لا تُختصر سيرة الملحن والموزع الموسيقي القطري محمد المرّي بتحصيله وإنجازاته الفنية. كل ما عاشه منذ الولادة عام 1972، لعب دورًا في تشكيل هويته، ما كان عليه وما سيكونه، إذ يقول إنه ما زال يخطو على الطريق.
محمد المرّي، الفنان الفاقد للنظر والذي بلغت أعماله مسامع الملايين، وقدم أعمالًا بارزة، يتحدث عبر بودكاست "كيف الحال" مع الزميل ميلاد حدشيتي عن الامتنان الذي يرى أنه عبارة عن "روحانية" تزيد المرء قربًا من الله.
يردف أن الله سبحانه وتعالى عندما وصف من هو في مثل حاله قال عنه الأعمى، "وكان أحسن مني منزلة، فعليه فإني أرى تلك الكلمة تشريفًا"، يضيف.
ومع ذلك، يشير إلى أن كل إنسان يخطئ ويصيب. ويلفت إلى أنه غادر منزل عائلته للعيش في منزله الخاص عام 1993، بغرض إثبات أنه مستقل، بعدما بدأ العمل الإذاعي من سن مبكرة.
طفولة الملحّن محمد المرّي
في الطفولة لم يكن محمد المرّي يستشعر فقدان النظر. كان يلهو كمن يطير في الفضاء ولا يرغب في الهبوط، وعندما بدأ رحلة الدراسة تفتح وعيه وأدرك الأمر.
والرحلة تلك كانت في البحرين، ويستعيد صعوبتها بالإشارة إلى "اجتثاثه" من بيئته وانتقاله إلى أخرى جديدة اختلط فيها بأناس جدد وسمع أصواتًا مختلفة.
تطلّب تأقلمه مع هذا العالم الجديد وقتًا طويلًا، الأمر الذي أتعب محمد المرّي، إذ يصف التجربة بأنها مريرة و"أول كف تلقاه من الحياة".
وعده حينها والده بأن يأتيه، وكانت الدقيقة تمر عليه كالساعة. يروي أنه كان يستأذن الخروج من الصف بحجة قضاء الحاجة، ليطلب ممن هم بالخارج أن يأخذوه إلى والده، لكنهم كانوا يعيدونه إلى الصف فيلقى عقابه.
الذكريات التي آلمت محمد المرّي في طفولته
الموسيقى هي المتنفس
الرجل الذي يقول إنه تعب كثيرًا في حياته، يصف الموسيقى بأنها المتنفس الوحيد.
هو الذي أخافته الأصوات لأن غير المألوف منها يمثل المجهول الذي لا يعرفه، شعر بالتردد بداية في اكتشافه.
يوضح أن الرغبة بالاكتشاف لا تظهر إلا عندما يتوقف الباعث على الصوت عن الحركة، ومن هنا بدأ التآلف مع الأصوات الموسيقية.
يستذكر أنه كان يخاف من "الدرامز"، ولم يتصالح مع تلك الآلة إلا بعد العزف عليها. لكنه لم يكمل العزف على تلك الطبول، وانتقل إلى الأورغ الذي شعر بأنه يبادله العزف على شغاف القلب. وتلك الآلة، بحسب تعبيره، كانت تقوم بعزف أحاسيسه.
ويتوقف المرّي عند معارضة أهله لدراسته الموسيقى، ويقول: "كأنني ارتكبت جرمًا". وبينما لم يتمكن من إقناعهم بقراره، يشير إلى أنه شكّل صومعته الخاصة: من جاء إليه أهلًا به ومرحبًا.
"قطر نبض ووتر".. مسيرة في مقطوعة
محمد المرّي والأبوّة
عائليًا، تزوج محمد المرّي وأنجب ثلاثة أطفال. والده لم يصدق عندما علم بارتباطه. في هذا الصدد، يقول الملحّن القطري إن أباه لم يكن يريد حضور عقد قرانه.
ويسترسل في الحديث للزميل ميلاد حدشيتي، عن تجربة الأبوة التي يعيشها، والتي غذتها الملامسة الجسدية للوليد أو الوليدة من أولاده، اليد والأنف والرأس.
ويشير إلى أنه في كل مرة، كان يشعر بالحرص على الضيف الجديد الذي حلّ وسط عائلته، كي لا يعيش ما عاشه. فكان ينزل إلى مستوى أطفاله الفكري يلاعبهم ويحادثهم ويعزف لهم، وفق ما يكشف.
ويستطرد بحماسة وفخر ليذكر أن نجله عبد الله عازف عود "خطير"، ويملك إحساسًا مرهفًا يفوق ربما إحساس والده.
لحظات الضعف والندم في حياة محمد المرّي
العلاقة مع غير المرئي
طور محمد المرّي علاقته بالبحر بنفسه فبات يستلهم منه في أعماله. يصعد إلى المركب ليتجول فيه ويستمتع برذاذ المياه الذي يلاطف وجهه، وكذلك الهواء العليل.
يشبع المرء عبر النظر، وفق ما يقول، أما عند فقدانه تراه يسأل "هل من مزيد؟".
وفي ما يخص السماء، يشير إلى أن مخيلته لم تصل إليها بعد، ومهما بلغ عمق الوصف يستحيل تطويع الخيال من دون الملامسة.
الإبداع من رحم المعاناة.. قصة الملحن والموزع الموسيقي محمد المري
بودكاست "كيف الحال" مع محمد المرّي - الحلقة الكاملة
ختامًا، ما هي الرسالة التي يوجّهها للآخرين؟
وعن نفسه، يقول:
"ما زلت أخطو في هذا الطريق. هل نجحت أم لا؟ الحكم للمتلقي".