لم تعد مغادرة بيت الأسرة مرتبطة بعمر مُحدّد بقدر ارتباطها بالقدرة على تحمّل كلفة الاستقلال.
إذ أنّ ارتفاع أسعار السكن والإيجارات، إلى جانب عدم استقرار الوظائف وتكاليف المعيشة، يدفع عددًا متزايدًا من الشباب إلى تأجيل الانتقال، بينما يختار آخرون البقاء مع أسرهم لأسباب اقتصادية أو عائلية.
والغرفة التي عاش فيها الشاب خلال المدرسة والجامعة قد يكون البقاء فيها فرصة للادخار قبل الانتقال إلى منزل مستقل، أو ترتيبًا أسريًا مريحًا يناسب جميع الأطراف، أو مرحلة مؤقتة ريثما تستقر الوظيفة. وقد يكون، في المقابل، الخيار الوحيد المتبقي عندما لا يكفي الدخل لاستئجار مسكن والعيش فيه.
اختلاف التوقيت
لهذا لا توجد سن واحدة يُمكن عندها القول إنّ شخصًا "تأخّر" في مغادرة بيت أسرته، فالتوقيت يختلف بشدة بين البلدان والمجتمعات، بحسب العادات وطبيعة العلاقات الأسرية وسوق العمل وكلفة السكن. وفي الاتحاد الأوروبي، بلغ متوسط سن مغادرة منزل الوالدين 26.2 عامًا في 2024، لكنه انخفض إلى نحو 21 عامًا في فنلندا والدنمارك والسويد، وبلغ 30 عامًا أو أكثر في إسبانيا وإيطاليا واليونان وسلوفاكيا.
وقد يبدأ حساب الانتقال بسعر الشقة، لكنه لا ينتهي عنده، فالإيجار يعني أيضًا تأمينًا أو وديعة أولى، وأثاثًا وأجهزة منزلية، ثم كهرباء ومياه وتدفئة وإنترنت ونقلًا وطعامًا وصيانة ونفقات صغيرة لا تبدو كبيرة منفردة، لكنها تصبح معًا كلفة تأسيس حياة منفصلة.
وداخل بيت الأسرة، تكون أجزاء كثيرة من هذه الكلفة موزعة أصلًا على أكثر من شخص. هناك مطبخ واحد وثلاجة واحدة وغسالة واحدة وفواتير مشتركة ومساحة لا يحتاج الفرد إلى تأسيسها من الصفر. ولهذا يمكن لشخص أن يغطي مصروفه الشخصي من راتبه، من دون أن يعني ذلك أن الراتب نفسه يكفي لتشغيل منزل مستقل.
وتزداد الفجوة عندما ترتفع أسعار السكن والإيجارات أسرع من قدرة الداخلين الجدد إلى سوق العمل على مجاراتها. ففي الربع الأول من 2026، ارتفعت أسعار المنازل في الاتحاد الأوروبي 5.1% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وارتفعت الإيجارات 3%.
وتظهر البيانات أيضًا أن الشباب يتعرضون لضغط السكن بصورة ملحوظة. ففي 2024، عاش 9.7% من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا في الاتحاد الأوروبي ضمن أسر تستهلك نفقات السكن فيها 40% على الأقل من دخلها المتاح، مقارنة بـ8.2% من السكان عمومًا.
هل يرغب الشاب في الاستقلال؟
والحصول على عمل لا يفتح باب المنزل المستقل تلقائيًا. فالالتزام بعقد إيجار يحتاج إلى أكثر من راتب دخل الحساب هذا الشهر. يحتاج إلى توقع معقول بأن الدخل سيستمر في الشهر المقبل وبعد 6 أشهر وعام. لذلك يصبح نوع العمل واستقراره جزءًا من معادلة السكن، إلى جانب مقدار الأجر نفسه.
