الثلاثاء 17 فبراير / فبراير 2026
Close

معركة العلمين: قصة الهزيمة التاريخية لقوات رومل على أرض مصر

معركة العلمين: قصة الهزيمة التاريخية لقوات رومل على أرض مصر محدث 23 أكتوبر 2025

شارك القصة

تُعدّ معركة العلمين فاصلة في تاريخ الحرب العالمية الثانية إذ أدّت إلى اندحار القوات الألمانية والإيطالية من شمال إفريقيا - غيتي
تُعدّ معركة العلمين فاصلة في تاريخ الحرب العالمية الثانية إذ أدّت إلى اندحار القوات الألمانية والإيطالية من شمال إفريقيا - غيتي
الخط
قراءة معمّقة لمعركة العلمين 1942: كيف حسم مونتغمري "معركة الإمداد" بخطة الخداع وتفوّق الدبابات، وانتهت قوات رومل إلى هزيمة تاريخية في مصر.

كثيرةٌ هي المعارك العسكريّة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، لكن تبقى بعض المحطات بارزة بتأثيرها على التوازنات الإقليمية، خصوصًا حين ترتبط بصراع القوى الكبرى. في هذا الإطار، تبرز حرب/معركة العلمين؛ كثيرون سمعوا بها، لكن تفاصيلها الدقيقة قد تغيب، رغم أنها معركة مفصلية غيّرت وجه المنطقة خلال الحرب العالمية الثانية.

جغرافيًا، تقع العلمين في محافظة مطروح غرب الإسكندرية بطبيعة صحراوية. وحاليًا تمتدّ مدينة العلمين الجديدة على طول 48 كلم من الطريق الدولي الإسكندرية - مطروح، وتبدأ حدودها من طريق وادي النطرون حتى الضبعة. تضمّ متاحف ومناطق ترفيهية وفنادق وخدمات مرافئ ومركزًا طبيًا عالميًا، فضلًا عن ناطحات سحاب سكنية وسياحية ومشاريع استثمارية جذبت شركات عالمية. (1)

وقبيل اندلاع حرب العلمين، وقعت سلسلة أحداث أساسية مهّدت لها؛ فهي لم تحصل فجأة، بل سبقها مسار ميداني واضح. وكان أبرز اللاعبين: بريطانيا، وإيطاليا، وألمانيا. فما قصة تلك الحرب؟ ما ظروفها وكيف جرت؟ وما نتائجها؟

شمال إفريقيا تحت قبضة التوسّع

احتلّت بريطانيا مصر عام 1882، ثم تعزّز نفوذها بعد الحرب العالمية الأولى (1914–1918) مع انحسار الدولة العثمانية. ومع تصاعد الاهتمام بالبترول وتطوّر استخدام الطيران، غدت مصر مركزًا محوريًا لبريطانيا، فتمركزت قوّاتها أساسًا في القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية.

أمّا إيطاليا فجهّزت لحملة استعمارية ضد إثيوبيا عام 1935، ما أثار قلق مصر وبريطانيا من خطر تطويق مصر بقوات إيطالية. لذلك عزّزت لندن قوّاتها بسلاحٍ مجدَّد، وكانت لها قوة مدرعة في الصحراء الغربية هي الفرقة السابعة المدرعة المتمركزة في قاعدة مرسى مطروح. (2)

ما قبل العلمين: دخول ألمانيا إلى شمال إفريقيا

بين عامي 1940 و1941، وأثناء الحرب العالمية الثانية التي اندلعت عام 1939، حاولت إيطاليا غزو مصر. تصدّى البريطانيون لها في سيدي براني (ديسمبر/ كانون الأول 1940)، واتسعت هزائمها حتى بدافوم جنوب بنغازي (فبراير/ شباط 1941).

