Skip to main content

محمد ملص.. سارد دمشق وأحلامها والقنيطرة في ليلها الطويل

السبت 6 سبتمبر 2025
محمد ملص سارد دمشق وليلها والقنيطرة واحتلالها-فيسبوك

لم تستطع إكراهات الإنتاج في ظل نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد ثني أبرز المخرجين السوريين في العقود الخمسة الأخيرة، محمد ملص، عن مواصلة الانشغال بهواجسه القديمة نفسها، وهي الافتتان بدمشق والحرية معًا.

فابن القنيطرة الذي أخرج اثنين من أهم أفلام السينما العربية على الإطلاق "أحلام المدينة" عام 1984 و"الليل" عام 1992، وكلاهما يدور في دمشق القديمة في خمسينيات القرن الماضي، والقنيطرة في الثلاثينيات وما بعدها، أخرج أيضًا أفلامًا أقل شهرة دون أن تكون أقل أهمية.

وكان فيلمه "سُلّم إلى دمشق" الذي حقّقه عام 2013، في السنوات الأولى للثورة الشعبية التي اندلعت ضد نظام الأسد عام 2011، واحدًا منها.

أنجز ملص عددا من الافلام القليلة التي كرسته في صدارة السينمائيين العرب-فيسبوك

وبعد الإطاحة بالنظام في ديسمبر/ كانون الأول 2024 أصبح الفيلم شهادةً سينمائية على تلك المرحلة، وجماليةً في سياق هواجس ملص الفنية، إضافة إلى أنه يصلح لدراسة معمّقة حول علاقة الفن بالسلطات، وآليات "التحايل" أو "التكيّف" التي يلجأ إليها المبدعون خلال إنتاج أعمالهم وهم يعيشون في ظل أنظمة ديكتاتورية.

وتزداد أهمية الفيلم كونه يقدّم مقاربة مرهفة في عنفها النقدي -إذا صح الوصف- للنظام السوري خلال الأشهر الأولى من الثورة عليه، عبر المصائر المعذّبة لضحاياه وأحلامهم المُجهضة.

تحية إلى عمر أميرالاي

يفتتح ملص (مواليد القنيطرة 1945) فيلمه بهواجس ما تُعرف بـ"سينما المؤلف" التي يُعدّ من أهم رموزها في المنطقة، من خلال شاب في مقتبل العمر، مفتون بالسينما، يعتزم إخراج أول أعماله بعد أن أهداه والده كاميرا وطلب منه أن يخرج إلى الشارع ويصوّر ما يحدث فيه مع اندلاع الثورة.

يبدو الفيلم استرجاعًا حزينًا للسينما السورية نفسها التي كانت ضحية أيضًا، وقد يصلح ما يقوله بطل الفيلم في بدايته مفتاحًا لمقاربة ملص ليوميات دمشق خلال الثورة ودور الفن في تجوّلات سوريا الكبرى.

يقول فؤاد، بطل الفيلم ولقبه "سينما"، إنه يعيش في بلد لم يُعطه شيئًا ويطلب منه كل شيء رغم ذلك؛ يطلب منه أن يخاف وأن يصمت، لذلك يهرب إلى السينما حتى يعيش، يلجأ إليها متفرّجًا وصانعًا للأفلام، حيث بإمكانه أن "يلعب" بالصور والأفكار التي تخطر في باله.

اخرج ملص سلم الى دمشق بعد شهور على الثورة ضد نظام الاسد-فيسبوك

لا يكتفي ملص ببطل فيلمه المهووس بالسينما، بل يكشط -على طريقته- تحت جلد الواقع المضطرب حتى يصل برهافة إلى أسلافه ورفاقه من السينمائيين الذين دفعوا ثمنًا باهظًا في بلاده.

وثمّة ما يشبه التحية التي يوجّهها إلى رفيقه المخرج الراحل عمر أميرالاي، إذ يذهب الشاب (بطل الفيلم) إلى قبره ليقول له إنّ الخوف قد انكسر: "إنه طوفان يا عمر"، في إشارة إلى الثورة الشعبية العارمة ضد نظام الأسد.

وليست هذه الإشارة الوحيدة إلى أميرالاي في الفيلم؛ فهو يحضر أيضًا من خلال فيلمه "الحياة اليومية في قرية سورية" الذي أخرجه عام 1972، إذ يستحضره ملص في أكثر من مشهد في "سُلّم إلى دمشق".

