في أربعينيات القرن الماضي، لمع اسم محمد مصدق، رجل قانون وسياسة إيراني، سعى إلى بناء دولة برلمانية ديمقراطية في بلاده، وإلى سحب البساط من تحت أقدام الملكية الاستبدادية.
وفي الوقت نفسه، ناضل ضد المستعمر البريطاني، ودافع عن حق الأمة الإيرانية في نفطها وأموالها، وهو ما جرّ عليه ألوانًا من المعاناة. فقد سُجن، ونُفي، وعُزل داخل بلاده، لكنه نجح في تحقيق مراده مرات عدة، وفشل في أخرى.
نقلت مذكرات مصدق تفاصيل حياته ومعاناته الخاصة والعامة، وحفظت وقائع الانقلابات المتكررة التي تعرّض لها، وأوضحت للتاريخ الخطوات التي تتبعها الدول الاستعمارية والقوى العظمى في محاولاتها الحثيثة للاستحواذ على نفط العالم وثرواته. وكان لإيران، في عهد مصدق، نصيب وافر من تلك الضغوط.
يقول محمد مصدق في مذكراته إن "الشعب الإيراني يريد الاستقلال، ولن يتخلى عنه بأي ثمن. هم يريدون أن تمتنع القوى الغربية، بالمطلق، عن التدخل في شؤوننا، وأن تحترم استقلالنا بالكلمات كما بالأفعال".
ويشير المؤرخ في جامعة مدينة نيويورك إيرفند إيبرهيميان إلى أن "محمد مصدق يُعدّ شخصية رئيسية في التاريخ الإيراني، لأنه يُنظر إليه على أنه يجسد التطلعات الوطنية للاستقلال والسيادة".
وقد عزّز هذه الصورة عندما قام بتأميم شركة النفط التي كانت مملوكة سابقًا للبريطانيين. لكن هناك أسبابًا إضافية لبقائه حيًّا في الذاكرة، إذ كان نتاجًا للحركة الدستورية الإيرانية في مطلع القرن العشرين، وجزءًا من منظومة تؤمن باحترام القانون وحقوق الإنسان والحقوق الطبيعية للبشر. وفي الحاضر، عندما يتذكره الإيرانيون، يستحضرونه بوصفه رجلًا يحترم الحقوق الفردية، والقانون، والدستور.
نشأة محمد مصدق
فقد أسهمت عوامل عدة في تشكيل شخصية مصدق على هذه الصورة. فقد نشأ، على غير المتوقع، في عائلة أرستقراطية ذات نفوذ سياسي في إيران، التي كانت آنذاك تحت حكم الدولة القاجارية. وخدم هو وعائلته في الدولة خلال أواخر القرن التاسع عشر.
حصل مصدق على لقب "سلطان" في سن العاشرة، وفي ذلك العمر تقريبًا أصبح كبير موظفي الضرائب في مقاطعة خراسان. وكان من المعتاد أن يرافق من يشغلون هذه المناصب من الأطفال مستشارون وخبراء بالغون يديرون العمل فعليًا، ومع ذلك جرى تعيينه رسميًا في هذا المنصب وفق ما يروي المؤرخ في جامعة أكسفورد هوما كاتوزيان.
وفي أعقاب الثورة الدستورية عام 1906، انتُخب عضوًا عن مدينة أصفهان في أول مجلس نيابي في البلاد. لكن انقلاب محمد علي شاه عام 1909 دفع مصدق إلى مغادرة إيران، فسافر أولًا إلى فرنسا لدراسة المالية العامة، ثم اتجه إلى دراسة القانون، وبعدها انتقل إلى سويسرا، حيث حصل على درجة الدكتوراه في القانون قبل أن يعود إلى إيران عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914.
ويؤكد إيرفند إيبرهيميان أن محمد مصدق تأثر إلى حدّ كبير بالفكر الغربي؛ لكنه تأثر في البداية بالثورة الدستورية التي كانت نفسها متأثرة بالغرب، كما تأثر بحركة التنوير الغربية. وخلال دراسته في فرنسا وجنيف انغمس في الفكر السياسي الغربي ومفهوم القانون الحديث.