استشعرت ألمانيا خطر سقوط شمال إفريقيا بيد الحلفاء إذا سيطروا على طرابلس، فتدخّلت لمؤازرة الإيطاليين دفاعًا عن الولايات الغربية في ليبيا. تحرّكت تشكيلات ألمانية إلى طرابلس الغرب مطلع فبراير/ شباط 1941، من دون أن تتوفر لدى القيادة البريطانية معلومات وافية مسبقًا. (3)

أسندت برلين القيادة إلى إرفين رومل، الذي لمع نجمه في بولندا وفرنسا (مواليد 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 1891 - توفي 15 أكتوبر/ تشرين الأول 1944). في المقابل، لم تستغلّ القوات البريطانية تفوقها ضد الإيطاليين، إذ حوّلت جزءًا معتبرًا من جهودها لإنقاذ اليونان وكريت من الغزو الألماني.

وبينما كانت قوات بريطانية (من أستراليا ونيوزيلندا والهند وروديسيا) تستعدّ لدعم اليونان، باغت رومل قوة بريطانية صغيرة في مرسى بريقة عند انحناء خليج سرت وسحقها. كان قرار لندن مساعدة اليونان مفهومًا سياسيًا للحفاظ على الهيبة في الشرق الأوسط، خاصة تجاه تركيا، لكنه كان خاطئًا استراتيجيًا.

شجّع النصر السريع رومل على مواصلة التقدم، فأرغم القوات البريطانية في برقة على التقهقر، وطوّق طبرق، ثم اندفع حتى الحدود المصرية عند السلوم، مستعيدًا خلال أسابيع قليلة ما خسره الإيطاليون. وقد خالف في اندفاعه بعض أوامر القيادة الألمانية والإيطالية، لكنه حقّق نتيجة ميدانية مؤثرة.

حاولت بريطانيا في (مايو/ أيار) و(يونيو/ حزيران) 1941 دفع رومل إلى الانسحاب لفكّ حصار طبرق، لكن القائد الألماني لم يستطع إسقاطها رغم القصف الجوي واستهداف الأسطول المموِّن. استُبدلت حامية الفرقة الأسترالية التاسعة بالفرقة السبعين البريطانية وغيرها. ومع تصاعد الضغط، عيّنت لندن كلود أوكنلك بدل أرشيبالد ويفل قائدًا أعلى في الشرق الأوسط، وطلب فورًا إنشاء مركز دفاعي قوي في العلمين وتعزيز جميع المراكز الدفاعية في الصحراء الغربية، بما فيها المواجهة للقوات الألمانية على الحدود.

تقع مدينة العلمين في محافظة مطروح غرب الإسكندرية بطبيعة صحراوية - غيتي
تقع مدينة العلمين في محافظة مطروح غرب الإسكندرية بطبيعة صحراوية - غيتي

جولات الكرّ والفرّ حتى صيف 1942

في نوفمبر/ تشرين الثاني 1941 أطلق أوكنلك حملة بقيادة آلان كانينغهام (الجيش الثامن) لإنقاذ طبرق واستعادة برقة. وبداية 1942 عاد الوضع إلى ما كان عليه في فبراير/ شباط 1941: قوات المحور منهكة وخسائرها كبيرة، وطبرق باقية تحت تموينٍ بريطاني ميسور.

ثم جدّت أزمة مشابهة لليونان وكريت ولكن في سنغافورة؛ نُقلت فرقتان أستراليتان وفرقة بريطانية واللواء السابع المدرع وأسراب جوية إلى الشرق الأقصى. عندها استأنف رومل هجومه في 21 يناير/ كانون الثاني 1942، فحرّر برقة من قبضة البريطانيين حتى عين الغزالة غرب طبرق.

كان رومل يهدف إلى الاستيلاء على طبرق ودفع البريطانيين إلى ما وراء الحدود المصرية. وفي مايو/ أيار 1942، بدأ زحفه، فاتجه جنوبًا إلى بير حكيم ثم إلى مشارف طبرق والعدم جنوبها. وبعد خللٍ عملياتي، استعاد البريطانيون تماسكهم ووضعوا قوات رومل في موضع حرج شرق حقول ألغام بريطانية، مع قرب نفاد الذخيرة وانقطاع خطوط التموين. لكن رومل حافظ على تجمّع قواته، وشقّ طريقًا داخل حقول الألغام وأعاد إنشاء خط المواصلات، وتصدّى للهجمات، حتى 12 يونيو/ حزيران 1942 حين دمّر القوة المدرعة البريطانية في المعركة، فانسحبت البقية.