وأميرالاي (1944 - 2011)، الذي توفي قبل اندلاع الثورة على نظام الأسد بشهور قليلة، ارتبط بعلاقة وثيقة مع ملص؛ إذ أدار الاثنان مشروعًا طموحًا في منتصف ثمانينيات القرن الماضي لإخراج سلسلة أفلام وثائقية تحت عنوان "الوصايا العشر"، تتناول عشر شخصيات سورية من بينها نزيه الشهبندر (من مؤسسي السينما السورية)، إضافة إلى التشكيلي فاتح المدرّس، والملحن الحلبي صبري مدلّل، والمسرحي سعد الله ونّوس.

طوفان يا عمر

ولا تعود التحية إلى أميرالاي في فيلم ملص إلى صداقتهما فحسب، بل للإضاءة على نضالات أميرالاي ضد النظام في السينما والحياة. فالمخرج الراحل، الذي كان من جماعة "ربيع دمشق"، حقّق عددًا من الأفلام التي تضمّنت نقدًا جذريًا للتأثيرات السلبية لحزب البعث والنظام في البنى الاجتماعية والسياسية السورية.

ومن هذه الأفلام "طوفان في بلاد البعث" الذي كان عنوانه الأصلي "خمسة عشر سببًا لكرهي حزب البعث" (2003)، ويتناول الإرث السلبي لحزب البعث في التربية والتعليم، وفيلم "الحياة اليومية في قرية سورية" الذي كتبه المسرحي السوري الشهير سعد الله ونّوس.

يوجه ملص التحية في "سلم الى دمشق" للمخرج عمر اميرالاي-فيسبوك ​  ​

لذلك لا تبدو تحية ملص لأميرالاي اعتباطية أو مجرّد تحية، بل محاولة لإنتاج سياق متّصل ومتواصل بين هواجس ملص وأميرالاي معًا في الحرية ودور الفن الذي ينتصر لها.

كأنّ ملص يهمس في أذن أميرالاي بأنّ الخوف من "الحزب" والنظام قد انكسر، ما يعني أنّك انتصرت، وها هو الطوفان يا عمر أميرالاي يكتسح البلاد بأسرها، كإيذانٍ بالولادة الجديدة التي بشّر بها وناضل من أجلها الاثنان في فنهما وحياتهما.

تدور أحداث "سُلّم إلى دمشق"، الذي صُوِّر في دمشق في الأشهر الأولى للثورة، في منزل مشترك يضمّ شبّانًا من مختلف مكوّنات المجتمع السوري الإثنية والدينية (الطائفية) والمناطقية، عبر قصة مركزية يعصف بها الحنين إلى الانسجام الذي كان يميّز المجتمع السوري في السابق.

ويتكثّف هذا في قصة "غالية" (علوية) بطلة الفيلم التي تتقمّص وتتماهى مع "زينة" (سُنّية) عبر حلم راودها، وتستعيد ذكرى تلك الفتاة التي اعتُقل والدها قبل اندلاع الثورة بسنوات طويلة، وانتحرت غرقًا في يوم مولد غالية.

كأنّ الأخيرة امتداد للأولى؛ ما يختزل مصائر السوريين ويؤكّد وحدتهم رغم تعدّدهم مناطقيًا وإثنيًا ودينيًا، في ظل حكم البعث المديد؛ كأنما نشيد حزين للشخصية السورية التي تشرذمت وتشظّت.

وفي مشهد ينتصر للمعارضة من كل الأطياف، تستعيد غالية والدها الضابط في طرطوس وهو يتابع خطابًا متلفزًا للرئيس المخلوع وهو يعترف بأخطاء ارتكبها نظامه؛ يبدو فيه الأب غاضبًا وهو يردّ على الأسد (بشار) بالقول: إنكم فخّختم البلد و"عملتوا منها حقل ألغام، حتى تحوّلوا كل تمرد إلى فتنة".

ينتهي الفيلم، الذي لم يُعرض في سوريا بل في مهرجان تورونتو بكندا لأول مرة، بأحد أبطاله وهو يحمل سُلّمًا إلى سطح البيت ويصعد عليه بينما يثبّته بقية سكان البيت المشترك، وعندما يصل آخر درجات السُلّم يصرخ بأعلى صوته: "حرية"، قبل أن يُسمع صوت انفجار ضخم يدوي في ليل المدينة.

