السبت 5 سبتمبر / سبتمبر 2026
Close

مذكرات توني بلير "رحلة".. كيف ابتلعت حرب العراق إرث عقد من الإصلاح؟

مذكرات توني بلير "رحلة".. كيف ابتلعت حرب العراق إرث عقد من الإصلاح؟ محدث 23 أغسطس 2026

شارك القصة

توني بلير خلال توقيع مذكراته "A Journey" في دبلن – 4 سبتمبر/ أيلول 2010
روّج توني بلير لمذكراته "رحلة" عام 2010، بعد ثلاث سنوات على مغادرته رئاسة الحكومة البريطانية - غيتي
روّج توني بلير لمذكراته "رحلة" عام 2010، بعد ثلاث سنوات على مغادرته رئاسة الحكومة البريطانية - غيتي
الخط
قاد توني بلير حزب العمال إلى ثلاثة انتصارات انتخابية وغيّر جوانب من بنية الحكم البريطاني، لكن حرب العراق أعادت تعريف إرثه. فكيف يروي في "رحلة" عقده في داونينغ ستريت؟

في الوجدان العربي، ظل العراق يلاحق رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ومعه جدل لم يخفت بشأن واحد من أكثر القرارات إثارة للانقسام في تاريخ بريطانيا الحديث.

بلير الذي قدّم طوال سنواته الأولى خطابًا عن المسؤولية الدولية والتدخل دفاعًا عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وجد نفسه في العراق عند التقاطع الأصعب بين ما اعتبره التزامًا أخلاقيًا وبين نتائج حرب لم يُعثر بعدها على أسلحة الدمار الشامل التي شكلت محورًا رئيسيًا في مرافعة حكومته.

وبعد نحو عقدين من مغادرته داونينغ ستريت، عاد بلير إلى قلب واحد من أكثر ملفات المنطقة حساسية. ففي عام 2026، أصبح عضوًا مؤسسًا في المجلس التنفيذي لـ"مجلس السلام" الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، واضطلع بدور في التحركات المرتبطة بقطاع غزة وترتيبات مرحلته المقبلة. عودةٌ تستحضر إرثًا لم ينفصل يومًا عن المنطقة، وتعيد إلى الواجهة السؤال القديم عن المسافة بين خبرة رجل الدولة وثقل القرارات التي ما زالت تلاحق صورته.

لهذا تبدو مذكراته "رحلة" (A Journey)، الصادرة عام 2010، أكثر من سجل لمسيرة سياسية. إنها محاولة من صاحب القرار لترتيب صورته عن عقد كامل من الحكم: انتصارات انتخابية وإصلاحات دستورية، سلام أيرلندا الشمالية، علاقة استثنائية بالولايات المتحدة، ثم أفغانستان والعراق والقرار الذي سيعيد تعريف إرثه كله تقريبًا.

وفي مراجعة للمذكرات، رأى أندرو راونسلي في "الأوبزرفر" أن الكتاب يحمل قدرًا لافتًا من الصراحة في كثير من الملفات، لكنه يصبح أقل كشفًا عندما يصل إلى العراق، فيما بقي إعجاب بلير بجورج بوش الابن واضحًا، إذ وصفه بأنه صاحب "نزاهة حقيقية" و"مثالي حقيقي".


شاهد حلقة "مذكرات" عن توني بلير


"رحلة".. كيف يصنع السياسي روايته عن نفسه؟


يقرأ باتريك دايموند، أستاذ السياسة العامة في جامعة كوين ماري في لندن، "رحلة" باعتبارها قصة تحوّل في مفهوم القيادة لدى بلير: من سياسي شاب قليل الخبرة بالحكم إلى رئيس وزراء راكم، وفق روايته، دروسًا في ممارسة السلطة واتخاذ القرار.

هي زاوية تكاد تختصر الطريقة التي ينظر بها بلير إلى نفسه في الكتاب. فالمذكرات لا تُبنى فقط على ما حدث، وإنما على فكرة أن صاحبها تعلّم وتغيّر مع كل مرحلة، وأن القرارات الكبرى، حتى الأكثر كلفة منها، يجب أن تُقرأ داخل مسار طويل من القناعات والتجربة.

