على مدى عقود، نفّذت إسرائيل في لبنان عشرات الاغتيالات والاعتداءات، وارتكبت سلسلة طويلة من المجازر التي استهدفت مدنيين وقرى ومجتمعات محلية، من دون أن تُحاسَب على معظم تلك الجرائم، أو على ما واصلت ارتكابه لاحقًا في الحروب والاجتياحات والاعتداءات المتكررة.
ضمن سلسلة "مجازر إسرائيل في لبنان.. ذاكرة لا تسقط"، يفتح موقع التلفزيون العربي ملفًا توثيقيًا يستعيد محطات دموية من هذا السجل، لا بوصفها وقائع معزولة في الماضي، وإنما كجزء من ذاكرة طويلة من القتل والتهجير ومحاولات طمس الجريمة، ومن تاريخٍ ظلّت فيه القرى والبلدات اللبنانية شاهدة على عنف إسرائيلي لم يستثنِ المدنيين.
تأتي مجزرة صلحا عام 1948 في مقدمة هذا المسار، لا لأنها واحدة من أوائل المجازر المرتبطة بالوجود الإسرائيلي على تخوم لبنان فحسب، وإنما لأنها تقع عند تقاطع حساس بين الذاكرة اللبنانية والفلسطينية. فالقرية التي توردها مصادر على أنها ضمن قضاء صفد في فلسطين، ترد في مصادر لبنانية أخرى ضمن القرى السبع التي سُلخت عن لبنان وأُلحقت إداريًا بفلسطين في زمن الانتداب، قبل أن تحتلها إسرائيل.
ومهما اختلف التصنيف الإداري للقرية، فإن الثابت أن صلحا نالت نصيبها من النكبة قتلًا وتدميرًا وتهجيرًا، في سياق سياسة الاحتلال والإحلال التي استهدفت الأرض والسكان والذاكرة معًا.
ماذا نعرف عن صلحا؟
| البند | المعلومة |
|---|---|
| الاسم | صلحا / صلحة |
| الموقع | شمالي صفد قرب الحدود مع لبنان |
| التصنيف | ترد فلسطينية في مصادر، وترد ضمن القرى السبع في مصادر لبنانية |
| تاريخ المجزرة | 30 أكتوبر/ تشرين الأول 1948 |
| العملية العسكرية | عملية "حيرام" |
| القوة المهاجمة | اللواء السابع/ شيفع |
| عدد الضحايا | تتراوح التقديرات بين نحو 94 و105 شهداء |
| المستوطنات المقامة على أراضيها | يرؤون وأفيفيم |
الموقع
تشير موسوعة القرى الفلسطينية إلى القرية باسم "صلحة" و"صلحا"، وتعرّفها بأنها قرية حدودية تقع شمالي مدينة صفد وعلى مسافة تقارب 12 كيلومترًا عنها. وتوضح الموسوعة أن القرية المهجّرة كانت من القرى التي احتُلت في مرحلة متأخرة من حرب عام 1948، على يد جنود اللواء السابع في الهاغاناه/ شيفع، يوم 30 أكتوبر/ تشرين الأول 1948، في سياق عملية "حيرام".
في المقابل، تورد مصادر لبنانية رسمية وصحفية صلحا ضمن القرى السبع. ويفيد موقع الجيش اللبناني بأن تلك القرى الواقعة في جنوب البلاد سُلخت بموجب اتفاقات متتالية بين سلطتي الانتداب الفرنسي والبريطاني آنذاك، ثم ضُمّت إلى فلسطين.
وتضم هذه القرى، التي تمتد على شكل قوس حدودي، آبل القمح، وطبريخا، وصلحا، وقدس، والمالكية، والنبي يوشع، وهونين، إضافة إلى المزارع المحيطة بها.
عدد السكان قبل النكبة
تشير موسوعة القرى الفلسطينية إلى أن إحصاء عام 1931 سجّل في صلحا قرابة 742 نسمة، فيما تذكر مصادر صحفية لبنانية أن عدد سكانها عام 1948 بلغ نحو 1300 شخص.
"تأتي مجزرة صلحا عند تقاطع حساس بين الذاكرة اللبنانية والفلسطينية".
وبحسب موقع الجيش اللبناني، فإن أهل صلحا، كحال سكان بلدات أخرى من القرى السبع، كانوا لبنانيين مسجلين بموجب إحصاء عام 1921 في سجلات النفوس القديمة في مدينة صور. وبموجب تلك السجلات، استعاد قسم من أبناء القرى السبع جنسيتهم اللبنانية بين عامي 1960 و1963.
تاريخ المجزرة وعدد الضحايا
أما تاريخ المجزرة، فيعود إلى 30 أكتوبر/ تشرين الأول 1948، حين دخلت قوات اللواء السابع/ شيفع إلى القرية ضمن عملية "حيرام".
وفي ما يتعلق بعدد الضحايا، تتفاوت التقديرات بين مصادر عدة، إذ يرد الرقم 105 شهداء بوصفه الأكثر تداولًا، فيما تشير مصادر أخرى إلى أرقام تقارب 94 أو نحو 100 شهيد.
وبعد احتلال القرية وتهجير أهلها، أُقيمت على أراضيها مستوطنتا يرؤون عام 1949 وأفيفيم عام 1958، فيما تورد بعض المصادر عام 1960 تاريخًا لإنشاء الثانية.
صلحا في الذاكرة والتاريخ
-
1921: تسجيل عدد من أبناء القرى السبع في سجلات النفوس القديمة في صور.
