شهدت فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، يوم أمس الجمعة، حفل فني استثنائي حمل عنوان "حدوتة مصرية"، خُصّص للاحتفاء بمرور مئة عام على ميلاد المُخرج يوسف شاهين، أحد أبرز روّاد السينما العربية وأكثرهم تأثيرًا في الوعي الثقافي والسينمائي المصري والعربي.
وأُقيم حفل الافتتاح بحضور وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو، إلى جانب قيادات ثقافية وفنية وإعلامية، ونخبة من الفنانين وصنّاع الإبداع، فضلًا عن ممثلين عن أسر رموز فنية وثقافية بارزة، من بينهم أسرة يوسف شاهين، وأسرتا الشاعر صلاح جاهين والموسيقار سيد مكاوي.
"العلامة الفارقة"
وأكد وزير الثقافة في كلمته، أنّ معرض القاهرة الدولي للكتاب لم يعد مجرد تظاهرة للكتاب والنشر، بل بات فضاءً ثقافيًا شاملًا للاحتفاء بالفكر والفن والهوية، ومنبرًا لتكريم القامات الإبداعية التي أسهمت في صياغة وجدان أجيال متعاقبة.
وشدّد هنّو على أنّ الاحتفاء بمئوية يوسف شاهين داخل فعاليات المعرض يحمل دلالة خاصة، باعتباره نموذجًا للمُبدع الذي تجاوزت أعماله حدود السينما إلى الفضاء الإنساني والفكري، ونجح في التعبير عن الإنسان المصري والعربي بجرأة فنية ورؤية عالمية.
واعتبر أنّ مشروع شاهين السينمائي شكّل علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية، لما حمله من أسئلة كبرى حول الهوية والحرية والعدالة والانتماء، وما تركه من تأثير ممتد على أجيال من المخرجين والمبدعين.
وأثنى وزير الثقافة على الجهد الفني المبذول في إعداد حفل الافتتاح، موجهًا التحية إلى فريق العمل، وعلى رأسه المخرج أحمد البوهي، والمايسترو نادر عباسي، لما قدّماه من رؤية فنية راقية عكست قيمة يوسف شاهين ومكانته، كما نوّه بالدور الداعم للجهات الراعية التي أسهمت في خروج هذا الحدث بصورة تليق بتاريخ المعرض ورموزه.
فعاليات الحفل
وجاء الحفل بإخراج أحمد البوهي، وبقيادة نادر عباسي، وبمشاركة الأوركسترا والجوقة الفيلهارمونية المتحدة، في عرض فني استعاد محطات بارزة من مسيرة شاهين السينمائية عبر الموسيقى والغناء والمشاهد المختارة من أفلامه.
واستُهلت الفقرات بموسيقى فيلم "المهاجر" مصحوبة بلقطات من أبرز أعماله، تلتها مجموعة من الأغنيات والمقطوعات الموسيقية المرتبطة بأفلامه، في رحلة فنية عكست تطور مشروعه الإبداعي عبر العقود.
وتضمّن البرنامج مختارات من موسيقى وأغنيات أفلام "أنت حبيبي"، و"الأرض"، و"عودة الابن الضال"، و"المصير"، و"الآخر"، و"إسكندرية.. نيويورك"، إلى جانب أداء سردي تناول أبرز محطات مسيرته الفنية وتحولاته الفكرية، وصولًا إلى أعماله المتأخرة التي رسّخت حضوره العالمي.
واختُتم الحفل بلوحة غنائية جماعية أكدت أنّ يوسف شاهين لا يزال حاضرًا في الذاكرة الثقافية المصرية، ليس بوصفه مخرجًا فقط، بل كصاحب مشروع فني وإنساني متجدد.
ويأتي هذا الاحتفاء ضمن رؤية وزارة الثقافة لتعزيز دور معرض القاهرة الدولي للكتاب كمنصّة جامعة للفنون والآداب والفكر، وتأكيدًا على أنّ تكريم رموز الإبداع هو جزء أصيل من معركة الحفاظ على الهوية الثقافية وصون الذاكرة الوطنية.
"موسيقار السينما"
وفي حديث لـ"بوابة الأهرام"، أكدت الناقدة السينمائية ماجدة خير الله أنّ مدرسة يوسف شاهين السينمائية فريدة ولا يُمكن تكرارها أو استنساخها، معتبرة أنّ تأثيره تجاوز التقنيات إلى مشروع فني وفكري متكامل ظل حاضرًا في الوعي السينمائي المصري والعربي عبر أفلام خالدة.
وأوضحت أنّ أعمال شاهين شكّلت توثيقًا فنيًا غير مباشر لتاريخ مصر وتحولاته على مدى نحو ستة عقود، إلى جانب دوره الحاسم في اكتشاف وصناعة نجوم بارزين، من بينهم عمر الشريف وفاتن حمامة، مؤكدة أن بصمته ستبقى ممتدة في السينما المصرية جيلا بعد جيل.
بدوره، وصف الناقد طارق الشناوي، يوسف شاهين بأنّه "موسيقار السينما" و"أستاذ الجمال في الصورة"، معتبرًا أنّه مخرج استثنائي حوّل الإيقاع والموسيقى إلى لغة بصرية متفرّدة، وامتلك كاريزما إنسانية وفنية لم تتكرر في السينما المصرية.
وأكد أنّ شاهين نجح في إيجاد معادلة إنتاجية سمحت له بتقديم عشرات الأفلام عبر مراحل مختلفة وأنماط سينمائية متنوعة، مع حفاظه الدائم على توقيعه الفني وتأثيره الممتد على أجيال من المخرجين.