السبت 12 سبتمبر / سبتمبر 2026

محيط تحت الجليد وينابيع تقذف إلى الفضاء.. ماذا يخفي قمر إنسيلادوس؟

محيط تحت الجليد وينابيع تقذف إلى الفضاء.. ماذا يخفي قمر إنسيلادوس؟

شارك القصة

قمر إنسيلادوس
رسم توضيحي لقمر إنسيلادوس- غيتي

رسم توضيحي لقمر إنسيلادوس- غيتي
الخط
تحول إنسيلادوس خلال عقدين من جرم صغير شبه مجهول إلى واحد من أبرز الأماكن التي يبحث فيها العلماء عن شروط تسمح بوجود الحياة خارج الأرض.
يبدو إنسيلادوس للوهلة الأولى عالمًا لا يحمل كثيرًا من المفاجآت: كرة جليدية صغيرة تدور حول زحل، لا يتجاوز قطرها نحو 500 كيلومتر، وتغطيها واحدة من أكثر الأسطح بياضًا في النظام الشمسي.

لكن تحت هذه القشرة المتجمدة يختبئ عالم مختلف تمامًا؛ محيط عالمي من المياه المالحة، وقاع صخري يُرجح أنه يشهد نشاطًا حراريًا مائيًا، وشقوق تقذف الماء والجليد والمواد العضوية إلى الفضاء.

والأغرب أن العلماء لا يحتاجون، نظريًا، إلى حفر عشرات الكيلومترات للوصول إلى هذا المحيط. فالقمر نفسه يُخرج عينات منه إلى الخارج، عبر نفاثات تنطلق من قطبه الجنوبي.

ولهذا تحول إنسيلادوس خلال عقدين من جرم صغير شبه مجهول إلى واحد من أبرز الأماكن التي يبحث فيها العلماء عن شروط تسمح بوجود الحياة خارج الأرض.

فماذا يوجد تحت جليده؟ وكيف عرف العلماء بوجود المحيط؟ وهل تعني الكيمياء التي وجدتها المركبات الفضائية أن الحياة قد تكون موجودة فعلًا هناك؟

مفاجأة خرجت من شقوق الجليد

عندما وصلت مركبة كاسيني إلى منظومة زحل عام 2004، لم يكن إنسيلادوس الهدف الأكثر إثارة في الرحلة. كانت صور مسباري "فوياجر" في ثمانينيات القرن الماضي قد أظهرت سطحًا شديد السطوع، وبعض المناطق التي بدت حديثة جيولوجيًا، لكن الصورة تغيرت جذريًا في عام 2005.

خلال مرور قريب من القمر، رصدت "كاسيني" منطقة غير عادية حول قطبه الجنوبي. ظهرت هناك أربعة صدوع طويلة ومتوازية تقريبًا، تمتد لنحو 135 كيلومترًا لكل منها، وأطلق عليها العلماء اسم "خطوط النمر". وكانت المناطق المحيطة بهذه الشقوق أكثر دفئًا من بقية السطح.

قمر
من هذه الصدوع كانت تندفع إلى الفضاء أعمدة من بخار الماء وحبيبات الجليد- غيتي

ثم جاءت المفاجأة الأكبر: من هذه الصدوع كانت تندفع إلى الفضاء أعمدة من بخار الماء وحبيبات الجليد.

لم تكن الظاهرة انفجارًا عابرًا. فقد كشفت الصور اللاحقة شبكة واسعة من مواقع الانبعاث، وحدد العلماء أكثر من مئة نفاثة مرتبطة تقريبًا كلها بهذه الشقوق الجنوبية.

كما تبين أن نشاطها يتغير مع حركة إنسيلادوس حول زحل، إذ تؤدي قوى المد والجزر إلى فتح الصدوع وضغطها دوريًا.

محيط كامل تحت القشرة

في البداية، كان من الممكن تصور خزانات محدودة من المياه تحت القطب الجنوبي. لكن قياسات الجاذبية وحركة القمر قادت لاحقًا إلى استنتاج أكبر بكثير.

راقب العلماء تذبذب إنسيلادوس الطفيف أثناء دورانه حول زحل، ووجدوا أن حجمه أكبر مما يمكن تفسيره إذا كانت قشرته الجليدية ملتصقة مباشرة بالداخل الصخري. ويعني ذلك أن الطبقة الخارجية تطفو فوق طبقة سائلة تفصلها عن اللب.

وفي عام 2015، خلص فريق "كاسيني" إلى أن إنسيلادوس يخفي محيطًا عالميًا يمتد تحت القشرة الجليدية، وليس بحرًا محليًا عند القطب الجنوبي فقط.

وتشير تقديرات ناسا إلى أن متوسط سمك القشرة الجليدية قد يبلغ نحو 20 إلى 25 كيلومترًا، بينما تصبح أرق بكثير عند القطب الجنوبي، وربما لا تتجاوز في بعض مناطقه بضعة كيلومترات. تحتها توجد مياه مالحة، ثم قاع صخري يشكل العنصر الثالث الحاسم في قصة القمر.

فوجود الماء السائل وحده لا يكفي لجعل عالم ما صالحًا للحياة. المطلوب أيضًا مصدر للطاقة وكيمياء مناسبة.