الليل وأحلام المدينة

المدينة إحدى هواجس ملص، وليلها لا يشبه ليلًا آخر؛ إنه غابة رموز تعود بمشاهديه إلى الانكسار الأكبر في الشخصية السورية، وانحدار أحلامها من تحرير فلسطين كلها إلى الصراخ في الليل كالذئاب الجريحة نشدانًا للحرية.

ايمن زيدان في فيلم احلام المدينة-فيسبوك

يُعدّ فيلما "أحلام المدينة" (1984) و"الليل" (1992) جزءًا من ثلاثية لم يُقيّض لملص إكمالها؛ إذ كان يُفترض أن يكون الجزء الثالث فيلمًا بعنوان "سينما الدنيا"، لكنه مُنع عمليًا بعد "الليل" من تلقّي أي تمويل حكومي من مؤسسة السينما الحكومية لأي من مشاريعه.

ورغم أنّ فيلم "أحلام المدينة" أُنتج قبل سنوات من "الليل"، فإنّ زمن أحداث الفيلم الأول يبدو لاحقًا لزمن أحداث الفيلم الثاني؛ فبينما يتناول "أحلام المدينة" المرحلة التي أعقبت انقلاب أديب الشيشكلي الذي تولّى الحكم عامَي 1953-1954، تتناول أحداث "الليل" حقبة الأحلام الكبرى في سوريا ما بين عام 1936 وصولًا إلى حقبة الهزيمة ومرارَتها عام 1967.

ويسرد الفيلمان سيرة طفل وعلاقته مع أبيه الغائب في الأول والحاضر/الغائب في الثاني، عبر عودة الطفل وشقيقه وأمهما من القنيطرة إلى دمشق على إيقاع الأحداث السياسية المتلاحقة في البلاد، ومنها انقلاب شكري القوتلي، انتهاءً بزيارة الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى دمشق وإعلان الوحدة بين مصر وسوريا.

ينتهي فيلم "أحلام المدينة"، الذي يرصد العلاقة مع الأم والمدينة (دمشق) في غياب الأب، بالاحتفال بالرئيس المصري في العاصمة السورية، وبمشهد القمر في السماء الذي يبتهج به أحد مناصري ذلك العهد.

ويعود القمر ليكون مفتتحًا لفيلم "الليل"، حين يصرخ الابن في أمّه قائلًا: "أمي شايفة القمر، حتى الله بذاته منوِّر على القنيطرة".

رثاء حزين للأحلام المجهضة

تدور أحداث "الليل" عبر مسارين: حُلُميّ وواقعي مضطرب، لتعقّب مصير الأب الذي التحق بالمجاهدين في فلسطين عام 1936، وشهد مرارة هزيمة العرب عام 1948 وصولًا إلى موت الأحلام الكبيرة بهزيمة عام 1967، وما بين الهزيمتين نشهد صعود العسكر في البلاد وما رافقه من قمع للحريات.

ثلاثية الابن والام والاب الغائب في فيلم الليل لملص-فيسبوك

يبدو الفيلمان قصيدتين حزينتين في رثاء الطفولة المهدورة وقسوة الواقع وارتفاع سقف الأحلام الشخصية والوطنية/القومية، مع إيقاع حزين موازٍ للمدن حين تُحتلّ، وللأرض حين تُفقَد، وللأحلام حين تُوأد.

وفي قلب الفيلمين هناك القنيطرة التي غاب الأب فيها، ودمشق التي تاه الابن فيها وتعذّب ورأى، وسُلِّعت فيها الأم. وليس ثمّة قبر للأب ليضع الابن باقةً من الآس عليه كما أوصته أمّه؛ فثمة حلمٌ يسرد نفسه في "الليل" ويعيد تشكيل الوقائع التي تنتهي بالهزيمة.

ينتمي الفيلمان إلى حدّ كبير إلى ما تُسمّى "سينما المؤلف"، وهما -على نحوٍ أو آخر- يسردان سيرة ملص نفسه؛ وهو ما يؤكّده في إحدى الحوارات التي أُجريت معه، قائلًا إنه أطلّ "على نافذة الحياة منذ السابعة من العمر"، وإنه لا ينسى ما قالته له ولشقيقه أمّه بأنّ عليهما العمل ليكون لديهما خبز على المائدة:

بعد وفاة والدي انتقلنا إلى دمشق، وعملتُ في سن السابعة بمحلٍّ لغسيل الملابس. ولأنني لم أنشأ في منزلٍ مغلق بل في الشارع، تمكّنتُ من مراقبة الحياة الاجتماعية في الأحياء الدمشقية الشعبية، التي جسّدتُها في فيلمي الأول "أحلام المدينة".