إثر ذلك، صدرت أوامر بريطانية بصدّ هجوم رومل على القوس الغربي لطبرق والتمسك بالحصن، ثم بإعادة التجمع على الحدود المصرية بدلًا من وسط الميدان قرب العدم. انتهز رومل الفرصة فاستدار حول طبرق التي سقطت بين يديه وأحكم السيطرة عليها. قرر نيل ريتشي تركيز الدفاع على قاعدة مرسى مطروح ومحاولة صدّ القوات الزاحفة عند السلوم، ووافق أوكنلك، فيما كانت تحصينات العلمين تُستكمل.

خلال يومين من سقوط طبرق، زحف رومل إلى الحدود المصرية وعبرها بقوة 44 دبابة فقط. وبعد يومين (25 يونيو/ حزيران 1942) وقع اشتباك جنوب مطروح. انتقل أوكنلك إلى الميدان وعزل ريتشي في اليوم نفسه. توقّف اندفاع رومل عند خطوط العلمين بين 30 يونيو/ حزيران و1 يوليو/ تموز 1942. هناك اندلعت العلمين الأولى طوال يوليو/ تموز حتى مطلع أغسطس/ آب 1942 بين قوات رومل من جهة والقوات البريطانية والهندية والنيوزيلندية من جهة أخرى، قبل أن يتوقف الهجوم.

لماذا توقّف رومل؟

أثار عجز رومل عن اختراق منطقة العلمين في ذاك الوقت دهشة الكثيرين، خصوصًا أنه كان متقدمًا على القوات البريطانية. لكن عند تحليل الوقائع، تبيّن أنّ قواته عانت إرهاقًا شديدًا وأزمة تموين ووقود بسبب إغراق ناقلات البترول. في المقابل، عزّز البريطانيون دفاعاتهم في العلمين سريعًا: أسلاك شائكة، حقول ألغام، مجموعات خفيفة الحركة، وإمداد أسلس وصولًا.

معركة علم حلفا: بداية هزيمة رومل

أثار سقوط طبرق قلق رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، فعيّن في أغسطس/ آب 1942 الجنرال برنارد لو مونتغمري قائدًا للجيش الثامن خلفًا لأوكنلك.

وُلد مونتغمري في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 1887، وتخرّج عام 1908 من الكلية الحربية برتبة ملازم ثانٍ، ثم تدرّج في الرتب العسكرية حتى بلغ أعلاها بعد أن ذاع صيته بفضل انتصاراته في معركة العلمين وما بعدها. وتوفي في 24 مارس/ آذار 1976.

عقب تسلّمه القيادة ووصوله إلى مصر، طلب مونتغمري تشكيل جيش احتياطي متحرك على غرار فيلق رومل الإفريقي، على أن يُسمّى الفيلق العاشر ويباشر عمله خلفًا للفرقة الثلاثين التي كانت مهيأة لمهمة مشابهة. كما اجتمع بهيئة أركان الحرب، وطرح خطة عمل واضحة تقوم على: عدم الانسحاب والحفاظ على الخطوط الحالية، والدفاع عن مصر من العلمين وليس من خلف خط العلمين، وتوحيد القتال على مستوى الفرق بدل تفتيت الوحدات. وشدد على ضرورة أن يكون مركز قيادة الجيش مريحًا وأقرب إلى البحر لتسهيل التنسيق مع القيادة الجوية.

الجنرال برنارد لو مونتغمري الذي ذاع صيته بفضل انتصاراته في معركة العلمين - غيتي
الجنرال برنارد لو مونتغمري الذي ذاع صيته بفضل انتصاراته في معركة العلمين - غيتي

هدف مونتغمري: تحطيم جيش رومل

كان الهدف المركزي لدى مونتغمري هو تحطيم جيش رومل؛ لكنه أكد في المقابل ألّا هجوم قبل بلوغ الجاهزية التامة للجيش الثامن.