وبعد عودته، تولّى تدريس القانون والعلوم السياسية في جامعة طهران، ثم بدأ يترقى مجددًا في المناصب السياسية، مستندًا إلى سمعته في محاربة الفساد والنضال ضد الهيمنة البريطانية. غير أن هذا المسار أدّى سريعًا إلى عزلته. فقد استمرت معارضته للشاه رغم كل الضغوط.
وفي عام 1928، وبعد التلاعب بنتائج الانتخابات النيابية، خرج محمد مصدق من المجلس السابع، ليدخل في عزلة اجتماعية وسياسية طويلة استمرت حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939.
بروز نجم محمد مصدق في السياسة الإيرانية
عاد مصدق إلى الحياة السياسية مدفوعًا بتأييد شعبي واسع، فانتُخب عام 1944 نائبًا عن مدينة طهران في المجلس الرابع عشر، وبدأ فورًا حملة للحد من امتيازات الشاه، وبالتبعية امتيازات بريطانيا في إيران. وانتشرت خطاباته بسرعة كبيرة.
ومن أبرز ما قاله: "إذا كنت نائبًا في المجلس، فذلك ليس من أجل الشاه، بل من أجل البلاد. فبحسب الدستور، الشاه لا يمكن مساءلته، وبالتالي ليس له أي حق في التدخل في شؤون البلاد. إن موقع الشاه احتفالي، وعليه أن يصادق على قرارات البرلمان بصورة رمزية فقط، لأن إلغاء هذه الطبيعة الرمزية يعني القضاء على النظام الدستوري".
خلال سنوات قليلة، أصبح محمد مصدق زعيمًا للمعارضة داخل البرلمان، فأسس عام 1949 "الجبهة الوطنية"، بالتعاون مع أحزاب ومؤسسات دينية ونقابات ومفكرين من مختلف أنحاء البلاد. وقد دعت هذه الجبهة إلى استقلال إيران سياسيًا واقتصاديًا، وإلى ترسيخ الملكية الدستورية، وإعادة توزيع الثروة، وإنهاء الامتيازات الأجنبية.
تزامن ذلك مع انطلاق مفاوضات بين الحكومة الإيرانية والشركة الأنغلو-إيرانية للنفط.
محمد مصدق وتأميم صناعة النفط
كانت إيران تسعى إلى إعادة التفاوض على اتفاقية النفط مع بريطانيا، لكن هذه المفاوضات كانت بالغة الصعوبة، إذ لم يكن البريطانيون مستعدين لتقاسم الأرباح بشكل عادل. وعندما وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، طرح محمد مصدق خيار تأميم صناعة النفط، معتبرًا أن القضية ليست مجرد أرقام، بل مسألة سيادة وطنية وفق ما يروي إيرفند إيبرهيميان.
يقول محمد مصدق في مذكراته إن "الشعب الإيراني يريد الاستقلال، ولن يتخلى عنه بأي ثمن. هم يريدون أن تمتنع القوى الغربية عن التدخل في شؤوننا".
وكان محمد مصدق مستعدًا لقبول اتفاق منصف يقضي بتقاسم الأرباح مناصفة، كما حدث في اتفاق شركة "أرامكو" بين الولايات المتحدة والسعودية، لكن بريطانيا رفضت ذلك.
وبعد اغتيال رئيس الوزراء الإيراني علي رزمارا، الذي كان يعارض التأميم، أصبح مصدق رئيسًا للوزراء في 29 أبريل/ نيسان عام 1951، بعد تصويت البرلمان لصالحه، بهدف تنفيذ قانون التأميم.
وبالفعل، لم تمضِ سوى أسابيع حتى أعلن تنفيذ قرار تأميم النفط. وفي سبتمبر/ أيلول 1951 من العام نفسه، أرسل قوات إلى خوزستان لاستعادة السيطرة على منشآت النفط، وعرض على الموظفين الفنيين البريطانيين البقاء ضمن شركة النفط الإيرانية بشروط مماثلة، لكن الحكومة البريطانية رفضت، وغادر الفنيون البلاد، معتقدين أن إيران ستنهار بسبب نقص الخبرات وفق هوما كاتوزيان.
