اطمأن الذين التحقوا بالقافلة التي غادرت مرجعيون في 11 أغسطس/ آب 2006 إلى وجود الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل مع رتل السيارات الطويل، الذي سلك طريق البقاع الغربي تاركًا خلفه الجنوب المنكوب.
لكن الاحتلال الإسرائيلي، الذي كان يشن حينها عدوانًا على لبنان عُرف باسم "حرب تموز"، نكث وعوده على عادته، وأطلق صواريخ عدة على مركبات كانت تعج بالنازحين، ثم حاول تقديم روايات مختلفة للتنصل من مسؤوليته عما فعله في تلك الليلة.
حرب تموز.. العدوان الإسرائيلي على لبنان صيف 2006
بين 12 يوليو/ تموز و14 أغسطس/ آب 2006، شنت إسرائيل حربًا على لبنان أسفرت عن استشهاد 1200 شخص وإصابة 4400 آخرين، في حين قُتل 159 إسرائيليًا.
وقد قُدّرت الفاتورة الاقتصادية للحرب على لبنان بسبعة مليارات دولار، لا سيما وأن إسرائيل دمرت الطرق والجسور وقصفت محطات الكهرباء والمعابر البرية وخزانات الوقود ومدارج مطار بيروت الدولي.
كيف اندلعت الحرب؟
للضغط على إسرائيل من أجل تحرير أسرى، أقدم مقاتلون من حزب الله صباح 12 يوليو/ تموز 2006 على أسر جنديين إسرائيليين وقتل آخرين في عملية نفذوها عند أطراف بلدة عيتا الشعب، وحملت اسم "الوعد الصادق".
على الأثر، شنّت إسرائيل عدوانًا واسعًا على لبنان، وطال القصف مناطق عدة، لا سيما الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، في حين دكّت صواريخ حزب الله المستوطنات الإسرائيلية.
وقد انتهت حرب تموز في 14 أغسطس/ آب من ذلك العام. وبعد قرابة عامين، جرى تبادل جثتي الجنديين الإسرائيليين مع أسرى ورفات مقاتلين عبر الصليب الأحمر الدولي.
ماذا جرى في ثكنة مرجعيون في أغسطس 2006؟
في التاسع من أغسطس 2006 (وفي بعض المصادر يوم 10 أغسطس)، وقبل أيام من انتهاء الحرب، دخلت الدبابات الإسرائيلية إلى ثكنة القوة الأمنية المشتركة في مدينة مرجعيون جنوبي لبنان.
الثكنة، التي كانت تضم عشرات العناصر من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، أصبحت تحت الاحتلال الإسرائيلي. وعلى الأثر، قررت القوى الأمنية اللبنانية مغادرتها والانسحاب من المنطقة الحدودية، بعدما أُجبرت على تسليم أسلحتها.
وقد آثر مئات المواطنين اللبنانيين الالتحاق بالقوات المنسحبة، للتخلص من جحيم الحصار الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي على قراهم في منطقة مرجعيون والعرقوب.
ووفق عدد أرشيفي من صحيفة "السفير" اللبنانية، اطمأن هؤلاء يومها إلى رحلة تهجيرهم من قراهم وأرضهم، بناء على "ضمانات" أعطتها إسرائيل عبر قوات اليونيفل بعدم التعرّض لهم وللقوة الأمنية اللبنانية.
وتنقل صحيفة "الأخبار" اللبنانية في عدد أرشيفي عن مصدر مطلع، أن انطلاق القافلة كان مقررًا عند التاسعة صباحًا من يوم الجمعة، الحادي عشر من أغسطس، غير أن الطريق التي كان يفترض أن تسلكها على تخوم مرجعيون لم تكن صالحة للعبور نتيجة تعرضها للقصف.
ومع الاستعانة بجرافات قوات اليونيفيل لإصلاح الطريق ما أمكن، تأخر موعد الانطلاق إلى ما بعد الظهر. وقد رافقت مدرعات تابعة لقوات "اليونيفيل" القافلة حتى بلدة حاصبيا.
ضمت القافلة، وفق مصدر "الأخبار"، أكثر من ألف سيارة، ووصلت إلى مشارف جب جنين في البقاع الغربي عند العاشرة مساءً، نتيجة العدد الكبير للمركبات ووعورة الطرقات.
هناك، تعرّضت القافلة التي ضمت أكثر من خمسة آلاف نازح وما يقارب 350 عنصرًا من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي للقصف. وكان هؤلاء يستقلون نحو ألف سيارة وحافلة نقل وآلية عسكرية من مختلف الأنواع والأحجام، وفق ما ورد في صحيفة "السفير".
وتذكر الصحيفة أن طائرات استطلاعية أغارت على ثلاث دفعات، مستهدفة مقدمة القافلة ووسطها ومؤخرتها بثلاثة صواريخ، ثم عادت وقصفتها مرتين متتاليتين بتسعة صواريخ.
وقد أدى القصف إلى استشهاد 7 أشخاص، من بينهم مسعف، وجرح العشرات، في حصيلة اختلفت المصادر في تقديرها بين 36 ونحو 65 جريحًا.
كيف برر الاحتلال الإسرائيلي مجزرة قافلة مرجعيون؟
سارع الاحتلال إلى إنكار إعطائه الضوء الأخضر لانطلاق القافلة، وزعم أن المسؤولين في اليونيفيل تجاهلوا التعليمات الإسرائيلية بعدم السماح لها بالتحرك.
كما ادعى أن القوات الإسرائيلية اشتبهت بوجود آليات عسكرية تعبر الطريق بعد أن سلّمت حمولتها من الأسلحة والذخيرة إلى حزب الله، أو تحاول "الهروب" بهذه الحمولة، على ما نقلت "الأخبار" عن صحيفة "واشنطن بوست".
لكن اليونيفيل كذّبت، من جانبها، الادعاءات الإسرائيلية. فقد أكد قائدها في ذلك الحين، الجنرال ألان بيلليغريني، أن القوات الدولية حصلت من الجانب الإسرائيلي على الضوء الأخضر لهذه العملية.
إلى ذلك، ذكرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أن ادعاء الجيش الإسرائيلي بأنه لم يأذن بتحرك القافلة غير قابل للتصديق.
وأفادت بأن السلطات اللبنانية وقوات اليونيفيل أبقتا القافلة منتظرة لساعات ريثما تحصلان على إذن إسرائيلي لمرورها. ووفقًا لكلتا الجهتين، لم يُسمح لها بالمرور إلا بعد الحصول على هذا الإذن.
وأكدت هيومن رايتس ووتش أن تصريح الجيش الإسرائيلي بشأن الاستهداف يناقض الوقائع الملموسة على الأرض. فقد سبق له أن تلقى طلبًا للسماح بمرور القافلة وأعطى ترخيصًا بذلك، رغم إنكاره.
كما أن قوانين الحرب تفرض عليه أن يقوم بكل ما هو ممكن للتأكد من أن ما يستهدفه هو هدف عسكري حقًا، وفق ما أضافت.
وختمت بأن "معرفة الجيش الإسرائيلي بأن قافلة مدنية كبيرة تتجه شمالاً من مرجعيون، إضافة إلى ملاحظة هذه القافلة الضخمة والتي تضم كثيرًا من السيارات المدنية التي ترفع الرايات البيضاء والمتجهة شمالاً، كان كافيًا لعدم الإقدام على هذه الغارة".