بالتوازي، ناقش مع القادة العسكريين احتمال شروع رومل بالهجوم قريبًا. وقد دلّت مؤشرات عسكرية على أن القائد الألماني يُعِدّ قواته المتحركة للانقضاض، وساد اعتقاد لدى البريطانيين بأن الضربة ستأتي مع اكتمال القمر في 26 أغسطس/ آب 1942. وفي الأثناء، تواصلت الاستعدادات البريطانية بلا توقف: تدفقت الإمدادات من العتاد والمدفعية والدبابات، ووضع مونتغمري خططًا دفاعية وهجومية متعددة.

وعند اكتمال القمر يوم 26 أغسطس/ آب، كان الجيش الثامن على أهبة الاستعداد لملاقاة رومل. أصدر مونتغمري أوامره الحاسمة بعدم التراجع إطلاقًا، على أن يلتزم كل قائد بمهماته: ضرب المهاجم بلا هوادة وعدم التزحزح عن المواقع. لكن المفارقة أنّ رومل لم يبدأ الهجوم في ذلك اليوم، ومرّت أيامٌ من دون تحركٍ منه.

ماذا حدث فعليًا؟

بمجرد سقوط طبرق في يده، اقترح رومل استثمار حالة ارتباك البريطانيين ومواصلة الزحف إلى الإسكندرية ثم إلى القاهرة بسرعة هائلة، بما يُحدث صدمة كبيرة عبر هجوم خاطف. غير أنّ رومل، بصفته قائدًا للجيش الألماني–الإيطالي، كان ملزمًا بتلقي أوامره من القيادة الإيطالية العليا برئاسة المارشال أوغو كافاليرو، وقد أُلحِق بها الجنرال فرانز فون رينتلين ممثلًا للقيادة الألمانية العليا. وفي إيطاليا أيضًا كان يعمل الفيلد مارشال كيسلرنج، قائد القوات الجوية الألمانية في البحر الأبيض المتوسط، الذي يتبعه رومل رسميًا ضمن سلسلة القيادة الألمانية. وإلى جانب ذلك، تلقّى رومل توجيهات مباشرة من القيادة الألمانية العليا؛ وكثيرًا ما تعارضت هذه الأوامر مع توجيهات القيادة الإيطالية. وقد اشتكى مرارًا من هذا التناقض، وإن كان يسعى أحيانًا لاستغلاله لصالحه.

مع ذلك ظلّ رومل يؤيد الهجوم الفوري على مصر قبل أن يتمكن البريطانيون من إعادة تأهيل قواتهم؛ فقد كان يعلم أنّ عامل الزمن ليس في صالحه: كل يومٍ يمرّ يرفع من استعداد البريطانيين وعتادهم، فيما يزداد موقفه سوءًا إداريًا ولوجستيًا. لذلك صمّم على الهجوم بمجرد توافر الوسائل، وكان هدفه الوصول إلى الإسكندرية بما يخفف من مشكلاته وأبرزها مشكلة الوقود.

وسط هذا النقاش، حصل رومل على تأييد هتلر لشنّ هجومه رغم التحذيرات القائمة. ومع أنّ رومل كان يواجه صعوبات كبيرة في التموين والمعدات والذخائر ومؤونات البترول، إلى جانب إرهاق شديد أصاب قواته، فقد شرع في التحضير لهجوم يوم 30 أغسطس/ آب 1942.

وعمليًا، كان عدد دباباته على النحو الآتي: 36 دبابة مارك 6 الجديدة المجهزة بمدفع قصير عيار 75 مم، و71 دبابة مارك 3 بمدفع طويل عيار 50 مم، و93 دبابة من طرازات أقدم بمدافع أقصر بما يساوي نحو 200 دبابة ألمانية. أمّا الجانب الإيطالي فامتلك 243 دبابة متوسطة و38 دبابة خفيفة. وفي 30 أغسطس، أُبلغ رومل بأنّ ناقلات زيت في طريقها إلى طبرق وبنغازي، كما أُرسل 1500 طن من بنزين الطائرات - كمية تكفي أربعة أيام - مع أمل وصول كميات إضافية. أمام هذه المعطيات، أصدر رومل أوامره بالهجوم على مصر ليلة 30 أغسطس.

