تشهد العاصمة "مكسيكو سيتي"، إحدى أكبر مدن العالم وأكثرها اكتظاظًا بالسكان، ظاهرة مقلقة تتمثل في هبوط أرضي متسارع يهدد بنيتها التحتية ومستقبل ملايين السكان.
فبحسب تقارير علمية حديثة، تغرق المدينة بمعدل يقترب من 25 سنتيمترًا سنويًا، في مشهد بات واضحًا لدرجة يمكن رصده من الفضاء، وفقًا لصحيفة "نيويورك بوست".
وأظهرت صور الأقمار الصناعية التابعة لـ"ناسا"، أن العاصمة المكسيكية تهبط بمعدل يقارب 25 سنتيمترًا سنويًا، ما يجعلها واحدة من أسرع المدن غرقًا على مستوى العالم.
لماذا تغرق مدينة مكسيكو سيتي؟
وهذا التراجع المستمر في مستوى الأرض يهدد بشكل مباشر البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك شبكات النقل والصرف الصحي والمياه والمساكن، وفقًا لما ذكرته وكالة "أسوشيتد برس".
وفي هذا السياف، يحذر الباحث في الجيوفيزياء إنريكي كابرال من خطورة الوضع، مؤكدًا أن "المشكلة كبيرة للغاية"، إذ تتعرض مرافق أساسية في المدينة لأضرار متزايدة، مثل مترو الأنفاق وشبكات المياه والشوارع، ما يزيد من تعقيد الحياة اليومية لسكان المدينة الذين يتجاوز عددهم 22 مليون نسمة.
وتعود جذور الأزمة إلى الطبيعة الجغرافية للمدينة، التي شُيّدت فوق قاع بحيرة قديمة، وهو ما يجعل تربتها هشة وقابلة للانضغاط.
ومع التوسع العمراني الكبير والاعتماد المكثف على ضخ المياه الجوفية، تراجع مستوى الخزان الجوفي بشكل حاد، ما أدى إلى هبوط تدريجي مستمر منذ أكثر من قرن.
تاريخيًا، كانت المدينة تهبط بمعدلات محدودة لا تتجاوز بوصتين سنويًا في أواخر القرن التاسع عشر، لكنها تسارعت بشكل كبير بحلول منتصف القرن العشرين لتصل إلى نحو 18 بوصة سنويًا، بحسب ما أفادت به شبكة "إيه بي سي نيوز".
ونتيجة لذلك، هبطت بعض مناطق المدينة بمئات الأقدام، مع ظهور ميل واضح في مبان تاريخية بارزة، مثل كاتدرائية العاصمة التي يعود تاريخ بنائها إلى القرن السادس عشر.
الأقمار الصناعية تكشف التفاصيل الدقيقة
ورغم إدراك العلماء لهذه الظاهرة منذ عقود، فإن التطور التكنولوجي الحديث مكّنهم أخيرًا من تتبعها بدقة غير مسبوقة. فقد اعتمد الباحثون على بيانات قمر صناعي متطور تابع لـ"ناسا" يُعرف باسم "NISAR"، حيث جُمعت البيانات بين أكتوبر/ تشرين الأول 2025 ويناير: كانون الثاني 2026، ما أتاح مراقبة تغيرات سطح الأرض كل 12 يومًا تقريبًا.
وكشفت هذه البيانات أن بعض المناطق، بما في ذلك المطار المركزي ونصب "ملاك الاستقلال"، تشهد هبوطًا يصل إلى 0.78 بوصة شهريًا، أي ما يعادل نحو 9.5 بوصة سنويًا.
وتشير التقديرات إلى أن هذه المناطق انخفضت بأكثر من 39 قدمًا خلال أقل من قرن، فيما سجلت مناطق أخرى تغيرات في الارتفاع بلغت نحو 127 قدمًا.
ويؤكد العلماء أن هذه القياسات الفضائية تمثل نقلة نوعية في فهم الظاهرة، حيث قال بول روزن، أحد علماء المشروع، إن هذه التقنية "توثق جميع التغيرات داخل المدينة وتكشف حجم المشكلة بالكامل".
وتُعد منطقة إيزتابالابا من أكثر المناطق تضررًا، حيث تتعرض المباني لانهيارات متكررة نتيجة اختلاف طبيعة التربة. ويشير الخبراء إلى أن المنازل المبنية على الصخور البركانية أكثر استقرارًا، في حين تعاني المناطق الواقعة فوق الرواسب الطينية من تشققات وانهيارات خطيرة، وصلت في بعض الحالات إلى ابتلاع الأرض لمركبات في شقوق مفاجئة.
ولا تتوقف المخاطر عند الهبوط الأرضي فقط، إذ يحذر الخبراء من أن استمرار استنزاف المياه الجوفية قد يؤدي إلى أزمة مياه حادة، ما يضاعف التحديات البيئية والإنسانية التي تواجه المدينة.
وفي ظل هذه المعطيات، يسعى الباحثون إلى تطوير خرائط دقيقة لرصد معدلات الهبوط لكل مبنى على حدة، بهدف دعم خطط التخفيف من الأضرار ووضع حلول مستدامة.