لكن صباح المختار، رئيس جمعية المحامين العرب في بريطانيا، يلتقط الوجه الآخر لهذه البنية: فالمذكرات، في قراءته، تحمل رغبة مستمرة لدى بلير في تبرير خياراته، وخصوصًا حين يصل إلى القرارات التي بقيت موضع نزاع بعد خروجه من الحكم.

وبين القراءتين تظهر إحدى مفارقات "رحلة": كتاب شديد الثقة بصاحبه، لكنه في الوقت نفسه يكشف مقدار حاجته إلى تفسير القرارات التي باتت هي نفسها المادة التي يحاكم من خلالها إرثه.


رحلة في خمس محطات

من "العمال الجديد" إلى داونينغ ستريت


وُلد توني بلير في إدنبرة عام 1953، ودرس القانون في جامعة أوكسفورد قبل أن يعمل محاميًا. انضم إلى حزب العمال عام 1975، وانتُخب نائبًا في مجلس العموم عام 1983، ثم وصل إلى قيادة الحزب عام 1994 بعد وفاة زعيمه جون سميث.

جاء صعوده في لحظة كان حزب العمال يبحث فيها عن طريق للعودة إلى الحكم بعد سنوات طويلة من هيمنة المحافظين. ومن هنا ظهر مشروع "العمال الجديد"، الذي ابتعد بالحزب عن جوانب من إرثه الاشتراكي التقليدي وفتح المجال أمام اقتصاد السوق، مع الإبقاء على خطاب اجتماعي يقوم على الاستثمار في الخدمات العامة.

يستعيد بلير هذه المرحلة في مذكراته باعتباره "مجددًا" أكثر منه رجلًا ينتمي إلى يمين تقليدي أو يسار تقليدي. كان هدفه، كما يقدمه، ألا يحقق العمال فوزًا عابرًا، وإنما أن يصبح الحزب قادرًا على الحكم بصورة مستمرة.


"أردت أن أجدد حزب العمال، بحيث يتمكن من تقديم بدائل تقدمية لحكم المحافظين بصورة مستمرة وليست مؤقتة. أردت تحديث بريطانيا".

توني بلير في مذكّراته "رحلة"

 ويشرح صباح المختار أن التحول نجح لأن قطاعات واسعة من البريطانيين كانت قد سئمت المحافظين، فيما قدم بلير حزبًا يقف عمليًا في مساحة بين الرأسمالية والاشتراكية.

أما سيمون جينكيز، الكاتب والصحافي البريطاني، فيرى أن بلير امتلك كذلك عنصرًا شخصيًا حاسمًا: وجه سياسي جديد وشاب قادر على التواصل مع جمهور أوسع، في زمن بدا فيه الرجل نقيضًا لصورة المؤسسة الحزبية التقليدية.


في الثاني من مايو/ أيار 1997 دخل بلير داونينغ ستريت بعد فوز حزب العمال بأغلبية تاريخية. وكان عمره 43 عامًا، ولم يكن قد شغل قبل ذلك أي منصب حكومي.


إرث داخلي يتجاوز صورة "رئيس وزراء الحرب"


تحت ثقل العراق، يسهل اختزال سنوات بلير العشر في السياسة الخارجية، لكن جزءًا أساسيًا من إرثه تكوّن داخل بريطانيا.

يلفت ريتشارد جونسون، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كوين ماري، إلى سلسلة إصلاحات دستورية أعادت توزيع جوانب من السلطة داخل المملكة المتحدة. ففي عهد بلير أُقر قانون حقوق الإنسان عام 1998، ومضت عملية نقل الصلاحيات إلى اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، وأنشئ منصب عمدة لندن المنتخب.

كما أقر البرلمان في عهده قانون الإصلاح الدستوري لعام 2005 الذي نص على إنشاء المحكمة العليا البريطانية وفصل أعلى هيئة قضائية عن مجلس اللوردات. لكن المحكمة نفسها لم تبدأ عملها إلا عام 2009، أي بعد مغادرة بلير السلطة بعامين.