"سباق الأيام الستّة"

وضع رومل خطته على أساس هجومٍ تضليلي شمالي ضد الجبهة البريطانية بين البحر وعلم النيل، بالتزامن مع اختراقٍ رئيس ينفذه فيلق إفريقيا الألماني والفيلق العشرون الإيطالي جنوب علم حلفا، ثم التوجه إلى علم حلفا واحتلالها، فالاندفاع لاختراق الثغرة بين علم حلفا وعلم النيل لتطويق كل القوات البريطانية في الشمال.

ميدانيًا، ليلة 30–31 أغسطس شنّ سلاح الجو الألماني ضربات قوية على القوات البريطانية. وفي الشمال نفّذت فرقتان إيطاليتان هجومًا خداعيًّا، بينما فُتحت في أقصى الجنوب ثغرتان في حقول الألغام البريطانية لتعبُر منهما قوات رومل.

إثر ذلك، تقدّمت قوات رومل شمالًا نحو تبة علم حلفا يوم 31 أغسطس، قبل أن يتوقف التقدّم قليلًا ثم يُستأنف. غير أنّ القوات البريطانية تصدت للهجوم بنجاح.

وبنهاية ذلك اليوم، كان موقف البريطانيين سليمًا: صدّوا هجمات القطاع الشمالي وأوقفوا تقدّم القوات المدرعة في الجنوب، فيما وجّه سلاح الجو البريطاني ضرباتٍ كبيرة لجيش رومل.

صباح 1 سبتمبر/ أيلول، تبيّن لمونتغمري أنّ هدف قوات رومل هو تبة علم حلفا ثم الاتجاه شمال غرب نحو تبة الرويسات؛ فأصدر أمرًا بسدّ الثغرة بين علم حلفا وعلم النيل، وأرسل لواءً إلى تبة الرويسات.

عندئذٍ تصاعد الضغط البريطاني على قوات رومل. وفي 3 سبتمبر أوقف الأخير الهجوم، ما استدعى قرارًا من مونتغمري بالقيام بهجومٍ مضاد عبر الفرقة النيوزيلندية.

وعليه، بدأت القوات الألمانية انسحابها يوم 3 سبتمبر بعد قطع تماسها مع القوات البريطانية. وخلال 5 و6 سبتمبر، انسحبت تحت ستار قصفٍ مدفعي كثيف بعدما اشتدّ الهجوم البريطاني.

وفي 7 سبتمبر قرر مونتغمري إيقاف العمليات وعدم مهاجمة النقاط التي احتفظت بها قوات رومل، والبدء بإنشاء دفاعات بريطانية جديدة.

وبفشل معركة علم حلفا، ضاعت آخر فرصة أمام رومل للوصول إلى قناة السويس. وقد عُرفت هذه المعركة بين الجنود باسم "سباق الأيام الستة" لأنها استمرت ستة أيام منذ بدء هجوم قوات رومل حتى انسحابها إلى المواقع الجديدة.

وبالنتيجة، شكّلت معركة علم حلفا الجولة الأخيرة في مرحلة الاستعداد الطويلة التي سبقت معركة العلمين الثانية. وقد حصد البريطانيون فوائد كبيرة مما جرى في علم حلفا؛ إذ مثّلت حقل تجارب للنظريات التي اعتمدها مونتغمري، الذي قال: «كان للنصر في معركة علم حلفا تأثيرٌ عميق على الجيش الثامن؛ ارتفعت الروح المعنوية للجنود إلى الذروة، بينما فشل رومل في تحقيق غرضه وتكبّد خسائر فادحة».

معركة العلمين الثانية.. المعركة الفاصلة

في ختام معركة علم حلفا، وضع مونتغمري نصب عينيه هزيمة رومل في شمال إفريقيا. كانت مشكلته الأساسية تتعلق بالإمداد، لكن الأمر لم يطل؛ إذ تدفّقت كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات لصالحه، ووصلت شحنات من دبابات شيرمان والمدافع ذاتية الحركة.

