السبت 18 أبريل / أبريل 2026
Close

مشروع "دودة الجليد" السرّي.. هكذا خطّطت واشنطن لبناء مدينة نووية تحت غرينلاند

مشروع "دودة الجليد" السرّي.. هكذا خطّطت واشنطن لبناء مدينة نووية تحت غرينلاند محدث 04 سبتمبر 2025

شارك القصة

صُمّم مشروع "Iceworm project" لبناء مدينة "camp century" النووية السرية في غرينلاند
صُمّم مشروع "Iceworm project" لبناء مدينة "camp century" النووية السرية في غرينلاند- موقع الجيش الأميركي
صُمّم مشروع "Iceworm project" لبناء مدينة "camp century" النووية السرية في غرينلاند- موقع الجيش الأميركي
الخط
صمّم الجيش الأميركي مشروع "دودة الجليد" لبناء مدينة نووية حملت اسم "معسكر القرن" لتخزين 600 صاروخ "آيسمان" الباليستية العابرة للقارات

بعد تطوير أول قنبلة ذرية عام 1945، كانت الولايات المتحدة القوة النووية الوحيدة في العالم لمدة أربع سنوات فقط، قبل أن يختبر الاتحاد السوفياتي عام 1949 أول سلاح نووي له، ما دفع الحرب الباردة إلى حقبة جديدة.

وبينما كانت القوتان النوويتان تتنافسان على التفوّق، بدأ الأميركيون بتطوير مشروع سري للغاية لإخفاء الأسلحة النووية في غرينلاند، أطلقوا عليه اسم "مشروع دودة الجليد" (Iceworm)، ليكون بمثابة ردع ضد الاتحاد السوفيتي.

لكن الغطاء الجليدي في غرينلاند أثبت أنّه أقوى من الحرب الباردة، حيث كشف عن المدينة النووية.

كيف نشأ مشروع "دودة الجليد"؟

بحلول خمسينيات القرن الماضي، بدأت الحرب الباردة تكتسب زخمًا، حيث امتلكت كلّ من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أسلحة نووية. لكنّ تخزين الصواريخ النووية في الولايات المتحدة انطوى على مخاطر جسيمة، إذ كانت تلك المواقع عرضة للهجوم. ولذلك، وضع الجيش الأميركي خطة لبناء منشأة سرية للصواريخ النووية في غرينلاند.

وتطلّب "مشروع دودة الجليد" السري الطموح حفر أنفاق بمساحة 52 ألف ميل مربع تحت الجليد، أي ما يُعادل ثلاثة أضعاف مساحة الدنمارك تقريبًا؛ على أن تُخزَّن الخنادق المتباعدة عن بعضها البعض 600 صاروخ "آيسمان" الباليستي العابر للقارات ثنائي المراحل مُعدَّل، بمدى يصل إلى 3300 ميل. وكان من المفترض أن يعيش 11 ألف جندي تحت الجليد، على أهبة الاستعداد للهجوم عند الحاجة.

وفقًا لوثيقة سرية للغاية صدرت عام 1960 عن مركز دراسات الهندسة التابع للجيش الأميركي، كانت غرينلاند الموقع الأمثل للأسلحة النووية، إذ إنها تبعد 3 آلاف ميل فقط عن موسكو، ما يضع الصواريخ على مسافة قريبة من الأهداف الأميركية. كما يضمن الموقع قدرة الردّ الفوري إذا أطلق الاتحاد السوفيتي أسلحة نووية على الولايات المتحدة.

وذكر التقرير الذي نشرته منظمة "Atomic Heritage Foundation" أنّ "الصواريخ كانت مخفية في شبكة أنفاق واسعة محفورة ومغطاة، تحمي الرجال والصواريخ من الظروف الجوية القاسية ومن هجمات العدو. وستكون هذه القوة منيعة ضدّ أي هجمات، باستثناء الهجمات الضخمة. وحتى في هذه الحالة، يُمكن إطلاق معظم الصواريخ. يهدف الإخفاء وتنوّع نمط الانتشار إلى منع العدو من استهداف العناصر الأساسية في القوة الصاروخية".

وبالفعل، طرحت الولايات المتحدة فكرة إنشاء هذه المدينة على الدنمارك عام 1958. وعندما لم يبدِ الدنماركيون أي التزام، قرّر الأميركيون المضي قدمًا بمشروعهم وحدهم.

تطلّب "Iceworm project" حفر أنفاق بمساحة 52 ألف ميل مربع تحت الجليد
تطلّب "Iceworm project" حفر أنفاق بمساحة 52 ألف ميل مربع تحت الجليد -National Archives

ومن أجل عدم اكتشاف حقيقة مشروع "دودة الجليد"، اختلق الجيش الأميركي قصة مُضلّلة تقوم على أنّ المشروع يهدف إلى بناء "محطة علمية" باسم "معسكر القرن" (Camp Century).

"معسكر القرن".. المدينة النووية تحت الجليد

عام 1958، بدأ بناء "معسكر القرن" ليكون غطاءً للمنشأة النووية الضخمة تحت الأرض، التي أُنشئت في إطار مشروع "دودة الجليد".