وكان اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998 أحد أبرز إنجازات سنواته الأولى. فالاتفاق الذي جاء نتيجة مسار طويل سبق وصول بلير إلى السلطة، ساعد على وضع إطار سياسي جديد للصراع في أيرلندا الشمالية، وأصبح واحدًا من أكثر الملفات التي ارتبطت بصورة بلير بوصفه صانع تسويات.

ويضيف جونسون إلى ذلك الاستثمار في التعليم والصحة وتراجع معدلات الجريمة بوصفها عناصر أخرى يفضّل بلير أن يُقرأ إرثه من خلالها.

لكن سيمون جينكيز يقدم وجهًا أقل حماسة لهذه التجربة، إذ يرى أن التوسع الكبير في الإنفاق العام أدخل سياسات كان بعضها مكلفًا على المدى الطويل.

هكذا يصبح الإرث الداخلي نفسه جزءًا من الجدل: إصلاحات مؤسساتية وخدمات عامة من جهة، ونقاش طويل حول كلفتها وجدواها من جهة أخرى.
توني بلير خلال اجتماع حكومته في داونينغ ستريت – 21 يونيو/ حزيران 2001
توني بلير خلال اجتماع حكومته في داونينغ ستريت – 21 يونيو/ حزيران 2001 - غيتي

غيّرت حكومات توني بلير جوانب من بنية الحكم البريطاني، من نقل الصلاحيات إلى قانون حقوق الإنسان والإصلاح الدستوري

من "المسؤولية الدولية" إلى 11 سبتمبر


منذ سنواته الأولى، لم ينظر بلير إلى بريطانيا بوصفها دولة يجب أن تكتفي بإدارة شؤونها الداخلية. كان يتحدث عن دور دولي يرتبط، في نظره، بالدفاع عن الليبرالية والأمن والسلام.

ظهر ذلك في أيرلندا الشمالية، ثم اتخذ شكلًا خارجيًا أكثر وضوحًا في كوسوفو وسيراليون، قبل أن يطرح بلير عام 1999 ما عُرف لاحقًا بـ"مبدأ المجتمع الدولي"، الذي ارتبط بفكرة التدخل الليبرالي في الأزمات عندما يرى أن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية أخلاقية تتجاوز مبدأ عدم التدخل التقليدي.

لكن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 نقلت هذه الرؤية إلى سياق مختلف تمامًا. فقد وقف بلير سريعًا إلى جانب إدارة جورج بوش، وأعلن أن بريطانيا ستكون "كتفًا إلى كتف" مع الولايات المتحدة.

يصف سيمون جينكيز هذه العلاقة بقراءة أكثر نقدًا، معتبرًا أن بريطانيا بالغت في تصور موقعها إلى جانب القوة الأميركية، وأن بلير أصبح بعد 11 سبتمبر شديد الانشغال بالعلاقة مع واشنطن وبالقرارات المرتبطة بالحرب.

كان التدخل في أفغانستان أول اختبار كبير لهذا التحول، ثم جاء العراق ليضع النظرية كلها أمام امتحان أكثر قسوة.

توني بلير وجورج بوش في البيت الأبيض – 7 يونيو 2005
توني بلير وجورج بوش في البيت الأبيض بتاريخ 7 يونيو 2005 - غيتي

تحولت العلاقة بين توني بلير وجورج بوش بعد 11 سبتمبر إلى أحد أكثر عناصر السياسة الخارجية البريطانية إثارة للجدل 

العراق.. ثلاثة مبررات لقرار واحد


يشرح ريتشارد جونسون أن قرار بلير المشاركة في غزو العراق استند، في خطابه السياسي، إلى ثلاثة مستويات متداخلة.

  • الأول أخلاقي: صدام حسين ديكتاتور مسؤول عن قمع واسع وحروب وجرائم، ومن ثم يمكن تقديم إسقاط نظامه باعتباره هدفًا مشروعًا أخلاقيًا.
  • والثاني قانوني: إذ تبنت الحكومة البريطانية تفسيرًا لقرارات سابقة لمجلس الأمن باعتبارها توفر أساسًا قانونيًا للتحرك العسكري.
  • أما الثالث فجيوسياسي: الولايات المتحدة كانت متجهة إلى الحرب، وبلير اعتبر أن على بريطانيا الوقوف إلى جانب حليفها الأميركي بدل ترك واشنطن تتحرك وحدها.