وعند بدء الهجوم في العلمين، كان لدى مونتغمري 10 فرق، ثلاثٌ منها مدرّعة، ونحو 1100 دبابة من مختلف الأنواع، وحوالى 750 مدفعًا. أما القوة الجوية فضمّت 500 طائرة قتال و200 قاذفة قنابل.

في المقابل، حاول رومل تعويض خسائره بعد علم حلفا، فطلب تزويده سريعًا بالاحتياجات العسكرية، وإنهاء أزمة الإمداد والتموين بأي وسيلة، محذّرًا من أنّ الجيش الألماني–الإيطالي لن يستطيع الاحتفاظ طويلًا بمواقعه في إفريقيا من دون ذلك؛ وجاء تحذيره برسالة رسمية إلى القيادة الألمانية.

شكّلت معركة العلمين 1942 نقطة تحوّل في الحرب العالمية الثانية ومهّدت لانهيار ألمانيا وحليفتيها إيطاليا واليابان - غيتي
شكّلت معركة العلمين 1942 نقطة تحوّل في الحرب العالمية الثانية ومهّدت لانهيار ألمانيا وحليفتيها إيطاليا واليابان - غيتي

خطة بريطانيا.. الخداع

خطّة رومل الأساسية بعد علم حلفا كانت التشبّث بمواقع دفاعية مجهزة في انتظار الهجوم البريطاني، مع التركيز أولًا على تقدير اتجاه المجهود الرئيسي للضربة البريطانية. ورجّح أن يأتي هذا المجهود في وسط الجبهة، حيث أضعف نقاط دفاع المحور وحيث تتمركز القوات الإيطالية وحدها. لذلك قرر السماح للهجوم البريطاني بالتقدم في الوسط ليدخل الخصم في وضع يسهل مهاجمته وتدميره.

في المقابل، اعتمدت بريطانيا خطة خداع متعددة الوسائل: وضعت كميات كبيرة من العربات والأسلحة الهيكلية في الخطوط الأمامية، وسحبت التشكيلات المقاتلة إلى الخلف للتدريب والاستعداد ثم أعادتها قبيل الهجوم. وفي الوقت نفسه، أُخفيت المدافع والدبابات في القطاع الشمالي بحيث يصعب تقدير حجم الحشد الفعلي هناك، كما أُخفيت مستودعات التموين والذخيرة المخصّصة للهجوم. أمّا في القطاع الجنوبي، فأنشأت القيادة البريطانية عددًا كبيرًا من المستودعات الهيكلية، ومدقاتٍ صخرية، ومدَّت خط أنابيب مياه هيكلي للإيحاء بأن المجهود الرئيسي سيوجَّه إلى هذا القطاع.

نجحت الخطة البريطانية؛ إذ كان رومل في ألمانيا عند بدء الهجوم، فيما بقيت قواته المدرعة موزعة بين الشمال والجنوب بلا يقين تجاه اتجاه الضربة.

بالتوازي، ابتكر رومل أسلوبًا دفاعيًا عُرف باسم "حدائق الشيطان"، وهو شبكة كثيفة من حقول الألغام يُتعذر اختراقها أو إزالتها بسرعة.

معركة العلمين الثانية.. كيف بدأت؟

فعليًا، بدأت معركة العلمين الثانية يوم 23 أكتوبر/ تشرين الأول 1942. في ذلك اليوم، تجاوز عدد دبابات الجبهة البريطانية 1000 دبابة، فيما لم يزد عدد دبابات الجبهة الألمانية–الإيطالية على 500 دبابة، مع نقصٍ كبير في الذخائر ومدفعية بعضها قديم. بالتزامن، نجح البريطانيون عبر سلاح الجو في شلّ الحركة البحرية تقريبًا في المتوسط لصالح قوات المحور.