قد يحصل الشاب على دخل يبدو كافيًا في الأشهر الجيدة، لكنه يعمل بعقد قصير أو ساعات متغيرة، أو في قطاع موسمي، أو يبدأ مسارًا مهنيًا لا يعرف إن كانت وظيفته الحالية ستستمر. عندها تصبح كلفة الاستقلال ثابتة في مواجهة دخل غير ثابت.
وتضاف إلى ذلك جغرافيا العمل. فالوظائف والجامعات والخدمات تتركز غالبًا في المدن الكبرى، حيث يكون السكن أعلى كلفة. أما الانتقال إلى منطقة أرخص فيمكن أن يخفض الإيجار، لكنه يضيف وقتًا ونفقات نقل يومية.
لهذا قد لا تكون المقارنة الحقيقية بين "بيت الأسرة" و"شقة مناسبة". أحيانًا تكون بين بيت الأسرة، ومسكن قريب يستهلك جزءًا كبيرًا من الراتب، ومسكن أبعد يعيد ما تم توفيره من الإيجار إلى فاتورة النقل والوقت.
وهكذا يستطيع الشخص أن ينجز واحدة من العلامات التقليدية للبلوغ، وهي الحصول على وظيفة، فيما تبقى العلامة التالية معلقة.
هذه إحدى صور البدايات المؤجلة: تنتهي مرحلة في السيرة الذاتية، من دون أن تتوافر شروط بدء المرحلة التي يُفترض أنها تليها.
البقاء ليس دائمًا تأخرًا
لكن تحويل كل شاب يعيش مع أسرته إلى شخص عالق سيكون تبسيطًا معاكسًا.
فالبقاء قد يكون قرارًا اقتصاديًا ذكيًا. يمكن أن يمنح سنوات لتكوين مدخرات، أو سداد ديون، أو انتظار تحسن الدخل، أو جمع الدفعة الأولى اللازمة لشراء منزل بدل استنزاف معظم الراتب في الإيجار.
وقد لا تكون العلاقة داخل المنزل علاقة إعالة من اتجاه واحد أصلًا. فالأبناء البالغون قد يساهمون في الفواتير والطعام أو الإيجار، ويشاركون في رعاية أفراد الأسرة وفي الأعمال اليومية، بينما يمنحهم السكن المشترك بدوره حماية من تكاليف يصعب تحملها منفردين.
وفي استطلاع لمركز "بيو" للأبحاث في الولايات المتحدة، قال 64% من الشباب الذين يعيشون مع أحد والديهم إن هذا الترتيب ترك أثرًا إيجابيًا في وضعهم المالي. كما قال 72% منهم إنهم يساهمون ماليًا في الأسرة بشكل ما، سواء عبر نفقات المنزل أو الإيجار أو أقساط السكن.
إذن، ليس عنوان المنزل كافيًا لمعرفة مقدار استقلال صاحبه. يمكن لشخص أن يعيش مع أسرته ويعتمد على نفسه في معظم نفقاته، فيما يعيش آخر في شقة منفصلة لا يستطيع دفع كلفتها من دون دعم مستمر من والديه.
أين ينتهي الاختيار؟
يمكن العثور على الفارق في سؤال افتراضي بسيط: ماذا سيحدث إذا قرر الشخص المغادرة الشهر المقبل؟
إذا كان لديه دخل يسمح بمسكن مقبول، ووظيفة توفر حدًا معقولًا من الاستقرار، ومدخرات تكفي لتكاليف البداية، لكنه يفضل البقاء مع الأسرة، فهناك مساحة حقيقية للاختيار.
أما عندما تبدأ الإجابة بسلسلة طويلة من الشروط، فإن معنى البقاء يتغير.
يحتاج إلى وظيفة أفضل أولًا، ثم إلى راتب أعلى، ثم إلى بعض المدخرات، ثم إلى شقة ضمن نطاق سعري محتمل، ثم إلى مبلغ للوديعة والأثاث، ثم إلى هامش يسمح بتحمل طارئ صحي أو فقدان الوظيفة أو زيادة الإيجار.