عملية أجاكس والإطاحة بمحمد مصدق
إلا أن الإيرانيين تمكنوا من إدارة القطاع بأنفسهم. ومع ذلك، لم تكن بريطانيا مستعدة للتخلي عن نفوذها، فأطلقت حربًا سرية ضد محمد مصدق وحكومته، شملت تحريك عملاء داخل إيران، ورشوة سياسيين وصحفيين، ورفع قضايا دولية ضد طهران أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، قبل أن تلجأ إلى فرض حصار عالمي على النفط الإيراني.
أدركت القوى الغربية أن رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق غير قابل للشراء، فكان الانقلاب عليه أقل كلفة من التفاهم معه...
رغم هذه الضغوط، لم ينهَر الاقتصاد الإيراني بسرعة، نظرًا لطابعه الزراعي واعتماد الحكومة على احتياطاتها المالية. غير أن التطورات السياسية في بريطانيا، وصعود المحافظين، أدّت إلى تشديد المواجهة، بالتنسيق مع قوى أخرى بينها الولايات المتحدة.
وبعد قطع العلاقات الدبلوماسية بين إيران وبريطانيا، أصبحت واشنطن الطرف الأكثر نشاطًا على الأرض. فأطلقت عملية "أجاكس" لإسقاط محمد مصدق، بقيادة عميل المخابرات الأميركية كيرميت روزفلت، وبالتعاون مع عملاء محليين، من بينهم الأخوة رشيديان.
بدأت العملية بحملة دعائية واسعة لتشويه صورة مصدق، تلتها محاولات لتحريك الجيش والسيطرة على المواقع الحساسة في الدولة. وفي 13 أغسطس/ آب 1953، أصدر الشاه قرارًا بعزل مصدق. فشلت المحاولة الأولى للانقلاب، واعتقد كثيرون أن الخطر قد انتهى، لكن ذلك كان جزءًا من الخطة.
بعد أيام، أُعيد تنظيم الانقلاب، وجرى تحريك مجموعات، بدعم مالي كبير، لإحداث فوضى في الشوارع، بالتزامن مع تحرك وحدات عسكرية. وفي النهاية، حوصر منزل محمد مصدق الذي لم يطلب العون من الناس، واضطر إلى المغادرة عبر المنازل المجاورة، قبل أن يسلّم نفسه في اليوم التالي.
محاكمة محمد مصدق والسجن ثم المنفى
بعد ستة أسابيع، بدأت محاكمة محمد مصدق، حيث أنكر التهم، واعتبر اعتقاله غير قانوني.
ويقول إيرفند إيبرهيميان إن انقلاب عام 1953 شكل نقطة تحول حاسمة في تاريخ إيران، إذ أطاح بقيادة وطنية منتخبة، وأعاد نظامًا ملكيًا مدعومًا من الخارج، ما أفقده شرعيته منذ البداية.
أدركت القوى الغربية أن مصدق غير قابل للشراء، فكان الانقلاب عليه أقل كلفة من التفاهم معه. وفي المقابل، لم ينجح محمد مصدق في استثمار قوته الشعبية، وارتكب أخطاء، أبرزها طلبه من أنصاره عدم النزول إلى الشوارع، ما أفسح المجال أمام القوات للسيطرة على العاصمة.
تخيل مصدق بسذاجة ربما أو بحسن نية أن الالتزام بقيم الديمقراطية والحرية التي تبناها ونماها أثناء دراسته في الغرب قد تنقذه أو أن التعويل على أهميه ومكانة النفط الإيراني عالميًا يمكن أن ينقذ بلاده إلا أن هذا لم يحدث، فقد وطدت الشركة الأنغلو إيرانية استثماراتها في العراق والكويت المجاورتين ووضعت إيران في موقف حرج.
وحُكم على محمد مصدق بالسجن ثلاث سنوات، ثم نُقل بعد خروجه عام 1956 إلى الإقامة الجبرية في قرية أحمد آباد، حيث عاش بقية حياته حتى وفاته عام 1967، ودفنه هناك.