ومنذ البداية، واجه بناء الموقع تحديات عدة، إذ كان على المهندسين شقّ طريق عبر الجليد، ونقل آلاف الأطنان من الإمدادات على زلاجات جليدية لا تتجاوز سرعتها ميلين في الساعة، في رحلة استغرقت 70 ساعة من قاعدة ثولي الجوية (Thule Air Base).

كما اضطر المهندسون إلى حفر خنادق في الثلج والجليد، وتغطيتها بسقف من الأقواس الفولاذية، ثمّ إعادة تغطيتها بالثلج. وأنشأوا شبكة من المباني تحت الأرض، وعُرف أطول خندق باسم "الشارع الرئيسي" بطول 1000 قدم.

وبنى المهندسون 26 نفقًا امتدّت لمسافة ميلين، وكانت تؤدي إلى مساكن، وكافيتريا، ومستشفى، وقاعة ترفيه. وكان من المقرّر أن تضمّ المدينة النووية أيضًا مدرسة ودار سينما.

ضمّ "Camp Century" شبكة من المباني تحت الأرض
ضمّ "Camp Century" شبكة من المباني تحت الأرض- وول ستريت جورنال

وبدءًا من عام 1960، زوّد مفاعل نووي "معسكر القرن" بالطاقة، وخطّط المهندسون لتركيب مفاعلين إضافيين لضمان استمرارية العمل.

ومن أجل الحفاظ على القصة المزيّفة، أصدر الجيش الأميركي فيلمًا وثائقيًا عن "المدينة تحت الجليد"، لإظهار أنّه ليس لديه ما يخفيه.

لكن الحقيقة هي أنّ "معسكر القرن" بُني لاستيعاب ما يكفي من الصواريخ الباليستية متوسطة المدى لتدمير 80% من الأهداف في الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية.

فشل مشروع "دودة الجليد"

واجه مشروع "دودة الجليد" مشاكل هائلة، ولم يتمّ بناء سوى ميلين من الأنفاق من أصل 52 ألف ميل، بينما ظلّت الأنفاق تنهار تحت ضغط الغطاء الجليدي في غرينلاند.

وبينما خطّط المهندسون لتشغيل المدينة بالطاقة النووية، إلا أنّ درجات الحرارة المنخفضة جدًا أدت إلى تشققات في المعادن، ما زاد من خطر وقوع الحوادث.

اضطر المهندسون إلى حفر خنادق في الثلج والجليد لبناء مدينة "camp century"
اضطر المهندسون إلى حفر خنادق في الثلج والجليد لبناء مدينة "camp century"- غيتي

وإلى جانب تحديات بناء "معسكر القرن"، برزت التحديات في تشغيله، إذ كانت البيئة في غرينلاند قاسية، حيث وصلت درجات الحرارة إلى -70 درجة فهرنهايت، بينما وصلت سرعة الرياح العاتية إلى 120 ميلًا في الساعة.

وفي النهاية، لم يعمل المفاعل النووي الوحيد في المنشأة سوى 33 شهرًا، بينما لم يتجاوز عدد سكان المدينة النووية المخصصة لإيواء 11 ألف نسمة الـ200 نسمة.

آثار طويلة الأمد على العالم أجمع

ألغى الجيش الأميركي مشروع "دودة الجليد" عام 1963، ولم يتم الكشف عن أهدافه حتى عام 1995. إلا أنّ هذا المشروع العسكري السري للغاية كان له آثار طويلة الأمد على العالم أجمع.

فبعد انتهاء مشروع "دودة الجليد"، استمر "معسكر القرن" بالعمل بشكل محدود حتى عام 1966. ومع استمرار تساقط الثلوج، غرقت المدينة النووية المهجورة تدريجيًا تحت الثلج والجليد. وانهارت أنفاقها، فانسحب الجيش الأميركي منها نهائيًا، لكنّه ترك خلفه أطنانًا من النفايات الخطرة التي امتدّت على مساحة تعادل مساحة 100 ملعب كرة قدم.

اعتقد الجيش الأميركي أنّ الثلج سيدفن سائل التبريد المشعّ ووقود الديزل ومياه الصرف الصحي. إلا أنّ دراسة أُجريت عام 2016 أظهرت العكس، إذ أدى ارتفاع درجة حرارة القطب الشمالي إلى ظهور هذه النفايات بنهاية القرن.

وأفادت الدراسة بوجود أكثر من 136 فدانًا من النفايات الكيميائية والنووية، منها 50 ألف غالون من وقود الديزل، و63 ألف غالون من مياه الصرف الصحي والمبرّدات المشعّة، وآلاف الغالونات من المياه الملوثة الأخرى في المدينة النووية.

وفي أبريل/ نيسان 2024، اكتشف علماء في وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" المدينة النووية في غرينلاند أثناء اختبارهم رادارًا جديدًا قادرًا على اختراق طبقات الجليد.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي/ ترجمات
المزيد من