في "رحلة"، يلخص بلير موقفه بعبارة تكاد تكون مفتاحًا لفهم طريقته في الدفاع عن القرار: فعل ما اعتقد أنه الصواب، ووقف إلى جانب أميركا في لحظة رأى أنها تحتاج فيها إلى حليفها.

لكن خارج صفحات المذكرات كانت المعارضة واسعة. ففي 15 فبراير/ شباط 2003 شهدت لندن واحدة من أكبر التظاهرات السياسية في تاريخ بريطانيا، احتجاجًا على الحرب المرتقبة.


"كل ما أعرفه هو أنني فعلت ما اعتقدت أنه صواب. وقفت مع أميركا عندما احتاجت إلى الوقوف معها. وهكذا استطعنا تخليص العالم من طاغية حاربنا معًا كي نساند حق العراقيين في الحصول على حكومة ديمقراطية".

من مذكّرات توني بلير "رحلة"

وكان محور أساسي في قضية الحكومة هو الاعتقاد بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل. وبعد الغزو لم تُعثر على المخزونات التي قُدمت للجمهور بوصفها تهديدًا قائمًا.

ويقر بلير في مذكراته بأن التصور الاستخباراتي بشأن برنامج نشط لأسلحة الدمار الشامل اتضح أنه خاطئ، لكنه لا ينتقل من هذا الإقرار إلى القول إن قرار الحرب نفسه كان خطأ.


لماذا ذهب بلير إلى العراق.png

تشيلكوت.. ماذا قال التحقيق فعلًا؟


بعد سنوات من الجدل، جاء تقرير لجنة التحقيق البريطانية برئاسة السير جون تشيلكوت عام 2016 ليقدم أكثر مراجعة رسمية شمولًا لطريق بريطانيا إلى الحرب.

وهنا تقتضي الدقة الفصل بين أمرين: اللجنة لم تحكم بأن الحرب كانت قانونية أو غير قانونية، ولم تقل إن بلير تعمد اختلاق المعلومات الاستخباراتية.

لكنها وجهت انتقادات ثقيلة إلى عملية صنع القرار.



توني بلير يدلي بشهادته أمام لجنة التحقيق في حرب العراق – 29 يناير 2010
توني بلير يدلي بشهادته أمام لجنة التحقيق في حرب العراق بتاريخ 29 يناير 2010 - غيتي

استمعت لجنة تشيلكوت إلى توني بلير ضمن تحقيق استمر سنوات في كيفية اتخاذ بريطانيا قرار المشاركة في غزو العراق.

خلص التقرير إلى أن الخيارات الدبلوماسية لم تكن قد استُنفدت عندما اختارت بريطانيا المشاركة في الغزو، ولذلك لم يكن العمل العسكري في تلك اللحظة "الملاذ الأخير". كما وصف الظروف التي انتهت إليها الحكومة لتقرير وجود أساس قانوني للمشاركة بأنها كانت بعيدة عن أن تكون مُرضية.

وأشار التحقيق أيضًا إلى أن التصريحات الحكومية قدمت درجة من اليقين بشأن أسلحة الدمار الشامل تتجاوز ما كانت تسمح به التقديرات الاستخباراتية، وأن التخطيط لمرحلة ما بعد الغزو لم يكن كافيًا لمواجهة المخاطر المعروفة.

هذه النتائج تجعل المسافة واضحة بين رواية "فعلت ما اعتقدت أنه صواب" وبين السؤال الذي تطرحه المسؤولية السياسية:

هل تكفي سلامة النية المعلنة عندما تكون المعلومات أقل يقينًا، والبدائل لم تُستنفد، والاستعداد لما بعد الحرب غير كافٍ؟

بلير نفسه ظل متمسكًا بجوهر قراره. وفي شهادته أمام لجنة تشيلكوت، ثم في كتابه، رفض أن يقول إنه نادم على إسقاط نظام صدام حسين، وإن عبّر في مناسبات لاحقة عن أسفه للأخطاء الاستخباراتية والتخطيطية والنتائج التي أعقبت الحرب.