قاع قد يشبه أعماق محيطات الأرض

قدمت "كاسيني" دليلًا مهمًا عندما عثرت على حبيبات دقيقة من السيليكا في المواد القادمة من إنسيلادوس. وأظهرت النماذج أن تكوّن حبيبات بهذه الخصائص يحتاج على الأرجح إلى تفاعل مياه ساخنة مع صخور القاع، في درجات حرارة قد تتجاوز نحو 90 درجة مئوية.

ثم جاء اكتشاف آخر أكثر دلالة: الهيدروجين الجزيئي في الأعمدة المنبعثة من القمر.

ويرجح العلماء أن الماء يتسرب إلى الصخور في قاع المحيط، ويتفاعل معها ثم يعود محمّلًا بالمعادن والغازات. وهي عملية تشبه، من حيث المبدأ، النشاط الحراري المائي الموجود حول الفتحات في أعماق محيطات الأرض.

ويهم الهيدروجين علماء الأحياء الفلكية لأنه قد يشكل مصدرًا للطاقة الكيميائية. فعلى الأرض تستطيع بعض الكائنات المجهرية استخدام الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون لإنتاج الطاقة عبر تفاعلات لا تعتمد على ضوء الشمس.

وهكذا يجمع إنسيلادوس ثلاثة عناصر مهمة: ماء سائل، ومكونات كيميائية، ومصدر محتمل للطاقة.

الفوسفور والمواد العضوية.. ماذا التقطت "كاسيني"؟

لم تتوقف الاكتشافات بانتهاء مهمة "كاسيني" عام 2017. فما زال العلماء يعيدون تحليل البيانات التي جمعتها المركبة عندما عبرت مباشرة خلال الأعمدة الجليدية.

وفي 2023، أعلن فريق دولي اكتشاف الفوسفات داخل حبيبات جليدية غنية بالأملاح انطلقت من إنسيلادوس. والفوسفور عنصر أساسي في الحياة كما نعرفها، ويدخل في تركيب الحمض النووي وأغشية الخلايا وآليات نقل الطاقة.

وقد أشارت الدراسة المنشورة في مجلة Nature إلى أن تركيز الفوسفات في المياه التي تغذي الأعمدة قد يكون أعلى بكثير من تركيزه في محيطات الأرض، وربما بأكثر من مئة مرة. 

وفي 2025، كشف تحليل جديد لحبيبات التقطتها "كاسيني" مباشرة بعد خروجها من الأعمدة عن مجموعة أوسع من المركبات العضوية مما كان معروفًا سابقًا، بينها مركبات تحتوي على تراكيب كربونية وأكسجينية، مع مؤشرات إلى مسارات كيميائية يمكن أن تؤدي إلى مواد أكثر تعقيدًا. 

لكن وجود المواد العضوية لا يعني وجود حياة. فـ"عضوية" في لغة الكيمياء تعني أساسًا مركبات تحتوي على الكربون، ويمكن أن تنشأ من عمليات غير حيوية تمامًا.

وأظهرت تجارب مخبرية منشورة في 2026 أن ظروفًا تشبه النشاط الحراري المائي والتجمد في إنسيلادوس يمكن أن تنتج بعض المواد العضوية، ومنها أحماض أمينية، من دون الحاجة إلى كائنات حية.

وهنا تكمن أهمية الفصل بين سؤالين مختلفين: هل إنسيلادوس قابل للسكن؟ وهل هو مأهول بالفعل؟ الأدلة الحالية تدعم الأول بصورة متزايدة، لكنها لا تثبت الثاني.

نافذة مفتوحة على محيط بعيد

يمنح إنسيلادوس العلماء ميزة نادرة مقارنة بعوالم المحيطات الجليدية الأخرى. فبدل إرسال مسبار ليهبط ويحفر في قشرة سميكة، يمكن لمركبة مستقبلية ببساطة أن تعبر خلال الأعمدة وتفحص المواد التي خرجت من المحيط بنفسها.

بل إن حجم هذه الانبعاثات أكبر مما توحي به صور القمر الصغيرة. ففي 2023 رصد تلسكوب جيمس ويب عمودًا من بخار الماء يمتد لأكثر من 9600 كيلومتر، أي لأكثر من 20 ضعف قطر إنسيلادوس، وأظهر أن المواد المقذوفة منه تساهم في تغذية البيئة المائية المحيطة بزحل وحلقته.

وبذلك يبدو القمر الصغير كأنه يفتح نافذة طبيعية إلى باطنه: محيط مظلم تحت عشرات الكيلومترات من الجليد، تتفاعل مياهه مع الصخور، وتحمل أملاحًا وفوسفورًا ومركبات عضوية، ثم تجد طريقها عبر شقوق القطب الجنوبي إلى الفضاء.

لم يعد السؤال الذي يطرحه إنسيلادوس مقتصرًا على كيفية بقاء الماء سائلًا في عالم شديد البرودة. فبعد ما كشفته "كاسيني" وما واصلت الدراسات استخراجه من بياناتها، أصبح السؤال الأكثر إثارة: إذا كانت المكونات الأساسية والبيئة والطاقة موجودة معًا، فإلى أي مدى يمكن أن تكون كيمياء هذا المحيط قد تقدمت على الطريق نحو الحياة؟
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي

الدلالات