يثقل القصف الإسرائيلي المتكرر بلدة كونين بمزيد من ندوب الذاكرة. ففي عدوان تلو آخر على لبنان، تنال البلدة نصيبًا وازنًا من الاستهدافات، شأنها شأن قرى كثيرة في الجنوب، فتستعيد أجيالها ما خلّفته الحروب والاجتياحات السابقة من موت ودمار.
في منتصف مارس/ آذار 1978، وخلال الاجتياح الإسرائيلي الأول للبنان، الذي عُرف إسرائيليًا باسم "عملية الليطاني"، ارتكبت القوات الإسرائيلية مجزرة في كونين، قتل وجرح العشرات، ودمّر منازل وممتلكات.
ومن تلك الواقعة بقيت قصص عائلات قُطعت أغصان كثيرة من شجرتها دفعة واحدة.
ما نعرفه عن كونين
تقع بلدة كونين في قضاء بنت جبيل ضمن محافظة النبطية جنوبي لبنان، وتبعد نحو 6 كيلومترات عن الحدود مع فلسطين المحتلة، وما يقارب 115 كيلومترًا عن العاصمة بيروت.
ويشير موقع كونين الإلكتروني إلى أن الطيري وعين إبل تحدانها من الغرب، وبنت جبيل وعيناثا من الجنوب، وبرعشيت وبيت ياحون من الشمال، فيما تحدها من الشرق بلدات محيبيب وبليدا وعيترون.
وخلال ما سُمي بـ"عملية الليطاني"، كانت كونين وبلدات جنوبية أخرى مسرحًا لجرائم ارتكبتها القوات الإسرائيلية، على غرار المجازر التي شهدتها راشيا الفخار والخيام والعباسية.
عملية الليطاني.. الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1978
بدأت إسرائيل هجومها ليل 14-15 مارس/ آذار 1978، واستمرت العمليات العسكرية الرئيسية سبعة أيام، بقصف بري وبحري وجوي.
وجاء الاجتياح بعد أيام من عملية "كمال عدوان"، التي نفذتها مجموعة فلسطينية بقيادة دلال المغربي في 11 مارس/ آذار 1978 شمالي تل أبيب، وأدت إلى مقتل 32 إسرائيليًا وجرح 82 آخرين، وفق ما أوردته صحيفة "السفير" اللبنانية في عدد أرشيفي.
وأعلن مجلس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أن الهدف من العملية هو ضرب قواعد الفدائيين الفلسطينيين وتفكيك البنى التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
ونقلت "السفير" عن المؤرخ مصطفى بزي أن الاجتياح استهدف 358 بلدة وقرية في أقضية بنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا وصور والنبطية، وأنه أدى إلى احتلال نحو 1100 كيلومتر مربع من الأراضي اللبنانية، بينها أربع عواصم أقضية، وإلى مقتل 560 شخصًا وجرح 653 آخرين.
وفي 19 مارس/ آذار 1978، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 425، الذي دعا إسرائيل إلى وقف عملها العسكري والانسحاب من الأراضي اللبنانية، وقرر إنشاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل". وأُقر القرار 426 في اليوم نفسه لتنظيم عمل القوة الدولية.
من ذاكرة مجزرة كونين
أدى القصف الإسرائيلي الذي طال كونين في الأيام الأولى من اجتياح لبنان عام 1978 إلى استشهاد أكثر من 30 شخصًا من أهالي البلدة، بينهم نساء وأطفال وكبار في السن.
ومن بين ضحايا المجزرة غالبية أفراد عائلة درويش طعمة. ومع اشتداد القصف ومحاولة العائلة النجاة، وضع درويش أسرته في سيارته وانطلق مبتعدًا عن البلدة.
في ذلك اليوم، كان الجيش الإسرائيلي يدك كونين وقرى جنوبية أخرى، ويدمر البيوت فوق رؤوس ساكنيها.
سارع درويش إلى تشغيل محرك سيارته، التي اتسعت على ضيقها لـ11 شخصًا، وانطلق مبتعدًا.
لكن المركبة لم تقطع سوى أمتار قليلة. فبالقرب من جبانة كونين، كانت دبابة إسرائيلية في المرصاد، وأطلقت نيرانها نحوهم.
وفي هذا السياق، يروي مقال أرشيفي من جريدة "الأخبار" اللبنانية، أن درويش استشهد مع كل من زوجته الحامل ووالدته وأبنائه وبناته، باستثناء طفله الرضيع علي الذي طار من حضن أمه إلى خارج السيارة لحظة الاستهداف.
كما نجا شقيقه حسين، الذي كان يُعتقد أن آلة القتل نالت منه هو أيضًا، قبل أن يتثبت المنقذون من العكس.
وقد نقلت الصحيفة عن حسين قوله إن الشهداء نُقلوا بجرار زراعي ودُفنوا في الحاكورة (جل زراعي قرب المنازل).
الطفل محمد خليل بدوره قتله "قازان إسرائيلي"، على ما تورد "الأخبار". وبينما نجا والده الذي كان خارج البلاد، استشهدت جدته وعمه وعمته إضافة إلى عم والده مع عائلته.
وفي المحصلة، أوقع القصف الإسرائيلي على كونين في ذلك اليوم الدموي أكثر من 30 شهيدًا وعشرات الجرحى. ومع الحروب والاجتياحات الإسرائيلية التي تلت، تراكمت الخسائر، وبقيت مجزرة عام 1978 واحدة من أقدم الجروح المفتوحة في ذاكرة البلدة والجنوب.