مع حلول مساء 23 أكتوبر/ تشرين الأول، فتحت المدفعية البريطانية نيرانها على مواقع رومل، وشرع مهندسون بريطانيون في رفع الألغام لفتح ثغرات تسمح بمرور المشاة أولًا ثم الدبابات ثانيًا، على عكس ما توقع رومل الذي انتظر الدبابات البريطانية أولًا. وعلى مدى أيام، تكثّف الهجوم البريطاني على عدة محاور، فشهدت الجبهة مواجهات عنيفة بين قوات مونتغمري من جهة، وقوات رومل التي عانت إرهاقًا شديدًا وأزمة إمداد متفاقمة من جهة أخرى.

خلال الهجمات، استُخدمت دبابات شيرمان للمرة الأولى في هذا المسرح وأثبتت تفوقًا واضحًا على الدبابات الألمانية. ومع مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني، اشتدت الهجمات البريطانية على خطوط دفاع رومل، وتعرّضت قواته لضربات قاسية رغم المقاومة العنيفة التي أبداها مقاتلوه.

هتلر لرومل: "النصر أو الموت"

عندما رأى رومل أن الموقف يزداد سوءًا، أرسل ممثله الخاص إلى هتلر لعرض الموقف وخطته: طلب إمدادات عاجلة ومنحه حرية عمل كاملة ليخوض أثناء الانسحاب معارك تأخير تُكبّد العدو خسائر فادحة، ثم يهزم العدو هزيمة كبيرة متى وصلت الإمدادات المطلوبة. أمّا إذا لم تتدفّق الإمدادات، فاقترح الانسحاب عبر المتوسط إلى إيطاليا والخروج من إفريقيا.

لكن هتلر لم يستجب؛ ولم يرسل أي إمدادات، بل بعث رسالة قاطعة مفادها: "ليس أمامكم سوى طريق واحد: النصر أو الموت".

وفي 4 نوفمبر/ تشرين الثاني، أصدر رومل أوامر بالانسحاب من خط العلمين الدفاعي نحو مواقع فوكه. واستمرّ انسحاب القوات الألمانية والإيطالية بعد ظهر 4 نوفمبر/ تشرين الثاني وطوال ليلة 4–5 نوفمبر/ تشرين الثاني إلى خط فوكه، تحت ضغط هجمات جوية بريطانية متواصلة.

صباح 5 نوفمبر/ تشرين الثاني، كان معظم دروع رومل قد وصل إلى فوكه. أمر مونتغمري قواته بالإسراع نحو مرسى مطروح لتطويق قوات رومل من الجنوب وقطع خط الانسحاب، كما أمر فرقة نيوزيلندية بالتقدم إلى منطقة فوكه لقطع انسحاب قوات المحور هناك. تأخرت الفرقة النيوزيلندية بسبب حقول الألغام الألمانية، لكنها وصلت بعد ظهر 5 نوفمبر/ تشرين الثاني ومعها فرقة مدرعات؛ فشُُنّ هجوم على مواقع رومل، الذي أمر بالانسحاب إلى مرسى مطروح تاركًا خلفه كثيرًا من العربات بسبب نقص الوقود.

حلقة حوارية من أرشيف التلفزيون العربي تناقش دور العرب في الحرب العالمية الثانية - "قراءة ثانية"

الفوضى تصيب جيش رومل

صباح 6 نوفمبر/ تشرين الثاني، وصلت معظم قوات رومل غرب مرسى مطروح، بينما واصل الفيلق العاشر البريطاني المطاردة بسرعة. ورغم الفوضى التي أصابت جيش رومل عند وصوله، تمكّن من تشكيل جبهة دفاعية شبه متماسكة بهدف تعطيل القوات البريطانية بضعة أيام ريثما يعثر على موقع دفاعي قوي في السلوم.

مع غروب 6 نوفمبر/ تشرين الثاني، هطلت أمطار غزيرة؛ وقد صبّ ذلك في مصلحته، إذ غمرت الوحول الأرض وتعذّر على الفيلق العاشر التحرك قرب مرسى مطروح، فتوقفت المطاردة بالكامل.

مع ذلك، واصل جيش رومل الانسحاب نحو الحدود المصرية. وفي 9 نوفمبر/ تشرين الثاني، تلقى أمرًا من القيادة الإيطالية العليا باحتلال خط دفاعي عند السلوم للدفاع عن برقة. وعلى الرغم من قناعته بأن الدفاع على الحدود المصرية غير مجدٍ نظرًا لإمكان تطويق دفاعاته من الجنوب، اضطرّ إلى تنفيذ الأوامر.