لا يبدو أي شرط من هذه الشروط غير منطقي منفردًا. لكن اجتماعها قد يجعل الانتقال يتراجع عامًا بعد آخر.
وتشير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أن أسعار المساكن والإيجارات المرتفعة، إلى جانب الوظائف غير المستقرة، يمكن أن تجعل العيش مع الوالدين الطريق الوحيد المتاح لبعض الشباب للتعامل مع هذه الضغوط. كما لاحظت المنظمة ارتفاع نسبة الشباب المقيمين في منزل الأسرة في عدد من دولها خلال العقود الأخيرة.
فقد يغادر شاب بيت أسرته لكنه يبقى معتمدًا عليها في جزء من الإيجار أو المصروف. وقد يعود شخص آخر إلى منزل والديه بعد فقدان وظيفته أو انتهاء علاقة أو ارتفاع كلفة السكن. وقد ينتقل ثالث إلى سكن مشترك مع أصدقاء لأنه لا يستطيع تحمل منزل بمفرده.
وأظهر استطلاع "بيو" أن 45% فقط من الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا وصفوا أنفسهم بأنهم مستقلون ماليًا بالكامل عن والديهم. وبين من تراوحت أعمارهم بين 30 و34 عامًا ارتفعت النسبة إلى 67%، فيما قال 44% من الشباب عمومًا إنهم حصلوا على مساعدة مالية من والديهم خلال السنة السابقة.
وهذه الأرقام لا تعني أن النموذج الأميركي ينطبق على كل المجتمعات، لكنها تكشف شيئًا أوسع: مغادرة المنزل والاستقلال المالي لم يعودا بالضرورة حدثًا واحدًا. ويمكن إنجاز أحدهما وتأجيل الآخر.
ويصعب عزل السكن عن بقية القرارات التي تأتي في مرحلة الشباب. فمكان العيش يؤثر في القدرة على تكوين علاقة مستقرة، والزواج، والإنجاب، واختيار الوظيفة، والانتقال إلى مدينة أخرى. وتشير أبحاث منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أن ارتفاع تكاليف المساكن والإيجارات يمكن أن يكون من العوامل التي تؤخر تكوين الأسر، إلى جانب عوامل اقتصادية واجتماعية أخرى.
ولهذا تمتد آثار صعوبة مغادرة بيت الأسرة أبعد من الغرفة نفسها. فعندما يحتاج الاستقلال السكني إلى سنوات أطول من الادخار أو إلى دخل أعلى مما تتيحه الوظائف الأولى، يمكن أن تبدأ بقية الخطوات بالانتظار خلفه.
لكن لا فائدة من تحويل الأمر إلى سباق أعمار. فمغادرة المنزل في الثانية والعشرين داخل سوق يوفر مساكن قابلة للتحمل ليست الإنجاز نفسه الذي تتطلبه المغادرة في مدينة يلتهم فيها الإيجار معظم الدخل. والبقاء حتى الثلاثين في أسرة تختار العيش المشترك ليس المشكلة نفسها التي يواجهها شخص يريد الرحيل منذ سنوات ولا يملك ثمن البديل.
لذلك لا تكشف سن المغادرة وحدها الكثير، المعيار الأكثر دلالة هو وجود البديل: مسكن يستطيع الشخص دفع كلفته، ودخل يسمح باستمراره، وهامش أمان يمنع قرار الاستقلال من التحول إلى مخاطرة مالية دائمة.
حين تكون هذه البدائل موجودة، يمكن أن يكون بيت الأسرة خيارًا. وحين تختفي، يبقى الباب مفتوحًا كل صباح، لكن المغادرة نفسها تصبح واحدة من تلك البدايات التي لا يؤجلها التردد بقدر ما تؤجلها الظروف.