"شعرت بالقلق الشديد، الذي هو مزيج من الغضب والحزن، وأنا أفكر في كيفية الإجابة عن السؤال الذي وجهته إليّ لجنه تحقيق تشيلكوت الخاصة بحرب العراق في شهر يناير/ كانون الثاني 2010، وكان على النحو الآتي: هل تنتابك مشاعر الندم؟ (...) إنني لا أستطيع إبداء أسفي على اتخاذ قرار الحرب".
من مذكرات توني بلير "رحلة"

ويؤكد سيمون جينكيز، الكاتب والصحافي في صحيفة "الغارديان"، أن بلير لم يندم على ذلك قط، لافتًا إلى أنه شاهده ماثلًا أمام اللجنة التي حققت في الأمر.

ويردف أن أداء رئيس الوزراء البريطاني الأسبق كان يائسًا إلى حد كبير واضطر رجال الأمن في النهاية إلى اقتياده إلى الخارج.

برأيه، لم يستعد توني بلير قط شعبيته العامة الواسعة التي تمتع بها في سنواته الأولى، بعد حرب العراق.


أربعة استنتاجات من تشيلكوت

من الرباعية الدولية إلى "مجلس السلام"


في يونيو/ حزيران 2007 غادر توني بلير رئاسة الوزراء بعد عشر سنوات في داونينغ ستريت. لكنه لم يبتعد عن السياسة الدولية، بل انتقل مباشرة إلى موقع مبعوث اللجنة الرباعية الدولية المعنية بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

كان اختياره للمهمة مفارقة يصعب تجاهلها في المنطقة: الرجل الذي ارتبط اسمه بحرب العراق عاد بصفة مبعوث يفترض أن يعمل على بناء السلام.

وفي السنوات التالية امتدت أنشطة بلير إلى العمل الاستشاري والمؤسساتي عبر "معهد توني بلير للتغيير العالمي"، فيما بقي العراق حاضرًا كلما أُعيد النقاش في إرثه السياسي.



ثم جاءت عودته إلى ملف غزة على مستوى أكثر مباشرة. ففي يناير/ كانون الثاني 2026 أعلن البيت الأبيض ضمه إلى المجلس التنفيذي المؤسس لـ"مجلس السلام" برئاسة ترمب، وهو المجلس الذي يتولى دورًا في الإشراف على ترتيبات غزة وإعادة الإعمار والمرحلة الانتقالية.

وفي أغسطس/ آب، كان بلير مجددًا جزءًا من وفد المجلس في التحركات المتعلقة بغزة، ليعود السؤال الذي ظل يرافقه منذ العراق:

كيف يمكن الفصل بين خبرة رجل أمضى سنوات في دوائر القرار الدولي وبين الإرث الذي حمله معه من تلك القرارات؟

هنا تستعيد "رحلة" قيمتها بعد أكثر من 15 عامًا على صدورها. فالكتاب لا يقدم اعترافًا نهائيًا ولا مراجعة شاملة، بقدر ما يكشف كيف يرى بلير نفسه: سياسيًا آمن بقدرته على تحديث حزبه وبلاده، ثم آمن بأن القيم التي يدافع عنها يمكن أن تتحول إلى سياسة خارجية، وظل حتى بعد النتائج الكارثية للعراق مقتنعًا بأن الحكم على القرار لا ينفصل عن النية التي قادته إليه.

لكن التاريخ السياسي لا يكتبه أصحاب المذكرات وحدهم.

فإلى جانب ما يقوله بلير عن دوافعه، تقف نتائج القرارات التي اتخذها، وتحقيقات الدولة التي حكمها، والبلدان التي وصلت إليها تلك القرارات. وبين الاثنين تبقى "رحلة" مرآة لرجلٍ قاد بريطانيا في عقد من الإصلاح والحرب، وللسؤال الذي لم يغلقه الكتاب:

متى تتوقف النوايا التي يراها القائد صائبة عن أن تكون دفاعًا كافيًا أمام نتائج قراراته؟

تابع القراءة

المصادر

التلفزيون العربي
المزيد من