ولد ملص عام 1945 في مدينة القنيطرة في هضبة الجولان، ودرس الفلسفة في جامعة دمشق قبل أن يلتحق بمعهد السينما في العاصمة الروسية، موسكو، مطلع سبعينيات القرن الماضي. 

فارس الحلو في فيلم الليل لمحمد ملص-فيسبوك

وتزامل هناك مع الروائي المصري الراحل صنع الله إبراهيم، وسكنا سويّة في الغرفة رقم 403 في بيت الطلبة. 

وكتب صنع الله فيلم التخرّج الخاص بملص، وهو "الكل في مكانه، وكل شيء على ما يرام سيدي الضابط"، ويتناول المعتقلات السياسية في حقبة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وصولًا إلى هزيمة عام 1967.

وأنجز ملص، بالإضافة إلى فيلم تخرّجه هذا، أفلامًا قصيرة أخرى في فترة دراسته بموسكو، منها "حلم مدينة صغيرة" و"اليوم السابع"، وفيهما بذور ما ستصبح ثيماته الكبرى، خاصةً في "أحلام المدينة" و"الليل".

وأخرج ملص عبر مسيرته السينمائية عددًا قليلًا من الأفلام الروائية والوثائقية، منها فيلمه القصير "القنيطرة 74" عام 1974، و"المنام" عام 1987، و"مقامات المسرة" عام 1997، و"باب المقام" 2005، و"سُلّم إلى دمشق" 2013.

وكان آخر أفلامه "أنا يوسف يا أبي" عام 2023، وهو وثائقي عن التشكيلي السوري يوسف عبدلكي.

في موسكو.. مع صنع الله إبراهيم 

يُذكر أنّ لملص رواية بعنوان "إعلانات عن مدينة كانت تعيش قبل الحرب"، كتبها خلال دراسته في موسكو وبتأثير من الروائي المصري صنع الله إبراهيم، إضافة إلى كتاب "المنام" ويتناول فيه "منامات الفلسطينيين في المخيمات اللبنانية".

درس ملص وصنع الله ابراهيم السينما معا في موسكو-فيسبوك

كما أصدر عددًا آخر من الكتب، منها "مذاق الملح" عام 2010، يسرد فيه يومياته في موسكو، ومنها علاقته بالروائي صنع الله إبراهيم، قائلًا: إنه "كان يحب أن يستمع إلى 'باخ' وكنتُ أحب 'تشايكوفسكي'":

كُنّا نجلس دائمًا وسط الغرفة، فتبدو أشبه بتكوين مسرحي على منصّة. بوحُنا وحواراتُنا يتخلّلها دائمًا دوس باسوس، وغراهام غرين، وفرويد، ودوستويفسكي، والسجن، والقنيطرة، والحب، والمرأة، والختام دائمًا: منام الليلة الفائتة. وعلى مائدة الغداء اليومي، كانت تظهر على المنصّة شخصيّاتٌ من مجلس قيادة الثورة: من ناصر إلى عامر، إلى السادات، إلى علي صبري، إلى خالد محيي الدين. فكانوا أشبه بالعُسّس الذين يتلصّصون على العرض.

وخلال تعارفهما، سرد إبراهيم لملص تجربة اعتقاله مع الزعيم الشيوعي المصري شهدي عطية، كما تطرّق إلى تعاونهما في كتابة فيلم تخرّج ملص عن السجون والحقبة الناصرية، وكيف أنّ الروائي المصري كان يُشبه عوالمه الروائية:

روايتاه اللتان قدّمهما لي لأقرأهما كانتا مخطوط رواية "67" التي لم تُنشر، وروايته الجميلة "تلك الرائحة". وقد شعرتُ وأنا أقرأهما أنّه هو نفسه، بلحمه ودمه، يقفز من بين سطور روايتيه وينظر إلى القارئ بشماتة.

ينطبق الوصف إلى حدّ كبير على ملص نفسه الذي يبدو كأنه يخرج من أفلامه ويتنقّل بينها وبين حياته، حيث يتداخل هذان العالمان وهما يسردان قصة طفلٍ صغير هُجِّر من القنيطرة ولم يعد إليها لاحقًا إلا في أفلامه، حيث يقصر المتخيَّلُ عن الإحاطة بما كانت تمور به نفسُ ذلك الطفل الذي ظلّ قلبه معلّقًا هناك.

المصادر:
خاص موقع التلفزيون العربي
شارك القصة