-
1931: إحصاء يسجل في صلحا قرابة 742 نسمة.
-
29 أكتوبر/ تشرين الأول 1948: بدء عملية "حيرام".
-
30 أكتوبر/ تشرين الأول 1948: اقتحام صلحا ووقوع المجزرة.
-
1949: إقامة مستوطنة يرؤون على أراضي القرية.
-
1958/1960: إقامة مستوطنة أفيفيم بحسب اختلاف المصادر.
-
1960-1963: استعادة قسم من أبناء القرى السبع جنسيتهم اللبنانية.
-
1994: صدور مرسوم التجنيس الذي لم يشمل كل أبناء القرى السبع.
عملية "حيرام" ومجزرة صلحا
شارك لبنان، إلى جانب دول عربية أخرى، في الحرب ضد العصابات الصهيونية عام 1948. وفي المرحلة الأخيرة من تلك الحرب، نفّذت القوات الإسرائيلية عملية "حيرام"، التي بدأت في 29 أكتوبر/ تشرين الأول، واستهدفت السيطرة على الجليل الأعلى ومناطق واسعة على الحدود مع لبنان.
وخلال العملية، دخلت القوات الإسرائيلية قرى عدة، وارتكبت مجازر بحق سكانها، ودفعت آلاف المدنيين إلى النزوح. وكانت صلحا واحدة من القرى التي شهدت واحدة من أبشع تلك الوقائع.
فقد اقتحمت قوات اللواء السابع/ شيفع القرية، بعدما كان عدد من أبنائها قد شاركوا في التصدي للعصابات الصهيونية في محيطها، وخصوصًا في معركة بلدة المالكية المجاورة. ووفق ما ترويه شهادات من أبناء القرية، نادى المهاجمون على الأهالي وأمروهم بالتوجه إلى ساحة المسجد.
وتفيد روايات محلية بأن القوات المهاجمة أجبرت الأهالي على الوقوف في الباحة الخارجية، قبل أن تطلق النار عليهم. وتنقل صحيفة "الأخبار" اللبنانية، عن كتاب "في قانا وأخواتها" لبلال شرارة، شهادة لأحد أبناء صلحا قال فيها إن العصابات الصهيونية دخلت البلدة بعد تقهقر جيش الإنقاذ العربي، الذي أنشأته جامعة الدول العربية وضم متطوعين لمساندة الفلسطينيين عقب صدور قرار التقسيم.
وبحسب الشهادة نفسها، استدعى المهاجمون المختار ونادوا على الأهالي، وأمروهم بالتوجه إلى ساحة المسجد لتسليم 60 بندقية. وبعد تسليم عدد أقل من المطلوب، ووعد المختار بتسليم البقية في اليوم التالي، ردّت القوات المهاجمة بقتل عشرات من سكان القرية رميًا بالرصاص.
بقي اسم صلحا شاهدًا على جريمة مبكرة من سجل طويل، وعلى ذاكرة لا تزال تقاوم المحو
وتشير روايات أخرى إلى أن جثث الشهداء، التي بقيت في ساحة المسجد، نُقلت لاحقًا إلى داخله، قبل أن تعود القوات الإسرائيلية بعد أيام وتحرقها وتهدم المبنى.
كما تورد موسوعة القرى الفلسطينية أن القوات المهاجمة قصفت منازل القرية عشوائيًا خلال المجزرة، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الشهداء تحت الأنقاض، فيما أُعدم آخرون وسط البلدة.
وعلى غرار مجازر أخرى ارتُكبت في القرى والمدن الفلسطينية خلال تلك المرحلة، لم يقتصر العنف في صلحا على الرجال أو المقاتلين، إذ طاول النساء والأطفال والشيوخ، وترافق مع نهب الممتلكات وتهجير من بقي من الأهالي نحو مناطق أخرى في جنوب لبنان.
ما بعد مجزرة صلحا
لم تنتهِ مأساة صلحا مع انتهاء المجزرة. فالناجون من القرية حملوا معهم ذاكرة المكان إلى القرى والبلدات التي نزحوا إليها، بعدما عُومل كثيرون منهم بوصفهم لاجئين فلسطينيين، قبل أن يصدر مرسوم التجنيس عام 1994، وهو مرسوم لم يشمل كل أبناء القرى السبع.
ما هي القرى السبع؟
توزع أبناء صلحا على مناطق عدة، وحملوا اسم قريتهم إلى حيث استقروا. ففي بلدة برج الشمالي في قضاء صور، أُطلق اسم "حي صلحا" على أحد الأحياء، وكذلك في منطقة الشبريحا ضمن التقسيم الإداري نفسه، بعدما أقام فيهما عدد من المهجرين قسرًا من القرية.
ومع مرور السنوات، حرص "الصلحيون"، أي أبناء صلحا، على توريث الانتماء إلى قريتهم، عبر حفظ الذاكرة ونقلها إلى الأجيال التي وُلدت بعد عام 1948. لم تعد صلحا بالنسبة إليهم مكانًا غائبًا فقط، وإنما ذاكرة عائلية وجماعية، واسمًا يختصر أرضًا أُخرجت من الخريطة بفعل الحدود، ثم أُخرج أهلها منها بفعل القتل والتهجير.
أما في القرية نفسها، فقد تغيّر المشهد بالكامل. على أنقاض المنازل التي هُدمت، أُقيمت مساكن للمستوطنين، وزُرعت الأرض بأيدٍ أخرى، فيما بقي اسم صلحا شاهدًا على جريمة مبكرة من سجل طويل، وعلى ذاكرة لا تزال تقاوم المحو.