على مدار الساعة، لا تتوقف الحركة في ساحة بلدة كترمايا في جبل لبنان.
قد تخفّ جمهرة الشبان وتغلق غالبية المحال التجارية، لكن حضورًا هنا وآخر هناك يؤنس الليل، فلا يعمّ الهدوء تمامًا.
كان المشهد نفسه في ثمانينيات القرن الماضي يطبع أجواء البلدة التي تجاور بلدة سبلين، وتشكلان معًا مدخلًا رئيسيًا إلى إقليم الخروب في قضاء الشوف.
غير أنّ يومًا من عام 1982 غيّر معالم هذا المشهد، حين ارتكبت إسرائيل واحدة من أفظع مجازرها خلال اجتياحها للبنان.
كانت البلدة في ذلك الحين هادئة نسبيًا مقارنة بالجنوب القريب، وتعجّ بأهلها الذين وجدوا فيها ملاذًا آمنًا فلازموها، وبوافدين نزحوا إليها هربًا من القصف الذي طال مناطقهم.
لكن في 7 يونيو/ حزيران 1982، وكان يوم الإثنين، شنّ الاحتلال الإسرائيلي غارتين على كترمايا، حوّلتا مساحة واسعة منها إلى دمار، وأسفرتا عن سقوط نحو 40 شهيدًا ومئات الجرحى.
ماذا نعرف عن بلدة كترمايا؟
لا تبعد كترمايا كثيرًا عن البحر، لكنها لا تجاوره مباشرة. وهي إحدى أكبر قرى إقليم الخروب، ومن بين أكثرها كثافة سكانية.
تحيط بها قرى مزبود ودلهون وسبلين والوردانية، وتبعد عن بيروت 41 كيلومترًا، وعن الحدود اللبنانية الفلسطينية نحو 100 كيلومتر، وتقع على مقربة من مدينة صيدا.
عندما بدأت إسرائيل اجتياح لبنان في يونيو 1982، سرعان ما ارتكبت في اليوم التالي مجزرة في كترمايا، ما زال أهل البلدة يذكرون تفاصيلها كأنها حدثت بالأمس القريب.
وللزائرين، يقف نصب الشهداء منذ عقود حاملًا عبارة "المجد والخلود لشهدائنا الأبرار"، شاهدًا على ما حدث في ذلك اليوم.
اجتياح لبنان عام 1982
أطلقت إسرائيل على العملية اسم "عملية سلامة الجليل"، وقالت إن هدفها "طرد" التنظيمات الفلسطينية من لبنان، وتصفية الوجود الفدائي القريب من فلسطين، زاعمة أن الغاية حماية المستوطنات الإسرائيلية من العمليات الفدائية.
بدأ الاجتياح في 5 و6 يونيو 1982، ووصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، تحت غطاء من نيران القاذفات المقاتلة والزوارق البحرية، إلى بيروت. فتعالت الدعوات إلى حمل السلاح دفاعًا عن لبنان كله، وفق ما تقول الباحثة اللبنانية دلال البزري.
وعلى الأثر، حوصرت بيروت 90 يومًا، وصمد المقاتلون على مختلف الجبهات، وتلاحم اللبنانيون والفلسطينيون خلال الحصار.
أما الذريعة التي استخدمتها إسرائيل لشنّ الاجتياح، فكانت محاولة اغتيال سفيرها شلومو أرغوف في لندن في 3 يونيو 1982، وفق ما يذكره الدكتور طارق قاسم في كتابه "تاريخ إقليم الخروب المعاصر"، علمًا أن الصحافة كانت قد كشفت قبل الغزو تحشيد إسرائيل قواتها قرب الحدود مع لبنان.
مجزرة كترمايا 1982
بالعودة إلى كترمايا، القريبة من الخط الساحلي الرابط بين مدينتي صيدا وبيروت، كان قصف مركز قد طال جميع الثكنات العسكرية ومواقع جيش لبنان العربي في منطقة إقليم الخروب التي تنتمي إليها، بحسب المصدر نفسه.
وكان جيش لبنان العربي قد تأسس مطلع عام 1976، خلال ما عُرف بـ"حرب السنتين" بين عامي 1975 و1976، بقيادة الملازم أول أحمد الخطيب، بعد انشقاقه عن الجيش اللبناني.
وفي 7 يونيو 1982، يلفت قاسم في كتابه إلى أن الطائرات الإسرائيلية قصفت بلدة كترمايا على دفعتين، ودمّرت أحياء سكنية مزدحمة بالسكان، خصوصًا بالأهالي والنازحين الذين لجأوا إليها من مناطق أخرى.
ويشير إلى سقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى، موضحًا أن الغارة الإسرائيلية طالت مدنيين عزلًا، وأن هدفها لم يكن سوى فرض الاستسلام وإيقاع الرعب في نفوس أهالي إقليم الخروب.
ومن الشهداء الذين يعددهم: الدكتور حسين يونس، وأحمد السيد أحمد، وفاطمة محمد ملك، وهدية عزيز، ودرويشة عبد القادر، وحسين عبد السلام منصور، وجمال محمد طافش.
مجزرة خلال عزاء بشهيدين
يوضح عدد أرشيفي من صحيفة السفير، بتاريخ 7 يونيو 2000، أنه في كترمايا، بعد ظهر الإثنين 7 يونيو 1982، اجتمع عدد كبير من الأهالي في خلية الجامع، وهي قاعة كانت تقام فيها مناسبات اجتماعية، لتقديم التعازي بشقيقين استشهدا بقصف إسرائيلي على طريق خلدة، غرب العاصمة بيروت، في اليوم السابق.
وتفيد شهادات بأن القصف استهدف بلدة كترمايا قبل دقائق من الساعة الخامسة عصرًا، وأن الضربتين لم يفصل بينهما سوى نحو دقيقتين.
ووفق الصحيفة، استهدف القصف حي الجامع في وسط البلدة، وهو حي سكني وتجاري مكتظ.
كانت كترمايا تُعد ملاذًا آمنًا نسبيًا قبل أن تتحول في 7 يونيو 1982 إلى ساحة دمار - من أرشيف "السفير"
غارات وهمية وجرحى تحت الركام
في ذلك اليوم، تواصلت الغارات الوهمية فوق كترمايا، وامتدت إلى اليوم التالي، فيما سارع الأهالي إلى إنقاذ من أمكن إنقاذه وانتشال جثامين الشهداء.
وتفيد "السفير" بأن الحصيلة بلغت 32 شهيدًا من أبناء كترمايا، إضافة إلى خمسة شهداء لم تُعرف هويتهم وكانوا في زيارة للبلدة.
وتنقل الصحيفة في عددها الأرشيفي عن رئيس نادي كترمايا الثقافي الاجتماعي آنذاك، عماد عبد الرحيم، أن كثيرين استشهدوا تحت الركام لأن استمرار الغارات منع الأهالي من انتشالهم.
ويروي:
"كنا نبحث عن مصدر الصوت ونجد الجرحى، ومن لم نجده تُوفي متأثرًا بجراحه، ووجدناه لاحقًا عندما أُزيل الدمار".
وعلى إثر القصف الإسرائيلي، نزح عدد من أهالي كترمايا، فيما انشغل آخرون بالبحث عن الجرحى والشهداء تحت الأنقاض.