على خشبة المسرح في بيروت، تروي نساء من خلال التمثيل والرقص معاناة عاملات أجنبيات عالقات في البلاد خلال الحرب المدمّرة التي شنتها إسرائيل على لبنان.
فخلال العدوان اضطر مئات الآلاف الى النزوح، واستشهد آلاف اللبنانيين ودمّرت مناطق واسعة، حيث تفيد البيانات باستشهاد أكثر من 4 آلاف لبناني وجرح نحو 17 ألف آخرين، إضافة إلى نزوح نحو مليون و400 ألف شخص.
وقد استوقف مصير العاملات الأجنبيات مصمّم الرقص والمخرج علي شحرور، الذي حوّل قصصهن إلى عرض مسرحي بدأ في مطلع الشهر الجاري.
مسرحية "عندما رأيت البحر"
بعد بيروت، سيجول عرض "عندما رأيت البحر" مدنًا في أوروبا مثل برلين ومارسيليا وهانوفر وسيعرض خلال مهرجان أفينيون للمسرح في فرنسا.
ويقول شحرور (35 عامًا) الذي يعمل في المسرح منذ 15 عامًا: "وُلد هذا المشروع في الحرب، كنّا نتمرّن ونجري لقاءات وأبحاث خلال الحرب".
ويضيف: "أنا لا أعرف كيف أقاتل أو أحمل سلاحًا، أعرف فقط كيف أصنع الرقص، هذه هي الأداة الوحيدة التي أعرف كيف أقاوم بها".
في "عندما رأيت البحر"، تروي ثلاث نساء، إحداهنّ لبنانية لأمّ أثيوبية، وأخريان أثيوبيتان، قصصهنّ التي تعكس معاناة العاملات الأجنبيات في بلد ترفع فيه منظمات حقوقية باستمرار الصوت للتنديد بانتهاكات عدة تطال هذه الفئة.
وتستخدم النساء الكلمات والرقص والموسيقى وأغاني فولكلورية إثيوبية، لنقل المعاناة بسبب الهجرة وسوء المعاملة والحرب، والهدف تكريم نساء مهاجرات شرّدن خلال الحرب أو فارقن الحياة.
وخلال الحرب الأخيرة، لجأت مئات العاملات المهاجرات إلى ملاجئ استحدثتها جمعيات أهلية بعدما تخلت عنهن العائلات التي كنّ يعملن لديها حين تركت بيوتها هربًا من القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان وشرقه وعلى الضاحية الجنوبية لبيروت، بينما بقيت أخريات دون مأوى، فافترشن طرق بيروت من وسطها حتى البحر، هربًا من الموت.
وكان آلاف اللبنانيين قد باتوا ليالي طويلة في الشوارع أيضًا، نتيجة القصف الإسرائيلي المباغت.
"إصرار على إنجار العرض"
ويقول شحرور "كان ثمة إصرار" على إنجاز العرض، على الرغم من الرعب والحرب وصوت القصف المتواصل، مضيفًا: "لقائي مع هؤلاء السيدات مدّني بالقوة والطاقة لنستمر".
ويكمل الشاب: "المسرح أداة مقاومة، لنوصل الصوت ونبقي القصص حيّة، قصص الذين غادروا ولم ينالوا العدالة التي يستحقونها".
كذلك، هيمنت الحرب على عمل مسرحي للمخرجة والممثلة فاطمة بزي (32 عامًا)، كانت قد استهلت العمل عليه قبل الحرب.
وعلى الرغم من أنها أرغمت على مغادرة منزلها في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى العراق تحت وطأة القصف خلال أشهر الحرب، إلا أن بزي أصرت بعد عودتها إلى لبنان إثر بدء تطبيق وقف إطلاق النار في نوفمبر/ تشرين الثاني الفائت، على إنجاز عملها "ضيقة عليي" الذي عرض على مسرح زقاق في بيروت هذا الشهر.
وفي الأصل، تروي المسرحية قصة امرأة وعلاقتها مع زوجها الذكوري.
وتزخر المسارح اللبنانية مؤخرًا بعروض عديدة كان بعضها قد أرجىء بسبب الحرب، وأُنتجت بجهد ذاتي من ممثلين ومخرجين وفرق مسرحية أو بتمويل ودعم من مؤسسات أجنبية.
وفاقمت الحرب العراقيل أمام الإنتاج المسرحي في لبنان، في ظل غياب دعم رسمي بينما تغرق البلاد في أزمة اقتصادية متمادية منذ عام 2019.
ويشرح عمر أبي عازار (41 عامًا)، مؤسس فرقة زقاق التي فتحت أبواب مسرحها لعرض بزي: "أجّلنا مهرجانًا بأكمله نهاية العام الماضي بسبب الحرب. كان يُفترض أن تُعرض خلاله أكثر من 40 مسرحية من لبنان والخارج"، ومن ضمنها عرض فاطمة بزي، و"الآن بدأنا نعود" تباعًا.
وكان أبي عازار قد أخرج عرضًا خاصًا به مع فرقته بعنوان "ستوب كولينغ بيروت" (Stop Calling Beirut)، كان من المقرر أن يعرض أيضًا نهاية العام الماضي لكن أرجئ إلى الشهر الجاري.
وفي لحظة، يبدو الممثلون الثلاثة وكأنما يؤدون مشهدًا، يقطعه فجأة صوت القصف. يعود الممثلون إلى الواقع، يهرعون إلى هواتفهم ليعرفوا أين وقعت الغارة هذه المرة.