتسليم الأسلحة الموجودة فيها. وبفعل النداءات، غادر الناس المستشفى وتفرّقوا؛ بعضهم قال إنه عائد إلى شاتيلا، وآخرون إلى مخيم برج البراجنة.
عقد الأطباء والممرضون اجتماعًا عند الثامنة صباحًا وقرّروا البقاء والصمود، لكن الاقتحام وقع الساعة الحادية عشرة. تعامل المهاجمون مع كل شخص وفق جنسيته، وتراوحت المعاملة بين اللين والتعذيب والاغتصاب والقتل الوحشي.
طلب ضابط إسرائيلي عند مدخل شاتيلا من العاملين والممرضين العودة إلى المستشفى وإغلاقه في وجه الجرحى والقتلى. وبعد ذلك تبين أن أربعة من الجرحى اختُطفوا، فيما بقيت ممرضتان تعتنيان بثمانية جرحى وخمسة أطفال معوّقين، إضافة إلى رضع.
لم يَرأف المسلّحون بالأطباء؛ عذّبوا وقتلوا طبيبين فلسطينيين هما علي عثمان وسامي الخطيب. ومن ضحايا الجسم الطبي والعاملين طبيبان، وممرضتان، وثلاثة مسعفين، وموظف، وطباخ، وحارس، فيما كان باقي الضحايا من المرضى ولا سيّما الأطفال.
كان يوم الجمعة الأطول في أيام المجزرة؛ امتدّ اليوم الأول من الغروب حتى منتصف الليل (نحو ست ساعات)، فيما امتدّ اليوم الثالث من ساعات السبت الأولى حتى الواحدة ظهرًا (نحو 13 ساعة).
تمّ القتل يوم الجمعة بصورة وحشية داخل الأزقة والملاجئ، وصُفّي الناس في حفر أحدثها الطيران الإسرائيلي خلال الاجتياح أو في حفر أُعِدّت لارتكاب الجريمة، إمّا قتلًا أو دفنًا بالرمل أحياء. وشهد اليوم ذاته عمليات اغتصاب كانت تنتهي غالبًا بالقتل، خصوصًا للفلسطينيات.
والمفارقة أن المهاجمين تعاملوا مع الأجانب، خصوصًا في المستشفى، بصورة مختلفة؛ لم يحاولوا إيذاءهم وسهّلوا لهم المغادرة.
تفاصيل اليوم الثالث
ما حصل في اليومين الأول والثاني تكرّر في اليوم الثالث. ابتدأ تجميع السكان فجر السبت من أزقة صبرا وشوارعها الفرعية ومن شوارع شاتيلا، لكن المهاجمين لم يدخلوا المخيم ولو دخلوا لوجدوه فارغًا.
كان أبرز مراكز التجمع منذ الفجر ساحة صبرا؛ أُخرج الناس منها للسير عبر شارع صبرا جنوبًا، ثم شارع شاتيلا الرئيسي المتداخل معه، ثم يمينًا نحو السفارة الكويتية، ومن هناك إلى مستديرتها، فيمينًا نحو المدينة الرياضية.
أطلق الإسرائيليون عبر مكبّرات الصوت نداءات إلى السكان بالتوجّه نحو ملعب كرة القدم، وأُخضع كثيرون للتحقيق.
في ذلك اليوم، هاجم المسلّحون مستشفى غزة، لكنهم لم يجدوا سوى طاقم طبي أجنبي، فأُمِر أفراده بالخروج سيرًا إلى مقر قيادة القوات اللبنانية للتحقيق، ومنه إلى مقر القيادة الإسرائيلية المجاور.
وللتذكير، كان المستشفى يغصّ بالناس من الأربعاء حتى الخميس، لكنه بات فارغًا يوم الجمعة بعد مغادرة الناس وكثير من الجرحى.
استمرّت أعمال الخطف عبر سيارات الشحن العسكرية والآليات المنتشرة في الطرقات، لنقل المخطوفين إلى المجهول.
وعند الظهيرة، غادر المسلّحون صبرا وشاتيلا، لكنهم ظلّوا عند أطراف شاتيلا من الجهة الجنوبية الغربية، قرب السفارة الكويتية.
لم تبدأ عمليات البحث عن الضحايا قبل الأحد؛ قرّرت الحكومة اللبنانية إرسال الجيش صباح ذلك اليوم للحفاظ على الأمن وتسهيل عمليات الإنقاذ والبحث.
وعند الظهر، انتشر 1500 جندي لبناني داخل المنطقة المنكوبة وحولها، وبات حيّ صبرا ومنطقة شاتيلا في حماية الجيش بإشراف العقيد الطبيب مارسيل برنس.