بعدها اضطر رومل إلى الانسحاب نحو خط طبرق في ليبيا بأسرع ما يمكن، بينما سعت القوات البريطانية للاستيلاء على طبرق لاستخدامها قاعدة تموين لعمليات المطاردة بعد أن طال خط مواصلاتها وتضاعفت مشاكلها الإدارية. وفعلًا، أخلى رومل ميناء طبرق خلال ليلة 12–13 نوفمبر/ تشرين الثاني بعد أن استخدم بعض الاحتياجات المتوفرة، ودمر ما تبقى في المستودعات، قبل أن تدخل القوات البريطانية صباح 13 نوفمبر/ تشرين الثاني.

حين انهارت الجبهة ونفدت الذخائر

هدف رومل التالي كان الوصول إلى خط العقيلة الحصين في ليبيا قبل أن تتاح للبريطانيين فرصة تطويقه. لذا استمرّ انسحاب قوات المحور على الطريق الساحلي مع تخصيص قوّات كافية لحماية الجناح من حركات التطويق البريطانية. وفي 19 نوفمبر/ تشرين الثاني، بلغت قوات رومل مواقع العقيلة، لتنتهي مطاردة الجيش البريطاني له في برقة ويعود القتال إلى عمليات ثابتة: جهّز رومل دفاعات محصّنة في العقيلة، فيما بدأ البريطانيون الإعداد لهجوم جديد.

ومن ليبيا، واصلت قوات رومل الانسحاب من نوفمبر/ تشرين الثاني حتى يناير/ كانون الثاني 1943، فوصلت إلى طرابلس التي سقطت لاحقًا بيد الجيش البريطاني الذي أعاد هناك تنظيم قواته وجلب الإمدادات، وكان ذلك في يناير/ كانون الثاني 1943. وفي 26 من الشهر نفسه، نقل رومل مقر القيادة إلى منطقة غرب بن قردان عبر الحدود التونسية. وبحلول منتصف فبراير/ شباط 1943، كانت قواته قد أتمّت الانسحاب الكبير إلى تونس بعد هزيمة قاسية. وهناك، وخلال مايو/ أيار، واجهت ما تبقى من قواته ضرباتٍ بريطانية–أميركية مشتركة؛ فانهارت الجبهة، ونفدت الأسلحة والذخائر، وانتهى الأمر باستسلام جيش رومل بالكامل. (4)

كيف شكّلت العلمين نقطة تحوّل في الحرب؟

وبذلك تكون معركة العلمين قد انتهت بعدما غيّرت واقع شمال إفريقيا بهزيمةٍ لقوات المحور تتصدرها ألمانيا. وما ميّز العلمين الثانية أنها عُرفت بـ"معركة الإمداد"؛ إذ كان واضحًا أن الطرف الذي يسبق الآخر في سباق التموين يبدأ الهجوم ويحسم المبادرة. لذا تُعدّ العلمين فاصلة في تاريخ الحرب العالمية الثانية: اندحرت القوات الألمانية والإيطالية من شمال إفريقيا، وانتقلت المبادرة إلى بريطانيا وحلفائها.

ويرى عسكريون أن فوز بريطانيا في العلمين يعود إلى التفوق العددي والناري، وإلى أسلوب المباغتة والخداع العملياتي الذي اعتمده مونتغمري، ما جعل رومل يجهل مركز ثقل الهجوم البريطاني، ومهّد للهزيمة في العلمين ثم التراجع الطويل إلى تونس، فيما واصل مونتغمري مطاردته حتى داخل تونس.

وبذلك تبقى العلمين من المعارك الحاسمة التي شكّلت نقطة تحوّل في الحرب، ومهّدت لانهيار ألمانيا وحليفتيها إيطاليا واليابان، وصولًا إلى نهاية الحرب بانتصار بريطانيا وحلفائها. (5)

المراجع:

تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
المزيد من